نتابع في "ملحق الاتحاد" نشر ترجمة خاصة لكتاب "رفاق - مقالة عن الانتماء السياسي" للمفكرة الماركسية المعاصرة جول دين، أستاذة العلوم السياسية في كلية هوبرت ويليام سميث في نيويورك
ماذا عن العرق؟ هل فكاك الرفيق من التاريخ السياسي الأوروبي الأبيض، غير وارد؟ ينفع هنا أسلوب الحجة ذاته الذي استخدمته لمواجهة القلق من الذكورية. إن القلق من أن الرفيق أبيض يفترض كما لو أن الأشخاص الملونين (people of color)، السود على وجه الخصوص، لم يكونوا أبدا رفاقا بالمفهوم الاشتراكي والشيوعي. إن الرأي القائل بأن الشيوعية بيضاء أو أوروبية يغفل تاريخ ووقائع النضال - في الهند والصين والجزائر وكوبا وغينيا-بيساو وفلسطين وأنغولا وفيتنام وكوريا وإندونيسيا وجنوب إفريقيا ونيبال وكولومبيا وأفغانستان والفلبين وإيران والولايات المتحدة واليمن، في كل مكان تقريبا. على مدى العقود العديدة الماضية، وثّقت مجموعة كبيرة من الأعمال الهامة الروابط المنجدلة بين الشيوعية وتحرير السود والنضالات المناهضة للاستعمار، مما يدلّ على تأسيس مشترك لسياسة تفككت في أعقاب هزائم العمال والاتحاد السوفيتي. فيما يتعلق بالشيوعية السوداء في الولايات المتحدة، كانت هناك مساهمات لا غنى عنها من قبل كارول بويس ديفيز، وباربرا فولي، ودايو ف. جور، وجيرالد هورن، ووالتر تي هوارد، وياسوهيرو كاتاغيري، وروبن دي جي كيلي، ومينكا ماكالاني، وإريك س. ماكدوفي، ومارك نايسون، ومارك سولومون، وماري هيلين واشنطن، على سبيل المثال لا الحصر. بالإضافة إلى هذا الأرشيف من الأدبيات، هناك مذكرات لا تقدّر بثمن للشيوعيين السود أنجيلا ديفيس وهاري هايوود وهوشع هدسون (مرة أخرى، قائمة جزئية).
نشر بول هايدمان مؤخرا مجموعة كبيرة من النصوص الأولية حول مسألة العرق المكتوبة في التراث الاشتراكي الأمريكي، بعنوان الصراع الطبقي وحدّ اللون. هذا يكمل مجلديّ فيليب س. فونر من التاريخ الوثائقي، الشيوعية الأمريكية والأمريكيون السود. تواصل العنصرية ومعاداة الشيوعية في العمل على طرد هذه المجموعة من المناهج الدراسية المعتمدة، لمنع تدوينها بكل حقيقتها وتعقيدها. حيث يعمل كل منها بترسيخ صور كاريكاتورية للعرق وللشيوعية، كما لو كانت اتحادًا لا تعدّديات متنوعة. يُكتَشف الرفاق السود ثم ينسون، يؤتى على ذكرهم في هوامش بعض الدراسات الأكاديمية أكثر منه في الجسد الحي لحزب.
في سياق الولايات المتحدة، يمكن تقسيم القلق من أن الرفيق أبيض إلى مُعتَقدَين: الأول يفترض أن السود ليسوا أو لا يمكن أن يكونوا رفاقا مع بعضهم البعض. والثاني أن السود ليسوا أو لا يمكن أن يكونوا رفاقا للبيض. المعتقد الأول يعني ضمنا أن سياسات أولئك المنسوبين إلى نفس الفئة العرقية تحددها الخصائص المشتركة للفئة. إن افتراض القرابة العرقية - الإخوة والأخوات - يحتل الخيال السياسي بأكمله، كما لو لم تكن هناك انقسامات سياسية بين أولئك الذين ينتمون إلى نفس الفئة العرقية. من الواضح أن هذا خطأ. كانت ولا تزال هناك اختلافات سياسية بين السود، تماما كما هو الحال بين الأشخاص من أي هوية على أساس العرق أو الجنس أو الجندر. إن مسائل الانفصالية والاندماج، مسألة قبول الرأسمالية أو رفضها، واستراتيجيات وتكتيكات التحرر بالكاد تخدش قشرة السياسة التي تفرّق الناس المنسوبين إلى نفس الهوية العرقية.
هناك طريقة أخرى لقراءة القلق من أن السود ليسوا رفاقا لبعضهم البعض وهي كتصريح يتعلق بالتراث الراديكالي الأسود. هناك تراث راديكالي أسود مستقل عن الماركسية ولا يمكن اختزاله فيها ويجب فهمه بشروطه الخاصة.39 في الواقع، يقدم بيكو أغوزينو حجة قوية لتأثير هذا التراث على ماركس. 40ومع ذلك، فإن حقيقة التراث الراديكالي الأسود لا تتعارض مع حجتي القائلة بأن الرفيق ليس حصريا على عرق. إنها تدعمها، تحثنا على إدراك كيف ولماذا تحول بعض الراديكاليين السود إلى الشيوعية وتأثيرهم على الحركة الشيوعية. على سبيل المثال، أعطت المناضلة والناشطة في تنظيم النساء السود لوسي بارسونز الأولوية للصراع الطبقي. اعتقدت بارسونز أن الجنس والعرق "كانا حقائق وجودية تم التلاعب بها من قبل أرباب العمل الذين سعوا إلى تبرير استغلالهم الأكبر للنساء وللأشخاص الملونين".41 كما وصلت إلى حد الادعاء بأنه حتى الإعدام خارج نطاق القانون لم يكن في المقام الأول جريمة عرقية. تم إعدام الرجال السود ليس لأنهم سود، إنما لكونهم فقراء. 42
سيريل بريجز هو مثال رائع آخر. واحد من مجموعة مهاجرين من جزر الهند الغربية المؤثرين في نهضة هارلم، أسس بريجز مجلة "كروسيدر" في أيلول/سبتمبر 1918. 43 كانت المجلة مكرسة لـ "الوطنية العرقية"، وتحديدا "إفريقيا للأفارقة". بعد وقت قصير من بدايتها، بدأت كروسيدر بنشر مقالات تربط بين الرأسمالية والاستعمار وتعزز الهوية البروليتارية التي يتقاسمها العمال السود والبيض. 44نظرا للالتزام بريجز بالعرق-أولا، كان هذا تجديد راديكاليّ. كان بريجز يدمج الاشتراكية الثورية والقومية السوداء. على سبيل المثال، في افتتاحيته "اجعل قضيتهم قضيتك"، التي نشرت في يوليو 1919، يشير بريجز:
لا يوجد عرق تتماثل فيه مصالح العمال والمصالح العرقية أكثر وأوضح من حالة العرق الزنجي. لن يستفيد أي عرق من انتصار العمال وتدمير حضارة رأس المال الطفيلية بحاضنتها الإمبريالية التي تضغط على شريان حياة الملايين من أبناء عرقنا في إفريقيا وجزر البحر، أكثر من العرق الزنجي. 45
خلال الصيف الأحمر العنيف عام 1919، كان بريجز يقدم العمل كقضية عرق. لقد رأى الروابط بين نضال الطبقة العاملة ونضال "العرق الزنجي". إن نهاية الرأسمالية ستفيد السود.
في صيف عام 1919، اندلعت إضرابات ضخمة في جميع أنحاء الولايات المتحدة - إضراب عام في سياتل بالإضافة إلى إضرابات في قطاعات الفولاذ والفحم التي شارك فيها مئات الآلاف من العمال. زادت حملات القصف من الفوضويين الوضع حدّةً. لم يتلق الجنود السود العائدون حديثا من الجبهة ترحيب الأبطال، بل تلقوا تمييزا وقمعا وعنفا. تم تجاوزهم للحصول على وظائف جيدة، ودُفعوا إلى أعمال وضيعة. هاجم البيض الهائجون السود. قاوم السود. زادت عمليات الإعدام خارج نطاق القانون في جميع أنحاء الجنوب. حتى أن الجنوبيين البيض أعدموا الناس حرقًا، وسمحت ولاية ميسيسبي بحرق رجل أسود على قيد الحياة. وادعى الحاكم أنه عجز عن وقفها، ولكنه تلقى تأكيدات بأن "الترتيبات اللازمة" قد اتخذت وأن الغوغائيون سيتصرفون وفقا لهذه الترتيبات. حضر ثلاثة آلاف شخص للمشاهدة. 46 حثّت الصحافة السوداء - التي تضمنت أكثر من مائتي صحيفة - السود على حماية أنفسهم، ومعارضة قانون الإعدام خارج نطاق القانون بـ "الفولاذ البارد والنار"، بـ "إرادة حديدية وتصميم لا يُثنى".47 صرخت عناوين الصحف البيضاء، "يحاول الحمر إثارة الزنوج للثورة". ألقت وسائل الإعلام الرئيسية باللوم على البلاشفة في الفوضى في الولايات المتحدة، وأخبرت قراءها أن المنشورات السوداء تموّلها روسيا بهدف إقامة حكم بلشفي في الولايات المتحدة. 48 من خلال ربط نضال السود من أجل التحرّر بالبلشفية، جعلت الصحافة البيضاء السود الذين يناضلون يبدون وكأنهم خونة. بدأت وزارة العدل الأمريكية في معاملة السود "كأعداء محتملين للدولة".49 عكس الجنوبيون البيض المشكلة: لم يكن الأمر أن الزنوج سيجلبون الهيمنة الشيوعية؛ الشيوعية هي التي ستؤدي إلى هيمنة الزنوج. 50
كان هذا هو السياق، إذن، الذي ادعى فيه بريجز بجرأة أن السوفييت حلفاء في نضال تحرير السود وأن معاداة البلشفية هي أداة للعنصرية وللهجمات على الراديكالية السوداء. لم يرض بترديد صدى الصحافة السوداء والتشديد فقط على البعد العرقي للعنف الذي يتعرض له الأمريكيون الأفارقة. لقد رأى أن العنف مرتبط بالطبيعة القمعية والاستغلالية للنظام الرأسمالي. بحلول نهاية العام، كان بريجز يربط معاداة الشيوعية بالفوقية البيضاء. كتب:
إن وقوع المحررين ورسامي الكاريكاتير الزنوج في الأكاذيب حول روسيا السوفيتية التي تنشرها الصحافة الرأسمالية البيضاء أمر مثير للدهشة عندما يعتبر أن رسامي الكاريكاتير والمحررين الزنوج أنفسهم هم أعضاء في عرق كذبت عليه نفس الصحافة الرأسمالية البيضاء بشراسة.51
كانت معاداة الشيوعية، فكر العدو الرأسمالي الأبيض للعمال السود، تتعارض مع مصالح السود.
في الوقت نفسه، الذي كان يُصدِر فيه كروسيدر، نظّم بريجز أخوية الدم الإفريقي (ABB). من خلال كليهما، أنتج توليفة أصلية للهوية الأفريقية والأممية اللينينية. 52 اعتمدت التوليفة جزئيا على رؤية بريجز للشيوعية الأفريقية الأصلية التي دمرتها العبودية والاستعمار. الشيوعية، في هذه الرؤية، أفريقية أصيلة - وليست أوروبية. مع ذلك، كان توليف بريجز، الراسخ في الماضي، موجها نحو المستقبل: المسار الوحيد لتحرير السود هو من خلال دولة زنوج اشتراكية مستقلة داخل كومنولث اشتراكي عالمي أكبر. يعتمد تحرير السود على الاشتراكية - مصالح جميع المنحدرين من أصل أفريقي تؤدي إلى الاشتراكية. الحرية الأفريقية مستحيلة في النظام الرأسمالي. فقط تحالف مناهض للإمبريالية مع الطبقة العاملة، حيث يقود العمال السود العمال البيض التقدميين، سيؤمّن حلم الاستقلال الوطني للسود. قدمت الأخوية نضال حرية السود على أنه يهدف إلى التحول الاشتراكي - وليس "الاندماج في النظام البرجوازي" - وقدمت العمال السود كقادة لطبقة عاملة متعددة الأعراق، وليس أتباع نخبة سوداء. 53 في مواجهة النقاد الذين رأوا الرفيق أبيض لأنهم دمجوا ما بين الاتحادات النقابية، العمّالية (operaismo)، الاشتراكية والشيوعية، قدم بريجز صورة أكثر تعقيدا: الرفيق هو مقاتل من أجل تحرير السود، ملتزم بـ "وعي الزنوج" وسياسة العرق-أولا، والذي يلجأ إلى لينين والتجربة السوفيتية كموارد لنضال السود من أجل التحرير.
//هوامش
39. Cedric J. Robinson, Black Marxism: The Making of a Radical Tradition, Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2000.
40. Biko Agozino, “The Africana Paradigm in Capital: The Debts of Karl Marx to People of African Descent,” Review of African Political Economy 41: 140, 2014, 172–84.
41. Davis, Women, Race and Class, 153.
42. Ibid., 154.
43. Mark Solomon, The Cry Was Unity, Jackson: University of Mississippi Press, 1998, 6.
44. Ibid., 7.
45. Cyril V. Briggs, “Make Their Cause Your Own,” in Class Struggle and the Color Line: American Socialism and the Race Question 1900–1930, ed. Paul M. Heideman, Chicago: Haymarket Books, 2018, 240.
46. Robert Whitaker, On the Lap of the Gods, New York: Three Rivers, 2009, 47.
47. Ibid., 49.
48. Ibid., 50.
49. Ibid.
50. Ibid.
51. Cyril V. Briggs, “Bolshevism and Race Prejudice,” in Heideman, Class Struggle and the Color Line, 241.
52. Solomon, The Cry Was Unity, 13.
53. Ibid., 16.




.png)




.jpeg)


