المُهَرِّجُ  والْخَوّيفَةُ

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كان ذلك قبل أن تَحِلَّ الكنيست الثانية والعشرون نفسها، والزّعيمان المزعومان يتنافسان، كأنّهما ديكان شَرَوِيّان ممعوطا الذَّيْلَين، يعني أزعران بالمْشَبْرح، يتنافسان على مِزْبِلة خِيرْية وخيراتها ودفيناتها، التي تُوَلّد الطّاقة الكهرو- مغناطيّة.

نَمَطان من البشر، مُتطابقان، متوازيان، مُختلفان ومُغايران، فلقتا فول أو حُمّص، وإن شئنا فلقتا فاصوليا أو لوبيا، من فصيلة ذوات الفلقتَين، المشترك بينهما أكثر من المُختلف، يجمعهما الكثير من الصّفات المتجانسة والمتباينة، تحتار في أمرَيهما لِأوّل وهلة، تعود وتراجع حساباتِكَ، تضرب أخماسًا في أسداس! ما هكذا تورَد الإبْل؟ لن نقع في التّعميم والتّعتيم، كُلُّ نفس بما كسِبَتْ، يخلق الله من الشّبه أربعين، وكأنّنا مع أمِّ الأربع وأربعين، تلك الحشرة القارصة والسّامّة، أو مع أخْطبوطَين توأمين بلونَين يصعب التّمييز بينهما، أزرق نيلي وأزرق بَحري أو سماويّ، صاروا ثلاثة، والثّالثة ثابتة، وإن شئتم ممنوعان من الصّرف، علمان أعجميّان، بِلَّهُما لا ينبلّان، دُقَّهما لا يندقّان، يصعب إزدرادُهما وهضمهما.

 فقد عبد الله ضالّته المنشودة، وظَلَّ في الظِّل وعاد إلى حيص بيص في حكايات سلام الرّاسي، حيث فُتِحَتْ له كلّ المراسي، من مَرسى مطروح إلى مرسى طرطوس، ومن نواكشوط حتى بيروت ومن الأندلس حتى طرابلس الغرب والشّرق فتّش ونقّب، لعلّه يجد في: لئلاّ تضيع، في الزّوايا خبايا، القيل والقال، وقال المثل، أقعد إعوج واحكي جالس، من كلّ وادي عصا، وعرّج على حكي قرايا وْحكي سرايا، ثمّ رسا في شيح بْريح، وعاد وحطّ في النّاس بالنّاس،حتى وقع الفاس بالرّاس، إجْتَرَّ ما بين الحبل على الجرّار وجود من الموجود،  ولم ينسَ حكايات أدبيّة، وعاد إلى كتاب إمِلي الرّاسي 1923 -2004 وهي قرينة سلام وكتابها: أدب وعجب في حكايات سلام الراسي، وحطّ به الهودج وبساط الرّيح عند حكاية ضبع حرفيش وبطلها المغوار (أبو كايد)الذي يلفّ ويدور ربّما إلتقى السّتّ بْدور، وشاب الرّاسي، وانتقل إلى الملأ الأعلى، قبل أن ينهي أبو كايد حكاية الضّبع الحرفشاوي، وهذا على ذِمّة سلام الرّاسي (أبوعلي)، ولِأنّه ينتمي إلى طائفة مسيحيّة غير مألوفة، لا روم ولا كاثوليك ولا بلشفيك ولا منشفيك! قال ، الخُبثاء بمكر واحتيال، هذا مش معروف أصلو من فصلو، يالله زِتّوه مع الدّروز الذين يسكن بينهم في بلدة إبْل السّقي، والدّروز لا ينادونه إلاّ بلقب (عمّي بوعلي)، حتى بعد أن صار مسؤولًا حكوميًّا عن إعمار الجنوب المنكوب، قبل أن يُنفى إليه الصّحابي الجليل (أبو ذَرّ الغفّاري)، وظلّ الرّاسي يُردّد أمام الرّايح والجاي، والسّرّي مَرّي الذي يُنَعِّم الطّرقات رُحْتَكْ جيتَك، فقدْتَكْ ما لقيتَكْ، فوصل إلى مثله المطروق: تعلّمتُ من إخواني بني معروف، كُلّ شي قِرْضة وْدين حتى دموع العينين!

عُدْتُ إلى الأدبيّات العبريّة الغنيّة بالأساطير والعجائب مثل:حُكماء حيلم، وهذه مدينة بولونيّة امتاز أهلها بالغباء والشّقاء، وتفوّقتْ على جحا وعلي بابا، مررْت على الكاتب (شلوم عليخم) وزميله في الأسماء المستعارة :(مِنْدِلي موخير سْفريم)، بالعربي: الورّاق في العراق، واستعنْتُ بالفيلسوف: (أحاد هَعام)، وكتاب: زيبوري أبو نمر (المقصود: حكايات أبو نمر للكاتب السّاخر: دان بن أموتس)، لم أجد ضالّتي المنشودة، حتى عند :(نِتيفا بن يهودا) مُحاربة البلماح، سَكَّرَتْ بوجهي المقلوب ع َ قفاه!

وظروف صحّيّة مُرتبطة بأعراض الشّيخوخة قادتني مُرغمًا، إلى طبيب خاصّ في مدينة صفد، ويُعرف عن هذه تشدّد  مُعظم سكّانها اليهود، لدرجة الظّلاميّة والتّزَمُّت لأبعد الحدود، وفتاوى غيبيّة أعْتَمُ من فترة التّلمود والمِشْناه، بعد أن نكبوها وصَفّوها من عربها وتاريخها وحضارتها، لكن إن خِلِتْ بِلِتْ، استَقَلّيتُ سيارة أجرة صفديّة هناك، سائق مهذّب بادرني بالتّحيّة وبلهجتنا العربيّة المحلّيّة الجليليّة، بعد أن رآني بالكوفيّة البيضاء:

-إنتي درزي مضبوط!

-كيف عرفتَ؟

- هاي شغلتي، بَشيلها ع َ الطّاير!

-وْحَضرتكْ من ِالجِشّ أكيد!

-لأ أنا صفدي أصلي!

-يعني ابن عرب!

-لا يا عمّي أنا يهودي أبًا عن جدّ! وأضاف : بدّي أحكي معك بالعربي، وفي موضوع السياسة لو سمحت!

 لَعِبَ الفار في عُبّي، اللهمّ إجعلو خير، كما في المنام! قلت له تفضّل!

-الدروز مخلصون للدولة، وأنا أعرف كافّة أفراد شرطة صفد من حرفيش وغيرها، وسمّى لي  أسماء أبناء بلدي في الشرطة الصفديّة، فردًا فردًا، حرّكْتُ رأسي: صحيح!

-لكنّني عاتب على كلّ الدّروز!

-خير إن شا الله!

-رغم الإجحاف اللاحق بكم من كل حكومات اسرائيل،فأنتم لا تجرؤون على قول كلمة: آخ للتوجّع والاحتجاج.

-تظاهرتُ بالبساطة، وكأنّهُ يَحُكُّ لي على بيت جَرَبْ، وقلت له: وَضّح!

- رغم مصادرة أراضيكم، مخالفات البناء، قانون كامينتس وقانون القوميّة...فأنتم تسيرون كالقطيع خلف نتنياهو  وحزبه! ما الذي قدّمه لكم هذا المُهَرِّج المُتَبَرِّج؟

-كان تحوّل بطيء نحو اليسار  وحزب الجنرالات!

-أنتَ جادُّ أمْ تجاملني؟

-أنا جادُّ!

-حزب الجنرالات خَوّيفة! وأوّلهم بيني جانتص! قالها مُفخّمة بلهجتنا الجبليّة، لم يجرؤوا على دعوة القائمة المشتركة بشكل جدّيّ وعلني، بل من بعيد لبعيد، مُستثنين التّجمّع الوطني الديموقراطي! ومضى متحمّسًا وبلهجة صارمة: عرب هذه البلاد هم مواطنون حقيقيّون، وليسوا قادمين جُدد!

 صَمَتُّ قليلًا، والدّهشة تمتلكني بكلّ جوارحي! يهودي صفدي يقول هذا الكلام! قطع عليّ حبل أفكاري وقال جازمًا: يُشرّفني لو كان أحمد طيبي وزيرًا للصّحّة بِمِهَنِيّته! بَدَل ليتسمان الذي لا يفقه شيئًا بالصّحّة! ويُشرّفني لو كان المحامي أيمن عودة وزيرًا للقضاء، بَدَل ذلك الذي أخجلٌ من ذِكْر اسمه! واختتم هذا موعظته قائلًا: الخَوّيفة ليس بديلًا للخليفة، والمُتَبَرِّج ليس بأفضل من النَكيسة، وقلتُ من عندي: حمّور أخو سمّور!  وممّا اُنسَب للمتنبّي:

 قَوْمٌ  إذا مَسَّ النّعالُ وجوهَهُم/ شَكَتِ النّعالُ بِأيّ ذَنْبٍ تُصْفَعُ!

 وهناك من ينسب نِدَّ هذا الكلام للقبّاني:

شَعْبٌ إذا ضُرِبَ الحذاءُ بِرأسِهِ/ صرخ الحذاءُ بِأيّ ذَنْبٍ أُضْرَبِ

عُدْتُ لِأترحّم على الرّاسي وحكاياته: شيحْ بْريح، الهندام عَ قَدّ المقام وَحيصْ بيصْ، وضبع حرفيش وحكايته التي لم يُنْهِها أبو كايد أبو المقالب والمكائد! وَكِدْتُ أنسى وجهة نظري وسبب سفرتي! لم ينسَ الصّفدي التّمنّي لي بالسلامة وعودة أغلبيّة طائفتي إلى جادة الصواب!

 فَلَشْ ع َ جلودكو يا بني معروف ويا عرب! عَجَبكو وَلاَ أرْعَبْكو يا دُشْمان! والمعذرة من المحلوب في عينيهم! والخير جاي لقُدّام!  وأرجو ألاّ يكون الخيار بين عُزْرايَين وِغْراب البين!

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية

featured
عمر فارسع
عمر فارس
·2026-01-04 07:08:18

من سيأتي ضحية ترامب بعد فنزويلا؟

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة