لمحني أمس وأنا أحوص بين الزيتونات. توقّف، حيّاني، رددت التحيّة بأحسن منها، قال: "نيّالك يا أستاذ بتحوص بين الزيتونات مثل السُوّاح. كلّ النهار قاعد على الكرسي لا حرّ ولا قرّ ". أعجبني قوله "لا حرّ ولا قرّ". واستغربت من أين له هذا! لكنّ كلامه كلّه لم يعجبني. مجمل كلامه أثارني واستفزّني. كنت على حافّة الردّ بحدّة لولا أني عددت للعشرة، وقلت أكتبها في مقالٍ قد تكون أنفع وأجدى من الحديث معه. ولو أجبته لما كتبت. وهكذا صار الذي استفزّني قبل لحظات يستحقّ الشكر على فضله في كتابة هذا المقال.
هي الكرسيّ، التي حسبها أبو عادل جُنّة من الحرّ والقرّ، قد أتعبتني لطول الجلوس عليها. فخرجت أحرّك أطرافي بين الزيتونات. أتفقّدهنّ واحدة واحدة. أعدّ حبّاتهنّ حبّة حبّة. الزيتونات حملهنّ خفيف هذا الموسم. أقصقص بالمقصّ طردًا يابسًا أو ضعيفًا هنا وهناك. أنظّف العروق من الفسائل التي تمصّ نسغ الشجرة وتسقمها بدون فائدة. (والنسغ هي المَوِيّة، والمويّة ماء الشجرة). أقلع بيوتًا من العلّيق نفشت وشاكت أو من الفاقوع عَلَت وشبّت أو الخبّيزة عست وقست. وهذه كلّها رياضات. المشي بين الزيتونات راحة من الكراسيّ والطاولات والكتب والحاسوب والهاتف والأقلام. وهل يظنّ أبو عادل أنّ أمي، رحمها الله، قد ولدتني بروفيسورًا متربّعًا من المهد على كرسيّ الأستاذيّة؟!
الدنيا كلّها مشقّة يا رجل. خلقنا ربّنا العظيم في كبد. ومن خلق فقد علق. لا شيء يأتي بالسهل ولا أحد يأكل لقمته بالهيّن. هذا حكي الفلّاحين والعمّال. وحكيهم صحيح، صحيح وحكيم. اسأل مجرّبًا ولا تسأل حكيمًا، وما بالكم إذا كان المجرّب حكيمًا! كلام عشته على جلدي الذي لم يكن غضًّا منذ ولدت. عشته وما زلت مذ كنت صبيًّا ألملم حبّات الزيتون الضالّة بين القشّ والشوك. كان حواش الزيتون ستّ مراحل يا أبو عادل. في الأولى يتحلّق الرجال حول الزيتونة وينزلون بها ضربًا بالعصيّ مسحًا بالفرّاطات الطويلة. تطير حبّات الزيتون وتتناثر وتبتعد مسافة أمتار عن عرق الزيتونة ومحيطها. لم نكن نعرف الفلّ وقتها حتى نفرده تحت الزيتونة. وفي الثانية تتسلّق النسوان الشجرة بخفّةٍ معهودة فيهنّ حتى يحوّشن الحبّات الشائحات الضائعات بين الورق. والنسوان أخفّ من الرجال. هكذا يقول الرجال لهنّ بخبث مفضوح. وفي الثالثة يلقطون الحبّ من الأرض حبّة حبّة. لا يفرّطون بحبّةٍ منها. يطاردونها وإن شردت بين الشوك. ويلاحقونها بصبر حتى إذا استترت بين البلّان. كلّهم النساء والرجال يحوّطون الزيتونة من كلّ الجهات ويلملمون بأصابعهم العارية العزلاء. وفي الرابعة يشحنون الزيتون وينقلونه. في تلك الأيام ما كنت تسمع صوت سيّارة ولا هدير تراكتور في زيتون كابول. كانت الحمير وسيلة النقل الوحيدة. حتى هذه لم تكن متاحة للجميع. كنّا نستعير من جارنا، أبو عمر رحمه الله، حماره الرماديّ لنحمّل عليه شوالات الزيتون ثلاث أربع نقلات كلّ يوم. وكلّ نقلة ساعة كاملة. كنت أشفق على الحمار في قيظ الصيفيّة القصيرة. ما كان يعزّيني أنّ حالنا لم يكن أحسن من حاله. وفي الخامسة ينقلون الزيتون إلى المعصرة. كانت في بلدنا معصرتان. واحدة "متطوّرة" لسيدي علي الصالح تدور بماتور ديزل يدويّ، يصلحه خبير من دار الجربوني من عرابة، والثانية قديمة لدار حمّود شرقيّ البلد يشغّلها بغل، بغل الحنّانة. وهاتان لا تكفيان لزيتون البلد. كان الزيتون عامرًا بالخير الكثير الوفير قبل العمار وقبل أن يزحف إلى كروم الزيتون الروميّ ويهدّدها بالقلع. كان الزيتون يعفن بعضه وهو مكدّس في المعصرة ينتظر دوره فيها. كنّا نقبعه قبعًا بالكريكات طبقات طبقات. وفي السادسة ينقلونه إلى الخوابي لتخزينه في خُشش معتمة لا يقدر خيط ضوء على اقتحامها وإن حاول. كانوا يحرصون على الخوابي أكثر من حرصهم على أولادهم. يرمّمونها قبل الموسم ينظّفونها يثبّتونها ويسندونها بصرارات منتقاة حتى لا تقع وتنكسر. يحوّطونها بالمعوذتين دفعًا للعين ولكلّ مكروهٍ في علم الغيب..
لا أحد يدرك طول اللذّة وعرضها وعمقها التي يشعر بها الفلّاحون بعد أن يخزّنوا زيتهم في خوابيهم ويضمنوا أكلهم في شتائهم الذي صار يقصر. والمشقّة تزول بخلقينة ماء بارد ينشلونها من البئر. كلّ التعب يزول مع الماء البارد ولا تبقى إلا لذّة الزيت الجديد ولسعته وحرقته تغمسه برغيف طابون من قمحهم الأسمر الذي حصدوه بمناجلهم قبلها بأربعة أشهر. تغمس الرغيف السخن، تغرقه بالزيت، ترفع اللقمة تقطر زيتًا وصحّة وعافية.
لكلّ شيء عندهم أوان ومكان. وبعد أن يملأوا البطون بالزيت الجديد وخبز الطابون، يفقشون معه رأسين من البصل البلديّ الحارق للجراثيم، يأتي دور الغزل. بعد البصل يأتي الغزل. يطيب الغزل في آخر شهر من فصل الخريف، بعد الموسم الصيفيّ، وفي أشهر الشتاء. الدفا عفا. وهل هناك أدفأ من حرارة القلوب حين تُبعث من مراقدها، تجأر بالرغبة المحمومة؟! يرقّ الرجل يرتخي يميع يسيل عند الغزل. الرجل نفسه، الذي ما رأيناه إلا غليظًا عبوسًا جلفًا، صار أرقّ من نسمة صيف. ويرخم صوته الخشن وينعم. وهنا، هنا بالضبط يأتي دور المرأة. تعرف بدهائها الفطريّ كيف تقتنص هذه الرقّة العابرة والنعومة المؤقّتة وتستغلّها أحسن استغلال. فرصة لا تتكرّر كثيرًا. والحقّ كلّه معها. هذه التي كانت، قبل أشهر قليلة، تحصد بصبر وقبول وتزرع وتقلع بدون اعتراض وتتسلّق الزيتونات بخفّتها، التي منحها إيّاها الرجل بخبث، غيّرت جلدها وصارت هي الأخرى تتمنّع وتقول "لا". تتمنّع وهي راغبة. وهي تعرف بالتجربة حدود ال"لا". لا تمدّها فوق حدودها. تعرف أنّ الرجل قد يفقد صبره ويعود بلحظة إلى سابق عهده من الخشونة والغلظة... وحتى أدعم رأيي بشيء من العلم، أنا المتعلّم، أحصيت في حارتنا القديمة ثمانية من أترابي ولدتهم أمّهاتهم في شهري تموز وآب. وهذا يعني أمرين: أنّ الغزل عندهم كان يكثر بعد موسم الزيتون بصفة خاصّة. وعندما يكون الغزل في شهري تشرين الثاني أو كانون الأول تكون الولادة في شهر تمّوز أو آب. والأمر الثاني، الولادة في عزّ الموسم الصيفيّ تحمي المرأة لأسبوع من العمل الشاقّ في الحقول والسهول في عزّ الحرّ وتمنحها استراحة قصيرة.. وهكذا يكون الغزل وثماره في الأوان المحدّد لهما بالضبط. عملٌ أوله متعة وآخره فائدة.
وعودة إلى الكراسيّ التي يظنّها أبو عادل أريح من شغل الزيتون. ولماذا وجب أن تكون أهون؟! اللملمة هي اللملمة. ولا تحسبنّ لملمة المعرفة من الكتب بالقراءة أهون من لمّ الزيتون بين القشّ اليابس والشوك بالأكفّ العارية. الأولى أثرها يصعد من تحت إلى فوق، من البواسير الوقحة إلى الانزلاقات الغضروفيّة في أسفل الظهر فصاعدًا إلى الرقبة حتى صارت مشيتي "مثل شبه المنحرف". والتعبير "مسروق" من قصّة "أشياء غريبة" لأبي هشام، رحمه الله، من مجموعته "كوشان". والثانية أثرها ينزل من فوق إلى تحت تقدح الشمس الحارقة في رأسك، شمس الصيفيّة القصيرة، تخرق جلدك تشوي لحمك وتنخر في عظمك. تحسّ العرق الأُجاج نازلًا يتفصّد من رأسك إلى قفاك، يتدحرج بين الشقّين يترك ملوحة تجعل مشيتك مفاحجة مثل المقروق الذي أصابه فتقٌ في محاشمه.. ويظلّ السؤال معلّقًا، هل المشي مثل شبه المنحرف أفضل من المشي مفاحجة؟ هذه مسألة فيها وجهة نظر. ولمّا جرّبت المشيتين، وما زلت، أجزم أنهما لا تتفاضلان يا أبو عادل. رغم أنّ المشي مفاحجة فيه أمانٌ أكثر للكهول.. الله يصلحك ويصلحنا.





.png)




