علامات فارقة في أسلوب سهيل كيوان
يرصد سهيل كيوان في روايته الأخيرة "ملجأ الكلب السعيد" الواقع الاجتماعيّ، السياسيّ، الحضاريّ، والثقافيّ للإنسان الفلسطينيّ في إسرائيل، والتمييز اللاحق به نتيجة ممارسات السلطة وممثّليها في شتّى مجالات الحياة من خلال المجتمع الكلبيّ الذي يصوّره في روايته، مؤكّدًا عدم التمكّن من تصوير حياة وتاريخ البشر بمعزل عن الكلاب، وهذا ما يصرّح به الراوي في صفحات الرواية الأولى، إذ يقول: "بتُّ أشعر بغنى هذا العالم (الكلاب) وقربه وتداخله الشديد في حياة البشر، بحيث يصعب جدًّا أن نتحدّث عن تاريخ البشر مع تجاهل الكلاب"(الرواية: 54 – 55). في هذا التصريح ما يدلّ على مركزيّة الكلاب، ممّا دفع الكاتب لاختيار اسم "ملجأ الكلب السعيد" لروايته. ليس هذا فحسب، إنّه يفتتح روايته بالحديث عن الكلاب الوافدة إلى قرية (كرمة) مجد الكروم، جاعلًا جلّ اهتمامه بالكلبة التي لجأت إلى مخزن بيته، متابعًا لها على مساحة الرواية كلّها، ثمّ ينهي روايته بالحديث عن تلك الكلبة والمصير الذي آلت إليه، ممّا يُحقّق دائريّة في الرواية تشير إلى الدور المركزيّ الذي تقوم به الكلبة، إضافة لحضور الكلاب الطاغي في فضاء الرواية، ناهيك بما يجد القارئ من تفاصيل عن الكلاب، أسمائها وأنواعها، وما يوفّره الموروث الإنسانيّ الغربيّ والعربيّ من معلومات عن هذه المخلوقات وارتباطها بحياة البشر.
في هذا المقام يتبادر إلى الذهن سؤال لا بدّ منه، وهو: هل كانت هذه الكلاب حقيقيّة شردت وتوزّعت في منطقة مدينة الله وبلدة كرمة بسبب العمليّات الحربيّة التأديبيّة في شماليّ البلاد؟ أم أنّها كلاب رمزيّة وظّفها الكاتب لتصوّر بعض الكائنات البشريّة التي نزحت عن موطنها خوفًا على حياتها هناك، فوصلت إلى مدينة الله وبلدة كرمة واستقرّت فيهما مؤسّسة لحياة آمنة بعيدة عن المخاطر التي قد تتعرّض لها في بلادها؟! أم أنّ هناك هدفًا خفيًّا يكمن وراء توظيف الكلاب في الرواية؟ وتبقى الإجابة مفتوحة أمام القارئ كلّ وما يتلاءم وثقافته ونشاطه...
وبعد، فإنّ الاسم "ملجأ الكلب السعيد" يثير في نفس القارئ مفارقة مؤلمة مع نهاية الرواية، فقد يتوقّع القارئ عند قراءة اسم الرواية، حياة سعيدة ومصيرًا ورديًّا لذلك الكلب إلّا أنّه يصدم بمصير الكلب/ الكلبة إذا هرم أو أصيب بمرض ما كالحمّى المالطيّة، عندها ينقل إلى ملجأ في خليج حيفا، ليقتل بالحقنة الرحيمة، ثمّ يحرق بعد موته تحت درجة حرارة ثمانمائة أو أكثر، وفي هذا تصوير لقسوة الإنسان وتجرّده من المشاعر تجاه الحيوان وهو يسوقه إلى ذلك المصير القاسي، فكيف يكون الملجأ سعيدًا عندما يلقى الكلب حتفه بهذه الطريقة المنفّرة؟! ممّا يوحي بأنّ اسم الرواية يعكس مفارقة صارخة تهزّ مشاعر القارئ الإنسان، إلّا أنّ الكلبة كليلة أو فورتونا تنجو من هذا المصير بفضل صاحبيها إيلي ونجم اللذين أنقذاها منه وعادت معهما، ليصير ملجأها، في كنف صاحبها، سعيدًا.
يُسخّر كيوان تقنيّة السخرية في نتاجه الأدبيّ بأشكالها المختلفة لتصبح علامة فارقة في أدبه، شخصيّته، وحتّى كلامه اليوميّ، كالمفارقة المذكورة أعلاه، وغيرها من أشكال السخرية التي ينثرها في تضاعيف روايته ومن ذلك قول الراوي: "أخذت قطعة من الدجاجة التي كانت تُقرقر قبل يومين في قفص في "ممعطة السلام"، ووضعتها في طبق بلاستيكيّ أمامها، وكلّما رأيت اسم هذه الممعطة أبتسم، ما علاقة معط الدجاج بالسلام!"(الرواية: 11 – 12)، ثمّ يستطرد ذاكرًا مصالح كثيرة تحمل اسم السلام، ليقرّر فيما بعد، أنّ قرية (كرمة) "لا تنفرد بهذه التسميات السيميائيّة الشفّافة، بل هي منتشرة في كلّ البلدات العربيّة، من النقب جنوبًا، حتّى مرتفعات الجليل شمالًا، كأنّ أمّة العرب تجتهد في إثبات رغبتها في السلام، وتجاهد لتدفع عنها تهمة خطيرة دمغها بها من يملكون وسائل الإعلام الأرضيّة والفضائيّة"(الرواية: 12)، وفي هذا ما يُشعر القارئ بسخرية لاذعة تعكس تارة مفارقة أليمة كممعطة السلام، وتُظهر تارة أخرى سخرية الراوي من تهافت العرب على هذه الأسماء لدرء سمة العدائيّة عنهم، رغم وقوعهم تحت وطأة تلك العدائيّة ومعاناتهم الشديدة نتيجة ممارسات السلطة ضدّهم حيثما حلّوا، وعدائيّة أبناء القادمين الجدد من الروس الذين تكدّسوا في "مدينة الله"(كرميئيل)،كما توضّح أحداث الرواية.
في مواضع أخرى تأتي سخريته لطيفة تبطّن في تضاعيفها فكاهة سوداء تُغرق القارئ في موجة من الضحك المتواصل، ومن ذلك الخبر الذي نقله يزن الحميّد لزوجته هناء فيما يتعلّق بخسارة أخيها نصري لأرضه في مقامراته، يقول: "المحامي العظيم خسر الأرض في المقامرات.
بقيَتْ واجمة، ولم تُجب.
مالك ساكتة؟
هذا مش صحيح! مِنْ وين بتجيب هاي الأخبار؟
منين يعني؟ من ال بي بي سي!"(187).
تقرّع رندا زوجها نجم لاهتمامه المبالغ فيه بالكلبة كليلة التي لجأت إلى مخزن بيته واتّخذته مأوًى لها، مبطّنة احتجاجها وسخريتها المتهكّمة من سلوك زوجها، فتقول: "شفقان على الكلبة! تتدلّل وتستلقي على ظهرها، وكمان بتفتح لك رجليها، هذا اللّي ناقصني"(32).
ينهج كيوان في هذه الرواية نهجه المألوف في قصصه ورواياته السابقة، إذ يتّكئ بصورة بارزة على تقنيّة الاستطراد فيقطع تسلسل الحدث ليثري روايته بمعلومات كثيرة يستقيها من حقول معرفيّة عديدة ومختلفة، كحديثه عن حقّ الطنابة عند العرب الذي يقضي بواجب حماية الطنيب كائنًا من كان، أو زجّه لحادثة مع أبي العلاء المعرّي وردّه على أحدهم حينما عثرت قدمه برَجُلٍ جالس نعته بالكلب، فردّ عليه أبو العلاء "الكلب من لا يعرف للكلب ستّين اسمًا، ونظم في أسماء الكلب أرجوزة. يعلّق الراوي في بعض الاستطرادات على الحدث كذكره الشاعر، عليًّا ابن الجهم ومدحه للخليفة المتوكّل حين شبّهه بالكلب، فيشير الراوي قائلًا: "هذه قصّة يصعب تصديقها، فمَن يصدّق أنّ شاعرًا يصف خليفة المسلمين وزعيم إمبراطوريّتهم بالكلب" (29)، وغير ذلك ممّا يحفظه من الموروث العربيّ. وفي موضع آخر من الرواية يزجّ الكاتب نفسه في الحدث، فيفصل بين وظيفة الراوي/الكاتب وبين شخصيّة نجم، قائلًا: (صحيح أنّ اسمها فورتونا، ولكن هناك كنتُ أنا الراوي المطلّ على النصّ، الذي يعلم كلّ شيء، أمّا هنا، فأنا صاحب البيت الذي لجَأَتْ إليه، أنا نجم الذي لا يعرف عن تاريخها شيئًا) (28).
تأتي بعض الاستطرادات لتُظهر مشروع السلطة في تعزيز الموروث اليهوديّ الصهيونيّ، إذ يقول الراوي: "جُبت شوارع شمال عكّا، كلّما زرتها لفت انتباهي أنّ أسماء الشوارع مستوحاة من قيادات صهيونيّة وعمليّات عسكريّة وأقسام من الجيش مثل لواء جولاني وعمليّة سيناء" (247). يستحضر الراوي/الكاتب حدائق البهائيّين، البهجة، التي زارها في مرحلة دراسته الابتدائيّة، وفيها ضريح بهاء الله، مؤسّس البهائيّة، وابنه عبد البهاء، مشيرًا إلى أنّ كبار السنّ يسمّون هذه المنطقة "المنشيّة"، ثمّ يتوسّع مع ذكر المنشيّة ليعدّد مواقع كثيرة تحمل نفس الاسم، كمنشيّة يافا ومنشيّة طولكرم ومنشيّة صفد ومنشيّة بيت لحم ومنشيّة البكري في مصر واسكندريّة في مصر والمفرق في الأردن، وفي السعوديّة توجد عدّة قرى تحمل اسم المنشيّة (247 - 248)، وفي هذا ما يشير إلى عناية الراوي/الكاتب بتوثيق المكان وحفظ معالم البلاد.
يتحوّل الراوي/الكاتب في بعض استطراداته إلى الموروث الموسيقيّ الغربيّ والعربيّ ممّا سمعه في المرقص من "الأغاني الروسيّة لنيكولاي إيفانوفتش توسكوف، وأغاني فرقة موسكو وجوركي بارك والمطربة الصاعدة جانا فريسكة، والأغاني الغربيّة لكلّ من (لندن بويز ومادونا وجورج مايكل وخوليو اغلاسياس) وغيرهم، عزفوا ألحانًا تركيّة وشاميّة ومصريّة، بطلب من "الأمير" نصري!"(83). وغير ذلك من الاستطرادات الكثيرة التي لا يتّسع المجال لذكرها، ممّا يعكس ثقافة الكاتب الواسعة في مجالات كثيرة، وتؤكّد اطّلاعه على المنجز الحضاريّ الإنسانيّ، رغم ما في بعضها من إقحام يثقل كاهل النصّ.
يطعّم كيوان روايته بألفاظ من اللغة العامّيّة المحكيّة والأقوال الشعبيّة السائرة، وألفاظ عديدة من لغات أجنبيّة مختلفة، فيضفي على أحداثها سمة الواقعيّة، ومن ذلك قول حسنة، والدة إدريس، وهي تودّعه عند سفره للدراسة في روسيا: "إن شاء الله أشوفك حتشيم"(76)، أو رسالة أخته نوخة العاتبة لانقطاع أخباره عنهم، وفيها تقول: "ليش ما تبعث لي ولصالح تطمئننا عليك! وين صارت دراستك يا دكتور! شدّ حالك، وانتبه لدراستك، لا تنخدع بالشعر الأشقر والعيون الزرقا والخضرا والليلكيّة، من طين بلادك حطّ ع خدادك"(78)، ويأتي ردّ إدريس على رسالتها بلغة بدويّة محكيّة أيضًا امتدت على مساحة ثلاث صفحات تقريبًا، ومن ذلك ما يسرده نافرًا من ظروف حياة البدويّ والعربيّ في هذه البلاد مقابل نعيم الحياة في روسيا، فيقول: "شلون قِدرُم أهلنا يعيشون قرنًا من الزمن بجحر ضبّ؟ إيش لاجوه فيه، وليش اختارم أجدادنا هيك مكان أضيَق من موكرة عقرب حاشاك، حشرم حالهم وحشرونا من بعدهم، هين مساحات، ساحات ونوافير ميّ كلّ واحدة منها أكبر من سهل الشاغور، إيش أحكيلك ولا إيش عن الميّ، الله يرحمك يابا!"(78 - 79)، كما يُعنى كيوان بتوثيق بعض المصطلحات المستعملة في قرية (كرمة) مجد الكروم، فيقول الراوي: "في المطر الأوّل والذي نسمّيه في كرمة "شتوة المساطيح"، لأنّها كانت ترغم الفلاحين على جمع مسطّحات من القماش والحصير يجفّفون عليها التين"(241).
يزجّ كيوان عدّة ألفاظ من اللغات الأجنبيّة كالروسيّة، والعبريّة، والإسبانيّة تشي بسعة اطّلاعه على هذه اللغات، وتأثّر الإنسان العربيّ بالروسيّة خاصّة، نظرًا لمعايشة القادمين الروس، فيذكر اللفظة الأجنبيّة ولا يغفل عن إيراد معناها، مثل (كراسيفيا) بمعنى جميل، (ميست) بمعنى انتقام، (تي جفريش بروسكي) بمعنى أنت تتحدّث الروسيّة؟ و(ناشا سترانا) أي هذه بلادنا، ومن ألفاظ الإسبانيّة ما يطلقه إيلي مناديًا الكلبة فورتونا/ كليلة بقوله: (فين أكوي) أي تعالي، ومن العبريّة ما يتحدّث به نجم مع كليلة مدركًا أنّ لغتها الأمّ هي العبريّة، مثل(זה אסור)، أي هذا ممنوع، و (למה יא מתומתמת) بمعنى ليش يا غبيّة، وبعض الألفاظ العبريّة التي تعكس تأثّر الإنسان العربيّ بها مثل، (مشمار جفول) أي حرس الحدود، و(شميرا – שמירה) بمعنى حراسة وغيرها، ممّا يزيد في واقعيّة الرواية.
أمّا الأقوال الشعبيّة السائرة فيوظّفها اختصارًا للكلام وطول الشرح كقول نوخة المذكور أعلاه: "من طين بلادك حطّ ع أخدادك"، وفي ذلك حثّ لإدريس على التزوّج من فتيات بلاده، أو "البسّة تاكل عشاه"، وفي هذا ما يعكس بساطة المتحَدَّث عنه وابتعاده عن العنف، ثمّ يسخّر الراوي بعض الكلام العادي حاذفًا بعض الكلمات المعيبة، كونها مفهومة للقارئ العربيّ، أو لشهرتها فتُحدِث نوعًا من الفكاهة، مثل كلام نصري وهو يردّ على استفسارات زوجته دعاء حول كثرة أسفاره مع صديقه مدير البنك، فيجيبها بعصبيّة: "فكّري شو ما بدّك.. طعر.... مليح؟!!" (183)، ومثل ذلك نجد في حديث يزن مع زوجته هناء وهو يخبرها عن خسارة أخيها نصري كلّ أمواله وأرضه في المقامرات "على أمل أن يربح الجائزة الكبرى بقيمة ستّين مليونًا، ولكنّه ربح ستّين بعبوصًا"(187)، ثمّ يضيف يزن قائلًا: " ممكن أن تقولي إنّ تعب أبيك وحصّتك وحصّة صفاء راحوا في ط ... عورة وأعور"(188)، تصوّر بعض هذه الأقوال غضب نصري وعدم مبالاته بكلام بزوجته، ويعكس بعضها الآخر نوعًا من الشماتة والحسرة لخسارته كلّ أمواله، دون أن يبالي بتعب والده وضياع حقّ أختيه في ميراث والدهما، ناهيك بما تضفيه من جوّ السخرية والتّهكّم.
يسرد الراوي أحداثًا حقيقيّة وقعت فعلًا في أماكن مختلفة من البلاد، ممّا يزيد من واقعيّة الحدث، كقصّة زياد، الفتى المقدسيّ المتوحّد والفتاة المرافقة له، وكلبه المدعو "صاحبك"، إذ أطلق الجنديّ "إيغور" النار على كلبه وأرداه قتيلًا، ثمّ على زياد فأصابه برصاصة في رأسه، ممّا أخضعه للعناية المكثّفة بحالة حرجة، وأدّعى الجندي أنّ المخرّب حاول اختطاف سلاحه بمساعدة كلب شرس، رغم أنّ كلبه عبارة عن جرو صغير، من نوع براغ راتر، لا يشكّل أيّ خطر حتّى على رضيع، واحتياطًا للأمر تمّ نقل الوحدة المتورّطة في حادثة الفتى للخدمة في النقب، وفي ذلك ما يعكس ممارسات السلطة ضدّ الإنسان الفلسطينيّ في البلاد.
يلجأ الراوي إلى توظيف الأسئلة البلاغيّة ليثير قلق الشخصيّة، ويتيح للقارئ المشاركة في إنتاج النصّ، ومن ذلك تلك الأسئلة التي يثبتها نجم عندما شكّ بأنّ الكلبة كليلة تخرج لتسرق بعض الأشياء وكلّ شيء متوفّر لها، ممّا أثار غضبه، فيتساءل: "هل ملّت من الطعام الجاهز والمطبوخ والمُصنّع الخاصّ بالكلاب؟ أم هي غريزتها التي تغلبها؟ هل تريد القول لي: إنّها قادرة على توفير لقمتها بقواها الذاتيّة ولا تريد جميلًا منّي! هل قرّرت أن تحقّق لنفسها استقلالًا غذائيًّا!"(48). يلتقي القارئ بمثل هذه الأسئلة خلال تضاعيف الرواية، ومن نماذجها ما يتردّد في فكر نجم خلال رحلة بحثه عن مكان؛ ليتخلّص من الكلبة كليلة، فيقول: "لاحظْتُ بادرة دمع تتجمّع في عينيها، هل تبكي الكلاب؟! هل تبكي إذ أدركت مرادي من هذه الرحلة، أم تبكي لفراق أسرة أكرمَتْها، هل تذكّرت رحلة مشابهة انتهت بتشرّدها! هل تبكي على حالها الذي لا يستقرّ! هل تبكي لنكران البشر للعشرة والوداد بهذه البساطة! هل كانت ابنة عزّ في كنف أسرةٍ تخلّت عنها في لحظة الخطر؟"(246- 247). تبطّن هذه الأسئلة عدّة أمور، أبرزها التعريض بسلوك صاحبها إيلي وهو يتخلّص منها بسبب الوضع الأمني شماليّ البلاد لعدم تمكّنه من اصطحابها معه، كما تُظهر تشيّؤ الإنسان وتجرّده من المشاعر وهوان العشرة عليه، إضافة لما تظهر من حدس بمصيرها وتشتّتها، وتنكّر الإنسان لما يجيش في نفس الكلاب من مشاعر مؤلمة.
يتّخذ الكاتب روايته منصّة ليوجّه بعض النقد للمجتمع العربيّ والإسلاميّ مقارنًا بين تعامل اليهود مع الكلاب مقابل تعامل العرب، فيقول: "اليهود يعتنون ويدرّبون الكلاب أكثر من العرب، أكثرهم ذوو تقاليد أوروبيّة، وتدريب الكلاب وتدليلها للتسلية هو ترف الميسورين، وخصوصًا سكّان المدن!"(51)، أمّا عند العرب فهي للحراسة فقط، وقد رأى الفقهاء أنّ وظيفتها لغرض عمليّ كالحراسة والصيد أو مساعدة صاحب حاجة خاصّة، ويكرهون إدخالها إلى البيت للتسلية، أو احتضانها وتبادل القبلات معها(51)، فهذا يزن الحميّد يجنّ جنونه عندما رأى فانتينو، كلب زوجته هناء، راقدًا بين ذراعيها ورأسه بين نهديها، ممّا أحدث شجارًا بينه وبين زوجته أسفر عن إلقاء الكلب في حاوية قمامة البلديّة التي مضت به إلى المجهول (198- 200).
أمّا إدريس فرغم حفظه للنصّ القرآني من آية المواريث: "للذكر مثل حظّ الأنثيين" فقد أجاب عن سؤال الأستاذ جاد الله حول تقسيم اثني عشر دونمًا من ميراث رجل بشكل مغاير لزملائه، معتمدًا على ما يراه في الواقع فقال: "الإجابة الصحيحة هي اثنا عشر دونمًا من نصيب الذكر ولا شيء للأنثيين"، كتب له علامة صفر. لم يستسلم، وحاجج مدافعًا عن إجابته: يا أستاذ، أعطني مثالًا واحدًا عن رجل مسلم من بلدتك، قسّم ميراثه حسب الشرع"(73)، وهذا ما حصل عليه نصري من ميراث والده حارمًا أختيه من حقّهما بعد التلاعب بوصيّة والده اعتمادًا على ما قاله المحامي ليزن بأنّ الوصيّة الأولى تمّ إلغاؤها واستبدلت بأخرى قبل بضعة أشهر، أي بعد إصابة والد نصري بالخرف(178). وقد يأتي نقده مبطّنًا في بعض المواضع كالذي يوجّهه لمجمع اللغة العربيّة إذ يقول: "أخرج حجارة البطاريّة ممّا يسمّيه مجمع اللغة العربيّة الحاكوم (الريموت) ورماه"(230)، وفي هذا ما يُشعر القارئ بعدم استساغة الراوي/ الكاتب لمصطلح الحاكوم.
يلمح القارئ نقدًا للعرب في مقارنة الراوي بين اليهود والعرب، فاليهود "جمعوا تجارب شعوب الأرض وجاؤوا بها، وهذا سبب لقوّتهم، يسوِّقون كلّ شيء بالقانون والمنطق"(161)، أمّا العرب فمَثَلَهم كمثل بطلة قصّة "المغفّلة" لأنطون تشيخوف "التي شكرت السيّد الذي كانت تعمل خادمة في بيته، رغم خصمه لأكثر من ثمانين بالمائة من راتبها كذبًا وافتراءً، وعندما سألها على ماذا تشكره؟ قالت: كان بإمكانك أن لا تدفع شيئًا"(161- 162)، وهكذا هم العرب يشكرون الدولة لأنّه كان بإمكانها أن تصادر أرضهم دون دفع أيّ تعويض(161)، وفي هذا ما يوحي بسذاجة العرب وغفلتهم عن إدراك حقوقهم وقلّة حيلتهم في الدفاع عن ممتلكاتهم.
كلّ ما تقدّم من حديث عن فنّيّة السرد في الرواية تعتبر سمات فارقة في نتاج الكاتب سهيل كيوان، هي سمات لا تغيب عن نتاجه الأدبي يُغري بها القارئ حتّى لا يملّ القراءة ويتابع النصّ حتّى الانتهاء منه، وقد وظّفها الكاتب في هذه الرواية أيضًا بصورة مكثّفة أضفت على الرواية حُلّةً قشيبة، وخفّة ظلّ على امتدادها، ناهيك بما يتيحه للقارئ من المشاركة في إنتاج النصّ.
(يتبع حلقة ثانية وأخيرة)







.png)


.jpeg)


.png)

