العنوان اعلاه كتبته في حينه في العام 2006 خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان. إذ بدأ المتضامنون والمتضامنات الاجانب يكتبون رسائل يعبرون فيها عن القلق علينا في حيفا، فكتبت لهم: شكرا على اهتمامكم لكن أُبقو عينًا على بيروت وعينًا على غزة، والتي كانت تتعرض للعدوان في ظل العدوان.
وفي حينه طلب مني احد الاصدقاء الغزيين أن اكتب شيئا عن غزة لملتقى لم يكن بالامكان المشاركة فيه، لكن الحضور الذي تحمله الكلمات ممكن.
المسافة بين حيفا وغزة تعادل المسافة بين حيفا وبيروت. بإمكاننا ان ننظر اليها كمسافة فاصلة او كحلقة وصل. في الزمن العادي تستغرق المسافر او المسافرة ساعتين، وفي الزمن الاسرائيلي تستغرق دهرا ولا نرى نهايته، قطعوا هذا الطريق بنكبة وحكم عسكري وقانون مستعمر، وقطعوا هذا الطريق بنكسة وحصار وقانون مستعمر. المسافة بين حيفا وغزة دخلت عقدها الثالث، والمسافة بين حيفا وبيروت تطال السبعين عاما فهي تقاس بالزمن لا بالكيلومترات.
هاتان المسافتان ليستا بعدا، بل أن البعد هنا هو حالة خارج الجغرافيا والزمان وهو حالة ذاتية، فالإبعاد القسري والفصل القهري، يتلاشيان امام الحلم والارادة والوعي، وأمام روح الحرية.
غزة المحاصرة تسكن قلوبنا أكثر، وبيروت الممنوعة تعيش في كل مساحات وجداننا وعلى طول مسافاته. هل أصبح القرب يحتاج الى حصار وحرمان؟!.
ألم يقل جميل بثينة:
يموت الهوى مني اذا ما لقيتها، ويحيا اذا فارقتها، فيعود
لا ادري ماذا سيحدث "اذا ما لقيتها"، وأظنني لا أعرف كيفية الانتقال من مساحات الوجدان الى مساحات الجغرافيا، فالمشهد متحرر من حسابات الخيال اللانهائي، والخيال متحرر من تضاريس المشهد وأماكن الوجدان.
لقاء بيروت وغزة يتحقق في مساحات القلب، وحين يثور الشعب في لبنان من اجل حريته وكرامته ومن أجل عدالة ونظام حكم يليق به، تغدو بيروت كما طرابلس وصيدا وكل انحاء الوطن اللبناني أقرب وأقرب.. تنهزم المسافات الفاصلة وتملأ المكان المسافات الواصلة.. الثورة اللبنانية تعزز ما في شعبنا، وتعزز ما في كلٍّ منا، من حلمٍ بغدٍ أفضل.
ليس المكان فحسب بل، وبالذات، الشعب في لبنان يسكن قلوب الناس اينما كانوا، في فلسطين أم الوطن العربي أم العالم الواسع. وحين يحدث هذا الصخب الثائر، يكثر السؤال على ألسن الناس هنا في هذا الوطن السليب والمحاصر، لماذا أنا لست هناك؟ ونلمس قهرهم الفاصل بيننا وبيننا. وفي هذه المواجهة بين قهرهم وأملنا الثائر فإنّ النصر حليف الحلم.
يذكرني هذا بالجدار الزجاجي الذي تحررت منه قبل أشهر، وهو الحاجز الفاصل في السجن بين السجين ومَن يحب. يلتقي الأحبة من جانبي سور فاصل محكم الإغلاق ويحكم الأسير وأُسرته بالقهر الصامت، وهو أكثر إيلاما من القهر الصارخ. تكون المسافة لا مسافة. تفصلك مليمترات عن الأحبة ساكنات وساكني القلب، لكن هذه المليمترات تقاس بمسافات القهر وتطال السنين والأيام الطويلة.
هكذا هو الحال الفردي وهكذا هو الحال الجماعي. اللقاء المبتور – ورغم أنه مبتور - يشحن طرفيه بالصبر والصمود وبحيوية الطاقة الانسانية، ويطلق الطرفان على حالة القهر هذه "لقاءً". يزول مفعول الحاجز وكذلك مفعول السجن والسجان، ينتصر اللقاء على الفصل ويتلاشى منسوبهم أمام عظمة اللقاء.
كذا أنتم يا شعبنا في لبنان، علّمتم شعوب الارض درس الشعوب المتجدد دائما، علمتم شعوب الارض صوت تونس: "اذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر" ودرس مصر: "أنا الشعب لا أعرف المستحيل" وصوت فلسطين: "على هذه الارض ما يستحق الحياة"، وكلها أصوات أهل الارض.. تتغير المواقع وصوت الشعب واحد.
لبنان انتصر على كل استعمار وعدوان، لكنه انهزم مرة واحدة حين حارب لبنان لبنان في حرب أهلية رهيبة، لا تزال الجرح الأكثر إيلاما وعلى هذا الألم يبني شعب لبنان درس الأمل بالانتصار على هذه الحرب اللعينة. اليوم وحين ينطلق الصوت تغيب المسافات لتتحاشر لغات القلب والصوت والادراك، وتغدو مسافات الفصل واصلةً بين الشعب وذاته في لبنان، وبين الشعب والشعب في عالمنا العربي، وبين الوطن والوطن، وتسكن لبنان في قلوب العرب والانسانية كلها.
أتمنى لشعبنا في لبنان الانتصار لحقه ولكرامته الانسانية، وهو الانتصار لحقنا وكرامتنا الانسانية في كل انحاء الوطن العربي. اتمنى ان يتحق الحلم الكبير بالحرية والعدالة وسيادة الشعب. أتمنى التحقق لملايين الاحلام الصغيرة الكبيرة والتي عبّر عنها اللبنانيات واللبنانيون بأكثر أشاكال التعبير إبداعا وبجماليّة الثورة وأنسنتها. كلّ ثورة نحو الحرية والتحرير تعزز ما في شعبنا.
كلّ ثورة ونحن للحرية أقرب.
بحبك يا لبنان







.png)


.jpeg)



.png)

