كُنتَ ماركسيًا وتبت-سامحكَ الله- فهل أنت بالضرورة على باطل؟ وهل أنا الماركسي- ما أزال- على حق؟ هل أحدنا محقّ لأن صور ماركس ولينين ما زالت على جدار غرفته، والآخر مخطئ لأنه أزالها عن جدار غرفته؟ أو هل كلانا محقّ وكلانا مخطئ؟ لا أنا ولا أنت نعرف ذلك ولا سوانا. من ينبغي أن نسأل ليعطي القرار الصحيح؟ قد تسأل أحدًا يتفق معك، ولكن مادام يتفق معك كيف يمكنه صوغ القرار؟ وقد تسأل أحدًا يتفق معي ولكن مادام يتفق معي كيف يمكنه صوغ القرار؟
هذه التساؤلات للفيلسوف الصيني "تسوانغ تسي" ابن القرن الرابع قبل ميلاد السيد المسيح، خطرت لي وأنا أستلم أربعة صناديق كرتون كبيرة، ثقيلة، محكمة الإغلاق، بذلت جهدي في نقلها من سيارة رفيقي الشيوعي المتوقفة على زاوية كنيسة الروم الأرثوذكس في مدخل زقاق المسيحيين، إلى مكتبتي في رابع دكاكين ذلك الزقاق. هذه الصناديق هدية من رفيق هجر الشيوعية -أصلحه الله- فتذكّرني. شكرًا له على كل حال. وحقيقة أن يكون المرء شيوعيًا لا يتعارض مع كونه مسيحيًا مؤمنًا يُصلّي في الكنيسة، وذلك لا يتعارض مع كونه ينشط في حزب شيوعي، ولا يمنعه من أن يكون صديقًا لعدد كبير من المسلمين، يدخل بيوتهم ويأكل خبزهم. ولعلها نادرة تستحق الذكر أن مصطفى جقمور، من أهل مدينة إدلب في الشمال السوري، هو أحد رفاقنا في الحزب الشيوعي السوري ظلَّ لأكثر من ستين عامًا شيوعيًا مؤذّنًا، يؤذّن في الناس، ويُصلّي في المسجد. حالة نادرة لا شك في ذلك، ولكن أي شخص هو عضو في جماعات مختلفة متعددة، ومن دون أن يكون ذلك تناقضًا بأي شكل من الأشكال، وكلٌّ من هذه الهويات الجمعية التي ينتمي إليها هذا الفرد تعطيه هوية اجتماعية تجعله شخصًا مهمًا بالفعل.
بعض الناس يظنُّ أنه يعرف طريقه إلى البيت. أؤكد لكم أنني لا أعرف هذا الطريق دائمًا، فكثيرًا ما كنتُ أرتقي السياج بدل الدخول من الباب، لأنك قد تجد الحكمة في طبعة كتاب رثِّ مُغبرِّ مغمور ممزق مدفوع بالأبواب أكثر مما تجدها في كتاب أنيق الطباعة مذهَّب الحواشي يرتاح على رفِّ مكتبة فخمة في شارع أنيق. وقد كتب أحد الصحفيين من جريدة "شيكاغو تريبيون" زار ماركس عام 1878 وأجرى معه لقاءً: لا يجري حديث ماركس على غرار واحد، بل يتنوَّع تنوع الكتب على رفوف مكتبته. ويمكن عمومًا أن نحكم على رجل من خلال الكتب التي يقرأها، وهذا ما يمكنكم أن تفعلوه باستنتاجاتكم الخاصة حيث أقول لكم إنَّ نظرة عابرة قد كشفت عن شكسبير وديكنز وموليير وراسين وبيكون وغوته وفولتير، وعن كتب زرقاء إنجليزية وأميركية وفرنسية، وعن أعمال سياسية وفلسفية بالروسية والألمانية والإسبانية والإيطالية.
فتحتُ ختم صناديق الكرتونيَّة فبلغ عدد كُتبها أزيد من مئتين. رحتُ أتصفح الكتب على مهل. لأن الوقت كان -تلك الأيام- أوفر ما عندنا، عكس باقي الأشياء في المدينة، حيث لا غذاء ولا ماء ولا كهرباء ولا هواء ولا دواء، أعان الله الفقراء، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. وجدت المنّ والسلوى في القراءة. وتذكرتُ كم كان المتنبي حكيمًا في قوله:
أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ
وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ
السرج السابح بعيد المنال، يا أبا الطيب، ولكنك أنتَ هُنا في حضرة كُتب أئمة الماركسية_اللينينية وشيوخها ومجاهديها.
وجدتُ كنزًا شيوعيًا مهمًا، أول هذا الكنز كُتيِّب "مبادئ الشيوعية" ألّفه فريدريك أنجلز في تشرين الثاني/نوفمبر عام1847 كصيغة أولى لتعريف ما هي الشيوعية. وهي صيغة جميلة على كل حال في أسئلة وأجوبة. يطرح أنجلز السؤال ثمَّ يُجيب عنه. عرض هذه الصيغة على رفيق دربه كارل ماركس، وكانت أول وثيقة واضحة المعالم عن المفهوم الجديد للعالم الذي تبلور في عقل الشابّين. تمَّتْ صياغة شكل البيان أخيرًا ونُشر تحت عنوان "البيان الشيوعي" بصيغته المعروفة لأول مرة في طبعة خاصة باللغة الألمانية في لندن في شهر شباط/فبراير عام 1848. كان ماركس في الثلاثين، وأنجلز في الثامنة والعشرين من العمر. ويقول الرفيق خالد بكداش في كتاب الصحفي السوري عماد ندَّاف "خالد بكداش يتحدث" الصادر في طبعته الأولى في دمشق عام 1993: قمتُ بترجمة "البيان الشيوعي" من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية عام 1933 على ما أذكر. يقول البيان في إحدى فقراته: إن الشيوعيين قد آن لهم أن يعرضوا أمام العالم بأسره مفهوماتهم وأهدافهم وميولهم، ويدحضوا خرافة شبح الشيوعية ببيان من الحزب نفسه. يبدأ فصله الأول بهذه الجملة المشهور: إن شبحًا يرعب أوروبا هو شبح الشيوعية. و"البيان الشيوعي" نصٌ قصير، صارم، ينتهي بنص مماثل في الشهرة: وهكذا يسحب تطور الصناعة الكبرى من تحت أقدام البرجوازية البساط الذي أقامت عليه نظام انتاجها وتملكها. إن البرجوازية تنتج، حفَّاري قبرها، فسقوطها وانتصار البروليتاريا أمران حتميان".
وجدتُ كتابًا فخمًا وضخمًا أكثر من 600 صفحة من مراسلات كارل ماركس وفريدريك أنجلز، ترجمه إلى العربية من نسخة إنكليزية الدكتور فؤاد أيوب، صادر في طبعته الأولى في 3000 نسخة عام 1981. ما أهمية هذه المراسلات اليوم؟ قيمة المراسلات عظيمة كما قال لينين، فلا يقف ماركس وأنجلز هُنا أمام القارئ بصورة جريئة فحسب، بقامتيهما المليئتين، بل ينكشف محتوى الماركسية النظري الغني جدًا بأعظم الوضوح. تجدُ في هذه المراسلات جدلًا حيًّا في الفكر الذي يُحاول شقَّ دربه الخاص، والذي سيُصبح بعد قليل علمًا أحمر يخفق في الريح عبر أرجاء الكرة الأرضيَّة.
وكان لطيفًا أن أجد كتاب "ذكريات عن ماركس وأنجلز" طبعة دار التقدم في موسكو عام 1976، وهذه طبعة نادرة مصورة، فيما أحسب. وفيها تجد ما قالته جيني فون فستالين زوجة كارل ماركس عن تلك الأيام الصعبة في لندن، حيث لا مال ولا عمل. وليس العمل سهلًا في حالة البؤس، وقد أصبحت أسرة ماركس المؤلفة من ستة أفراد أكثر بروليتارية في طابعها إبان تلك السنوات في لندن. لم يكن ماركس يستطيع الخروج في بعض الأحيان لأن ملابسه موجودة في محل الرهونات. حتى الورق الذي يكتب عليه لم يكن موجودًا، كذلك ضرورات الحياة لأسرته. وخلال الفترة التي عاشها في "دين ستريت" ولدت له طفلة هي فرانشيسكا، ماتت بعد سنة من الفاقة. وقد وصفت زوجة ماركس هذه المأساة في رسالة إلى صديقة في أمريكا تقول فيها: أطفالنا الثلاثة يرقدون على الأرض ونحن جميعًا نبكي الملاك الصغير الذي كان جسده بلا حياة والموجود في الغرفة المجاورة. ولقد حدثت وفاة طفلتنا ونحن في حالة عوز شديد، وأصدقاؤنا الألمان عجزوا عندئذ عن مساعدتنا. وهرولت -والأسى في قلبي- إلى مهاجر فرنسي يسكن ليس بعيدًا عنا، واعتاد أن يحضر لزيارتنا، ورجوته أن يُساعدنا للضرورة المُلحَّة. فأعطاني في الحال جُنيهين بتعاطف أخوي عميق. وقد استخدمت هذا المال في شراء كفن ترقد فيه طفلتي الآن في سلام.
وفيه أيضًا ذكريات عن ماركس كتبها بول لافارغ الفرنسي زوج ابنة ماركس لاورا يقول فيها:
لم يقصر ماركس نشاطه على البلاد التي رأى فيها نور الحياة، فقد كان يقول: "أنا مواطن عالمي، وإنني أعمل حيث أكون". وقد كان ماركس فعلًا يعمل في كل مكان تسوقه إليه الأحداث والملاحقات السياسية: في فرنسا، وبلجيكا، وانجلترا، فيساهم مساهمة فعالة في الحركات الثورية التي كانت تنمو وتتطور في هذه البلدان. كان ماركس مدخنًا كبيرًا، على إنه كان متلافًا لأعواد الكبريت؛ فكثيرًا ما كان يغفل عن غليونه أو سيكاره في أثناء عمله، فكان يقتضي ذلك إعادة اشعالهما كثيرًا، حتى إنه كان يفرغ علب الكبريت بسرعة لا تصدّق! وكان ماركس لا يكلّ أو يتعب ولكنه لم تكن لديه امكانيات لتجهيز عدة مكاتب للعمل. فلكي يستريح كان يقطع الغرفة جيئة وذهابًا من الباب إلى النافذة. إن أثر مشيته ظاهر على السجادة حتى بدا عليها خطًا واضحًا وضوح الدرب في عرض البريّة. كان قارئًا كبيرًا للروايات. فيقرأ أحيانًا روايتين أو ثلاثا معًا. فيتنقل من واحدة إلى أخرى وكان يبدي حبًا خاصًّا لقصص المغامرات والحكايات المسليّة. بالنسبة لي ولجميع الذين يعرفون ماركس عن كثب، فإن "رأس المال" أو أيّ شيء آخر من مؤلفاته لا يستطيع أن يكشف كليًا عن عبقريته ومعرفته. لقد كان أسمى من مؤلفاته بكثير. لقد وضعت السيدة ماركس أطفالًا عديدين، إلا أن المنية أخذت ثلاثة منهم وهم في سنيّ حياتهم الأولى، وذلك خلال فترة الحرمان التي مرّت بها الأسرة بعد ثورة 1848 حينما التجأت الأسرة إلى لندن. إن الفاقة التي أودت بحياة السيدة ماركس قد اختصرت الأيام الباقية من حياة زوجها. ففي خلال مرض زوجته الطويل الأليم تراكم على ماركس الهيجان والسهر ونقص الهواء والحركة، فأتعبت روحه وجسمه. فأصابه مرض في قصباته الرئويّة كاد أن يودي بحياته. لقد توفيت السيدة ماركس في 2 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1881 مؤمنة بالشيوعية والماديّة كما عاشت حياتها دائمًا.
عادت بي هذه الكتب إلى تلك الأيام التي كانت تفوح فيها رائحة القرنفل الأحمر وتُعطِّر فقراء العالم، وإلى ظلِّ "جذور السنديانة الحمراء" لرفيقنا الغالي اللبناني محمد دكروب. بلا شك كانت أيامًا لا تُنسى لعبت دور النشر في الاتحاد السوفياتي دار "التقدم" و"رادوغا" و"مير" خاصة دورًا بارزًا ومهمًا في نشر الفكر الماركسي-اللينيني. صدرت آلاف الكتب بهذا الشأن مترجمة إلى اللغة العربية، ولعل أشهرها مؤلفات لينين في عشرة أجزاء بغلافها الأزرق الغامق، وكتاب "رأس المال" ومختارات من مؤلفات ماركس - أنجلز في أربعة أجزاء بلونها البني المحروق كالقهوة العربية.
هل كان كارل ماركس يشرب القهوة؟ أظن ذلك. لأن التبغ والقهوة صديقان حميمان. يقول عن كتابه الأشهر رأس المال: لم يكتب أحد هذا الكم من الكتابة عن المال، وهو لا يملك إلا قليلًا جدًا من المال. وحاصل مال كتاب "رأس المال" لن يكفي لتسديد ثمن التبغ الذي دخنته وأنا أكتبه.
في عام 1882 مرض كارل ماركس فنصَحه الأطباء الإنكليز في بريطانيا حيث يقيم مع أسرته بقضاء فترة نقاهة في الجزائر، بعد تعرّضه لمرض ذات الجنب والتهابات في الرئة والتي أنهكت جسده. وصل ماركس إلى مدينة الجزائر في العشرين من شهر شباط/فبراير 1882 على متن السفينة البخارية "سعيد". نزل أولًا في فندق الشرق الكبير، ثم انتقل بعدها إلى فندق أرخص ثمنًا في أعالي المدينة مكَّنه ذلك من الاستمتاع أكثر بمناظر جميلة وصفها بدقّة في رسائل إلى أقاربه.
ماركس الإنسان الذي وصل إلى العاصمة الجزائر مريضًا ومرهقًا ومنهارًا بعد رحيل زوجته جيني فون ويستفالين في الثاني من شهر ديسمبر/كانون الأول عام 1881 في لندن، بقي في مدينة الجزائر مدّة 72 يومًا، لم يستطع خلالها الخروج إلا مرّات قليلة، فقد كان شديد الاشتياق والرّقة والعطف على ابنتيه وأحفاده من خلال رسائله، بالقدر الذي كان فيه غير قادر على ممارسة أيّ نشاط فكري، فقد عجز عن تدقيق وتنقيح كتابه رأس المال لطبعة ألمانية ثالثة، وهو ما قام به انجلز بعد رحيله.
نقلت لنا بعض الأقلام أن في زيارة له إلى حديقة في العاصمة الجزائرية لمح مقهى عربيًا فجلس فيه يحتسي فنجانًا من القهوة. كتب ماركس في إحدى رسائله إلى ابنته لورا زوجة الصحفي الفرنسي بول لافارغ واصفًا المشهد: قبل الدخول إلى الحديقة، شربنا القهوة في الهواء الطَلق، في مقهى مغربي، والنادل يُحضِّر قهوة ممتازة، كنا جالسين على كراس أمام طاولة من الخشب في حضور مجموعة من الزبائن العرب. يرتشف كل واحد م نهم قهوته من إبريق صغير خاص به. كان المشهد رائعًا.
في هذه الرسالة يصف ماركس بإسهاب لباس زبائن المقهى الجزائريين ويخلص إلى بعض الاستنتاجات من وحي ملاحظاته تلك. غير بعيد من ذلك المكان التقط له صورة بلحيته الكثيفة البيضاء التي يعرفه العالم بها. وفي صباح الغد التالي كتب ماركس إلى صديقه فريدريك انجلز في 28 نيسان/أبريل 1882: بسبب الشمس، تخلّصت من لحيتي، لكن وبما أن بناتي يُفضلنني بها، فقد أخذت صورة قبل أن أُضحِّي بها على مذبح حلاَّق جزائري.
وقد ضمَّت مختارات ماركس وأنجلز في أربعة مجلدات مؤلفات فريدريك أنجلز "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة"، و"لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية"، وفيها كتاب كارل ماركس البديع "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت". ومن الكتب المميزة التي سررتُ بها كتاب الصحفي الأمريكي الشيوعي جون ريد "عشرة أيام هزت العالم". يا لتلك الأيام العظيمة التي هزّت العالم، عندما حاول بلاشفة روسيا بقيادة حكيمهم لينين قلب الدنيا لصالح الفقراء وبناء أول دولة اشتراكيَّة في التاريخ!





.jpg)

.png)

.png)






.png)