news
ملحق الجمعة

الزندقة بين الماضي والحاضر

التعريف بمصطلح زندقة

زنديق لفظ غامض، أطلق على معان مختلفة ، رغم ما يجمع بينها من تشابه. فكان يطلق على من يؤمن بالمانوية وبأصلين أزليين للعالم: النور والظلمة. ثم اتسع المعنى اتساعًا كبيرًا حتى أطلق على من يكون مذهبه مخالفًا لمذهب أهل السنة والجماعة (غالبية الخلفاء انغمسوا في ذلك)، أو حتى من كان يحيا حياة المجون من الشعراء والكتاب (تناسوا حياة المجون لبعض من الخلفاء) ومن اليهود (كتاب: من تاريخ الإلحاد في الإسلام/ د.عبد الرحمن بدوي/سينا للنشر/القاهرة/ص36 ، وص37.). وفسرها قاموس لاروس، بأنها أطلقت على كل من كان يُظهر إسلامه ويبطن كفره (ترجمة خليل الجر، ص٦٣٢) ويذكر براون، ان: كلمة زنديق صفة فارسية معناها متتبع الزند أي الشروح القديمة للأفستا وهو كتاب زرادشت المفضل له على النص المقدس. (منقول من كتاب الزندقة والشعوبية في العصر العباسي: د. حسين عطوان/دار الجيل/ بيروت/ص12). 

وجاء في لسان العربي لابن منظور: الزِّنْدِيقُ، لفظ فارسي، معرب، وهو بالفارسية: زَنْدِ كِرَايْ، يقول بدوام بقاء الدهر أنه لا يؤمن بالآخرة ووَحْدانيّة الله. (لسان العرب: ابن منظور). وفي محيط المحيط، زندق – من تخلق بأخلاق الزّنديق ، وقولهم فيه، من تمنطق تزندق، أي من تعلَّم علم المنطق سيتهوَّر وسيتورَّط في الأقيسة والنتائج، بما يُفسد العقائِد الدينيَّة.  (محيط المحيط: بطرس البستاني/موقع صخر على الأنترنت). وفي مختار الصحاح ورد ان زنديق معربة عن الفارسية زِن - دين اي دين المرأة (مختار الصحاح/ الزاي/ دار الكتاب العرب/ص276).

تقصي التباين في إستعمال المصطلح

يأتي مصطلح "الزندقة" على رأس تلك المحطات التاريخية الفارقة؛ إذ ان تاريخ الزندقة المرتبط  بالدولة الإسلامية، خصوصًا دولة العباسيين، ما يزال غامضًا حتى الآن، وجُلّ الكتب التاريخية والأدبية القديمة؛ والحديثة، تناولته بشيء من التسطيح والنظرة غير الموضوعية. الا ان ابن كثير ذكر في سطرين فقط،ان المهدي وظف واستغل التظاهر بالتدين لخدمة مآربه، اذ يقول فيه: "وتلقب بالمهدي طمعًا أن يكون هو المذكور في الأحاديث، فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه ولا تمنّاه". لكن شمس الدين الذهبي، ذكر لهوه ومجونه من ناحية ، وصدَّق إيمانه من ناحية اخرى، فيقول فيه: "وَالْمَهْدِيُّ، كَغَيْرِهِ مِنْ عُمُومِ الْخَلائِفِ وَالْمُلُـوكِ، لَهُ مَا لَهُمْ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِم، كَانَ مُنْهَمِكًا فِي اللَّذَّاتِ وَاللَّهْوِ وَالْعَبِيدِ، ولكنه ، مُسْلِمٌ خَائِفٌ مِنَ اللَّهِ، قَدْ تَتَّبَعَ الزَّنَادِقَةَ وَأَبَادَهم".. وعليه لم يبتغِ الخليفة المهدي ايجاد ديوان الزنادقة لوجه الله أبدًا، انما كان شركا، وكمينا لمعارضيه وناقديه.

تؤكد الأبحاث أن اللفظ قد اتسع معناه إلى حد لا يسمح بتحديده تحديدًا دقيقًا مما يحملنا على الحذر والانتباه الشديد للمعنى المقصود به في السياق الذي نجده فيه.

واضافة لما سبق فقد تم التوسع في استخدامه لفظيا ومضمونا، في العصرين الأموي والعباسي لأغراض سياسية محضة، إذ كان الخلفاء والنخب الحاكمة يلفقون تهمة الزندقة لكل من حاول استخدام عقله وإرادته بعيدا عن السلطة الحاكمة. ووجد المفسرون والمتكلمون النصيون وبدعم من السلطة، فرصة سانحة لهم، ليرموا كل معارض لأفكارهم التقليدية، التى اجتروها ممن سلفهم. 

وعليه يكون مصطلح الزندقة، قد عانى من تُخْمَة الاتساع، مما يمنع حصره في قالب محدد، لذلك يرى أحمد أمين أَنّ معنى الزندقة لم يكن واحدًا عند الناس على السواء؛ ففي أذهان الخاصة والعلماء تختلف عنها في أذهان العامة، اذا مصطلح الزندقة من المصطلحات التي شهدت تطورا كبيرا عبر التاريخ جعل مدلولاته تتسع وتتطور في عدة سياقات تداولية، لتخدم الهدف الذي تبغيه.

موقف المصادر التاريخية من الموضوع

إن المصادر والكتب التي تُحَدثنا عن الزندقة والزنادقة قليلة وغير مأمونة. وهذه القلة إما لأن كتب الزنادقة قد فُقِدت كلها تقريبًا، ولم يعد بين أيدينا منها إلا شذرات ضئيلة نعثر عليها بعد عناء طويل في كتب الردود (مثل رد ابن الرواندي التي عثر عليها الاستاذ كراوس)، أو لان أغلبها، قد كتبه الخصوم وأوردوا فيها آراء الزنادقة، بعد أن أدخلوا عليها شيئًا غير قليل من التبديل والتغيير، بما يوافق أغراضهم في الخصومة والحجاج، وما يتلاءم مع الإلزامات التي يريدون أن يستلخصوها منها، مثل التودد للسلطة، او كتابة ما تمليه عليهم او ما يخدم مصالحها. ولهذا يصعب على الباحث أن يتبين أقوال الزنادقة الحقيقية لان معظم ما كتب روايات متناقلة وأغلبها مدسوس ومزيف ومختلق .

الزندقة في التاريخ العربي في العصور الوسطى: يُجْمِع غالبية الدارسين لهذه الحقبة ان اعتبار الزندقة تهديدا للدين والدولة والمجتمع، يرتبط بالدولة العباسية. وكما هو معلوم ساهمت قوى من الفرس المسلمين في انتصار العباسيين، مما ادى لتزايد قوتهم ومكانتهم من ناحية، مما دفع العباسيين في عصرهم الذهبي لإلصاق تهمة احياء الديانة المانوية (الزندقة) كذريعة للحد من نفوذهم للمحافظة على مركزية السلطة العباسية. 

ويثبت هذا التوجس وصية المهدي لابنه الهادي باستئصال الزنادقة "بني إذا صار الأمر فجرد السيف فيها، فإني رأيت جدي العباس في المنام قد قلدني سيفين لقتل أصحاب الاثنين" (ابن الأثير: الكامل في التاريخ /دار صادر/بيروت/ مج6/ص104 وص105). لكن لا يجوز حصر كل الاضطهادات في مربع التصدي للديانة المانوية ،انما جرى اسقاطه على اطياف وفئات من المعارضة.  ووصية المنصور لابنه المهدي تؤكد هذا: يا بني، أني قد جمعت لك من الآموال، والمالي، ما لم يجمعه خليفة قبلي، ولست اخاف عليك الا احد الرجلين عيسى بن موسى (هو ابن أخي ابي العباس السفاح، جعله عمه ابو العباس ولي عهد المنصور، تحايل عليه المنصور وقدم في العهد عليه ابنه المهدي)، وعيسى بن زيد (هو بن الحسين بن علي بن ابي طالب، وكان ناقما على العباسيين لغصبهم الخلافة من اهلها وكان يجاهر ان العباسيين اغتصبوا الخلافة)، فأنفِق هذه الاموال، واقتل هؤلاء الموالي، واهدم هذه المدينة حتى تظفر به (الطبري، تاريخ الرسل والملوك). 

مارست الدولة العباسية كل انواع العنف لمواجهة من كانت تشك انه يشكل تهديدا لكيانها وفلسفتها الثيوقراطية. ولقد بلور العباسيون وفقائهم مصطلح الزندقة لاطلاقه على حركات معارضة، تمرد، إنشقاق، وكل معتقد ونشاط يتناقض مع الهوية السلطوية والدينية للخلافة العباسية. واصبحت تهمة الزندق واقع بلا ضفاف، وتهمة خطيرة، قد تكلف المتهم حياته.

وعليه لم يكن كل هؤلاء المتهمين بالزندقة، زنادقة حقا؛ وإنما كان منهم من اتهم بالزندقة لأسباب سياسية. ويؤيد هذا التوجه الدكتور عبد الرحمن بدوي الرحمن (من تاريخ الإلحاد في الإسلام) بقوله "ان مفهوم الزندقة كان سلاحا تشهره كل فرقة إسلامية ضد خصومها". ويضيف كان هناك وزراء يتخذون الاتهام بالزندقة سبيلًا للكيد بنظرائهم داخل مربع السلطة أو خصومهم.

نجد من المؤرخين (ابن عساكر ابن النديم وابن كثير) من يُرجع محاربة الزنادقة الى الدولة الأموية حين ضحى خالد القسري بأمر من هشام بن عبد الملك يوم عيد الاضحى بالجعد بن درهم باتهامه بالزندقة والكفر.

الزندقة في العصر الحديث:

في العصر الحديث، بُدء باستخدام مصطلح زنديق على كل ديانة أو طائفة تعتبر متعارضة مع العقيدة (ادم لودفيچ، قاموس الاسلام، دار النشر، راومان، لندن،ص494). وعليه يُنظر الى الزندقة بموجب هذا المعنى، بأنها خيانة لعقائد الإسلام. فنجد هاني السباعي (مقيم في لندن) يدعي بأن حركة الزندقة الجديدة قد خرجت من رحم الزندقة القديمة،لانه يجمعهما قاسم مشترك الا وهو انتهاك عرض الاسلام . وبرأيه فإن طه حسين، نجيب محفوظ، محمد اركون، جابر عصفور، محمد حنفي، ادونيس، مالك شبل وعادل شاهر، هم زنادقة العصر الحديث.

والمقلق ان هذا المصطلح يستخدم بشكل جارف في الخطاب السياسي والديني كوسيلة لإرهاب وإخراس الرأي الآخر في عالمنا العربي. فنجد حركات سلفية مدعومة من انظمة حكم عربية، لا تتورع عن اتهام كل من يخالف فكرها بانهم كفار، ملحدون، زنادقة وخونة يستحقون الإقصاء والقتل. فمثلا في سنة 2009 أصدرت "لجنة ديوان تقصي زنادقة العصر في تونس" قائمة سوداء باسماء 23 باحثا وكاتبا تونسيين، بتهمة انهم في كتاباتهم يقصدون افساد الاسلام و المسلمين وتشويههم بإدخال ما ليس في دين الله من المعاني والأفكار الاباحية. واضافوا بأن حكم الزنديق في دين الله القتل لانه كافر ومرتد. ونشرت تهديدها لهم بعنوان: "القائمة السوداء بأسماء زنادقة العصر المطلوبين". و نشر الدكتور خالد الخالدي (محاضر في الجامعة الاسلامية في غزة)، تدوينة قال فيها، "حماية لعقيدة شبابنا من الفكر والضلال لماذا لا يسن المجلس التشريعي في قطاع غزة قانون الزندقة واظهار العقوبة وفق الشرع".

ويجمع انصار الفكر السلفي بأن زنادقة العصر أخطر على الأمة العربية من زنادقة العصور السالفة على الخلافة الإسلامية. حيث لم يكن للأقدمين أية سلطة في الدولة الإسلامية، وتأثيرهم على الناس كان لا يذكر، في حين أن الزنادقة الحاليين يظهرون الوطنية والعروبة، ويجاهرون بقيم الحرية والعدالة والدمقراطية والتنوير. ان موقفهم هذا يتفق مع مثلنا الشعبي بتعيِر والمعيار فيها.

اثبت التاريخ ان حركات الاستبداد وانصار العقائد الجامدة، والوصوليين يتمادون، في استخدام التدين، وقدسية النص، لتصبح الغاية عندهم تبرر الوسيلة. وبرأيي الزندقة كفعل فكري ثقافي اجتماعي تدمر المجتمعات وتنحدر بها إلى قاع السقوط.

برأيي سيستحيل التغيير بدون تغيير في المبنى الطبقي الهرمي، وتوزيع عادل للدخل القومي لتوفير مستوى معيشة لائق  يجب ضمان مناخ وبيئة ثقافية، انسانية، حضارية، وسياسية، يتنفس فيها الفكر حريته، ويعبر كل فرد عن نفسه، رغباته مبادئه ، دون خوف أو رهبة. وبرأيي، من المحال، ان يتم التغلب على واقعنا المأزوم والمتخلف، إلا ببناء دولة المواطنة الحقيقية، دولة المؤسسات التي تضمن الحقوق الرئيسية للناس بشكل عادل دون تمييز، وبناء جهاز تعليم مؤسس على الفهم والتحليل العقلاني، ويشجع ثقافة الاختلاف والتعدد والتسامح . اننا مطالبون للنظر بجدية في المناهج والقوالب والأنماط التعليمية، بهدف ردم الفجوة الثقافية المجتمعية بين ما نفكر وما نقول ونفعل.

تحتاج شعوبنا إلى المتنورين اصحاب العقل المنفتح الجدلي، من يمتلك صفة استخدام عقله بشكل حر، وغير متشدد ومتعصب ومتزمت لأي رأي وفكرة، يدعمون ويطبقون أسلوب التحاور، المتفهم، الذي يقبل وجود الرأي الآخر، ليست لديهم، نظرة دونية لعامة الناس وعدوانية للمختلف عنهم والأقلية ، لا يضيق صدرهم بالمخالفين. .مواطنون لا يمدحون ويتملقون الحاكم. المثقف الذي يتعامل مع العلم والحقائق وليس مع الخزعبلات والأوهام، يحلل الأفكار وينتقدها ولا يجرح قائلها. المثقف الذي يكشف عورات المجتمع بهدف وتصحيحها، ولا ينافق ولا يهادن ولا يكون انتهازيًا ولا متسلقًا وصوليًا، انسان يحارب الفساد ولا يحابيه ولا يفرض رأيًا ولا فكرًا على أحد.

عندما سيتحقق هذا الواقع المنشود، سنكتشف أن من يدعون محاربة الزندقة وحرية الفكر والتعبير والاختيار بذريعة حماية الدين من التحريف، هم النخب الحاكمة المستبدة والمتنفذة. ويدعمهم وعاظ السلاطين وهم جماعة يحركها النفاق وضياع الكرامة لتحقيق منفعة شخصية. ان القاسم المشترك بين منظومة قوى القهر والاستغلال، بانها لا تخجل بان تكذب وتدجل، لتحريف الدين والتاريخ وشرعنة العنف لخدمة وحماية مصالحها والانتفاع.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب