كلام الصورة:
لوحة للفنان الفلسطيني نبيل العناني
·رائحة المساء
دخان أبيض يظلّل سحابه أطفال الحارة في المساء البعيد. في مخيم اليرموك يتراكضون خلف سيارة تنفث دخانًا يبيد الحشرات، رائحة محببة للأطفال، يتسابقون من منهم يستطيع لمس هذه السحب بيديه، واستنشاق هذا الدخان المنعش لطفولتهم الطائشة والممتعة. بعد حين في ذكريات الحنين، يصرخ الأطفال:
- أجت الطرطيرة أجت، هياتا أركضوا بسرعة.
يسابق الأطفال الرياح والدخان، حتى يتخيّل كل منهم نفسه في جنته الخاصة. لا تشعر خطى أقدامهم بالإسفلت، ولا يرون من الطريق إلا دخان أحلامهم، دخان العودة بعد حين، دخان الأمل إلى مساء لا يفقد الحنين.
في المساء، صوت العصافير على شجرة ليمون ضخمة، تحمل في جوف لحائها دوائر التاريخ القديم حيث الفينيقيون وحضارات الشام العريق. الأعشاش تتناثر على أغصانها، سيمفونيات عالية الشجن تغمر القلب سكينة، ومخيّلة ترسم لوطن بعيد صورةً في ذهن طفلة الشتات.
صوت داليدا المعتّق بلغة فرنسية عربية يغني "حلوة يا بلدي، كلمة حلوة وكلمتين حلوة يا بلدي، غنوة حلوة وغنوتين، حلوة يا بلدي، أملي دايمًا كان يا بلدي، إني أرجعلك يا بلدي". الفتيات يردّدن بأوبريت أصواتهن الشامية ترنيمات المساء، والأعشاش تسقط من أعلى شجرة الليمون، ليلتقطها الأطفال مسرعين وكأنها هدية السماء لهذا المساء اللطيف في نسماته والعليل في أصواته. طفل ينادي لصديقه:
- تعا شوف، عش صغير كتير، فيو عصفور
- بعدو ما كبر.
- هنن ما إلهن العصافير ريش وهن صغار.
- لأ، ما إلهن، ماما قالتلي بس يكبر بصيرلو ريش، بشان يدفى، بس هلأ العش و أمو العصفورة والله هن بدفّوه وبس.
- لكان تعا نغطيه.
- بشو
- بالتراب والأغصان، وشقفة قماشة كتير صغيرة، ومنعملو بيت على جنب الشجرة.
على مسافة من أطفال العصفور، تتراقص الفتيات وهن يلعبن "الإكسة" حيث يقفزن على ساق واحدة بعد أن ترمي إحداهن الحجر داخل مربع من مربعات اللعبة، وحين تصل المربع بعد عدة قفزات تلتقط الحجر، و تحاول أن تحافظ على توازنها واقفةً على ساق واحدة.
ساق ناعمة وملابس رقيقة تداعبها الرياح، وأصوات الفتيات الصغيرات تعلو، وهن يراقبن صديقتهن كالفراشة تتنقل بين مربعات الجمال في لعبة كانت على الطريق، وما زالت مهما تشعبت الطرقات وتباعدت المربعات:
- مبلا نزلت رجلك، ما وقفت صح.
- غلط .. غلط، الحجر برا الخط، خسرتي، هلأ دوري.
تنتفخ العصافير كلفافات قطن منفوشة استعدادًا للنوم، رائحة القهوة تفوح خارج النوافذ، حيث اشتدّ المساء، واشتدّت شهوة القهوة، واشتمام رائحتها أصبح سلوة كل أهالي الحارة.
تخرج النساء وكل منهن تحمل ركوة قهوتها الخاصة بها، ليجلسن على حافة الرصيف حيث حدائق الياسمين التي تعترش جدران المنازل. رائحة كعتق الذاكرة في مهجات القلب الحزين، قلب يقفز من مكان إلى مكان خلف رواية وطن لم يعشه إلا في شتات ذاكرة بريئة.
تلقي النساء التحية، تحية المساء لأحلى النساء، كتلغراف يخرق سرعة التاريخ:
- يسعد هالمسا يا جارة.
- وما يحرمنا من هالطلة يا أحلى جارة.
- شو هالقهوات ريحتن بتخمّر العقل.
- حمّصتن عندي بالبيت جارتنا.
فتاة صغيرة تركض مسرعة إلى حافة الرصيف:
- ماما..ماما.
- نعم
- وين الجاعونة.
- شمال فلسطين.
- وصفورية؟
- شمال فلسطين 48.
- وعكا؟
- شمال فلسطين 48، وبعدين معك، يعني في الأرض المحتلة.
- لمين هاي الأرض.
- لإلنا. ليه عم تسألي؟
- تعي وشوشك ..
- شو؟
- بشان هديك البنت، قلتلي أنو هيي وإمها راحو عفلسطين، وشايفة سندويشة الزعتر، شوفي شلون كتير خضرا، قال بشان هاي من جبال فلسطين، بدي منو..
- ماما عنا زعتر كتير طيب من هون، كمان بالشام جبل الشيخ فيو زعتر طيب.
- لأ بدي من زعتر هديك البنت.
- وبعدين معك خليني كمل شرب فنجان القهوة، وروحي ألعبي، بكرة بخلي أبوكي يوصي ستك تجيبلنا من زعتر البلاد.
عادت الفتاة للعب، وفي عينيها السوداوين لمعان حدقة تحتار أصلها من أين؟
أما الأم فتعود للحديث مع جاراتها في حديث النساء في ذلك المساء البعيد، وتتعالى القهقهات والضحكات لتشتدّ حلكته ويغطيه الليل بسواده المتلألئ، وبصرخات الأسئلة، وبضيعان الأجوبة.
انطفأت الأنوار، تكوّرت الأعشاش بعصافيرها، عمّ الهدوء المربك، غفّا الياسمين وأغمض الفل عطر خجله إلى ليل يدهم سواده وماسات النجوم تقاوم الليل الحالك لتختلط كل الروائح الناعمة بأرواح العاشقين المتقدة. خيالات الأطفال على الجدران تحاكيهم إلى جانب أسرّتهم، تتشابك أغصان الأشجار وتتعانق الأزهار، ليتوهّج الخوف الصغير لعالم غريب في مخيّلة طفل. تلتف الطبيعة بجمالها دفء العائلات، صوت الصراصير صوت رقيق نفاذ يحفر في الذاكرة، يأخذنا إلى كل مساحات الأرض التي وطأتها أقدام المحبّين والعاشقين والغافين والمستيقظين.
·مناقيش
في الصباح الباكر، على وقع خطوات الضياء، ينقشع الظلام، تتبدّد الأوهام، تتضح الرؤيا، ترفع الأشجار أوراقها تحية للسماء، تغتسل وريقات الزهور بالندى.
صوت مقشة على الأرض، تكنس غبار الليل، مكنسة طويلة بيد عامل النظافة ذي القامة الطويلة والرداء الأزرق الداكن، قبعته متهدّلة تتواضع رماديتها. لوحّت أشعة الشمس الحارقة وجهه البريء، لتكتسي بشرته بسمار هارب من الحرارة. قماشة وجه فريدة تضيئها عينان عسليتان. تتبلّل خصال شعره الناعمة بعرق العمل، وتتدلّى على عنقاء رقبته متطايرةً إلى نشاط يوم جديد. لم يكن يمتلك القدرة على الحديث، كان أبكم ولكن الإشارة منه كانت تسعد لها كل عصافير الحارة، لتحييه بزقزقتها المترنّحة، كما لو كانت ثملة بألحانها طوال الليل.
صوت الصباح، فيروزيات الكون تخترق الأسماع بملائكية حزينة. يشرق الأمل ولو كان من بعيد، فطور دمشقي تتحضر له العوائل والموائد. أصوات الأمهات تفتح النوافذ، تخلط الأم الزعتر بزيت الزيتون لتفوح رائحة الزعتر، وكأنها ما زالت ملتصقة بتربتها الجبلية. الزيت ثقيل القوام، لامع اللون، يدغدغ الروح بلوعة التذوّق، كما لو كان قطرانًا من النور. تضع الخلطة في الصحن، لتجلب فيما بعد جبنة بيضاء بلدية الصنع، وتخلطها ببقدونس أخضر فوّاح ، وبيضة ذهبية ورشّة من الفلفل الأسود، وتبقيها في وعاء آخر، لتنادى على عجلة، طفلها وطفلتها الأشقياء:
- للمخبز بسرعة، خلي الخباز يعمللكن مناقيش زعتر، وبرك جبنة، هاي الخلطات جاهزة، وعالبيت فورًا.
بصوت واحد:
- حاضر ماما، عالمخبز وعالسريع.
يتأرجحان بصحنيهما الصغيرين وبأيديهما الطفولية، رائحة الصابون تفوح من بيجامتي نوميهما، خصال شعرهم الطرية تلمع تحت الشمس، أقدامهما صغيرة بحفايات صيفية، تلامس أصابعهما القصيرة المكتنزة إسفلت الطريق، عندما تنزلق للأمام، لتحترق وتعود خلسة للوراء. خطواتهما قصيرة، لكنهما يرونها جدا كبيرة، تسعد الطفلة بأخيها ذو الرجولة المخفية إلى حين، يتدلّل الطفل على أخته مؤنسًا طريقه إلى المخبز. تسقط قطرات الزيت الممزوجة بالزعتر على قدم الطفلة، تقف، يحمل أخاها صحنها عنها بيد، وصحنه بيده الأخرى. يتمالك قواه وتقتطب ملامحه خوفًا من إسقاط الصحنين معًا، تنحني لتمسح قطرات الزيت الممزوجة عن قدمها، بعد أن رفعتها على حافة الرصيف، حتى تعود برتابة أنيقة لوقفتها الطفولية المعتادة، وتعاود حمل الصحن من أخيها، الذي وقف إلى جانبها، كي لا تصطدم بالمارة.
تحملهما أقدامهما في قطار سريع، ها هو المخبز، كوخ خشبي وطاولات خشبية، الكراسي من جذوع شجر، ولهيب النار في فرن الطين يضيء كل الجالسين، يعلن عن نهار جديد. سكان الحارة كلٌ معه خلطته من زعتر للمناقيش ولحمة للصفيحة وجبنة للفطائر والبرك. روائح مختلطة، توابل عطرة، رائحة الفلفل الأحمر تنعش الأنوف وتدمع العيون، يتلصّص الصغار على حديث الكبار، شاي وقهوة في أكواب تطوف المكان.
- عمو اعمللنا مناقيش زعتر وبرك جبنة.
- تكرموا عمو، اقعدوا عالطاولة، نص ساعة بيجهزوا.
يتململ الطفل، نظراته تهرب إلى مكان آخر، على جانب طريق آخر:
- أختي، خليني روح لمطعم الفول والحمص.
- لاء خليك معي، ليخلصوا المناقيش.
- بدي روح.
نظرات شقية، طفولة ذكية، يفهمان ماذا يريدان، الطفلة للخباز:
- عمو نص ساعة ومنرجع .
- لوين؟
- الماما قالت نروح لعند الخضار.
- ايه لا تطولوا عمو، قرّب خبيزكن يجهز.
يركضان سعيديْن بما كذبا، يصعدان ثلاث درجات إلى مطعم الفول والفلافل، مطعم صغير، حيث يجلس مثقفو الحارة، على طاولات مهذبة، لربما الشراشف والنثرات أعلاها تظهر ذلك. يصّوبان إلى طاولة في زاوية المطعم، ويتّجهان سريعًا إليها، يتمجلسان بكل هدوء كما جميع مثقفي الحارة، يضعان ساقًا على ساق، لا تطول أقدامهما الأرض. يلتقطان جريدة اليوم، ليتصفحاها على مهل كما يفعل الكبار، يقرآن العناوين، ويقرمشان قليلاً من مقبّلات المخلّل والبطاطا المقلية.
إلى جانب طاولتهما، طاولة أخرى، رجلان يتصاعد من حولهما دخان السجائر، تستنشق الطفلة الدخان، أو يكاد يخطفها، تسير بكامل حواسها خلف رائحة التبغ، حتى تصل عيني رجل عميق الملامح، يرتدي جاكيت عسكري (فيلدة فوتيك) لونها كاكي، وبنطالاً عسكريًا، وبسطارًا مغبرًا. لحيته فوضوية، شعره غير ممشط لكنه جذاب، تسرّحه جماليات خفية. تعود إلى العينين صاحبتي النظرة البرّاقة والمتوهّجة، ممعنةً فيما تقولان لصاحبه:
- يا زلمة، العسكر خلص، وهالفيلدة للحرق، ينعن أختا من حياة.
- ما تقول هيك روق.
بتهكم وسخرية يعتصران غضب دفين، يقول وهو يشدّ على أسنانه المصطفة بدقة متناهية:
- يا صاحبي بكل الأحوال، بدنا نرجع، العودة هدفنا، وهاد تكتيك المرحلة.
- بس التكتيك اللي بيحكوا عنو عشان نرجع، ما بناسبني يا خيي، وين مبادئ الثورة، إيش الثمن، ولك نعترف، مالك واضحة مثل الشمس.
ما يلبث أن ينتهي من لفظ آخر كلمة من جملته الاخيرة، حتى تسبح عيناه مع أشعة شمس تخترق الزجاج، وتسقط على متكة السجائر أمامه، حتى تختلط برمادها وتطير حول أصابعه الناعمة، رغم خشونة مظهره الرجولي.
كلمات تحفظها الطفلة لبقية حياتها، كحلم يراودها من حين إلى حين، رغم عدم فهمها لكثير ممّا يقول الرجلان في ذلك الوقت.
أخوها يباغتها:
- فدائية هدول فدائية.
- أسكت إنت. بس أطلّع ما تحكي عنهن.
صوت فيروز يملأ المكان بسكينة وتأمل لا ينتهيان إلى أي من عيون الجالسين، صور لمطربين عرب على الجدران، الشحرورة صباح تقترب أكثر بالطفلة إلى لبنان، كلمات في مخيّلتها، لا تفهمها، عن اجتياح ومجازر ودماء، ومخيّمات. عندما تحدّق في شعر الشحرورة الذهبي، المنفوش حول وجهها، تفضح ملامح الصورة تعابير سنين طويلة من عمر المطربة، مع ذلك تحبّ الطفلة إشراق الصبوحة الدائم للحياة.
صورة صباح فخري على جانب صورة الشحرورة، كانت تستمع لصوته في رأسها. كانت تعلم أن له صوتًا رائعًا في القدود الحلبية، فقد اعتادت النظر إلى والدها، وهو يطرب لصوت هذا الفنان العظيم، فما كان في ذهن الطفلة إلا عظمة رؤيتها لأبيها الفدائي.
وإلى جانب الصورتين، معلّقات خشبية، منقوشٌ عليها آيات من القرآن الكريم، وحولها مسابح ذات أحجار زرقاء كلون ماء البحر تحت السماء، تقي من العين والحسد، وعلى جدار آخر رفوف تنتشر عليها أيقونات غاية في الجمال وأعلاها يعلَّق صليبٌ خشبيّ مرصّع بألوان الياقوت الثمين، وأوراق زاهية تغلّف باقي الجدران الضيقة لتعطيها مساحة أكبر. كان المطعم صغيرًا، ولكنه في أعين الطفلين كان كبيرًا.
كل هذا الوقت وعينا صاحب المطعم تراقب الطفلين، وهو سعيد لوجودهما، ولخفة ظلّهما، ذهب إليهما:
- بشو بتأمروني يا أمامير.
الطفل بصوت رجولي:
- عمو واحد صحنين مسبحة، اتنين سلطة فول نابت .
يكمل، وهو يعد الصحون على أصابعه:
- أمممم وفلافل، وصحن فتة حمص، و و و..
الطفلة مرتبكة تعد النقود في عقلها وعلى أصابعها، وتخاف أن يدركهما الوقت، فيتأخران:
- لا كل هدول، ما معنا وقت.
- عمو فتة حمص بس وبسرعة.
تغمز الطفلة أخيها وتقرصه من يده، وتوشوشه:
- نسيت المناقيش!
- يييه، إيه نسيتهن.
يبتسم صاحب المطعم، ويناغش الطفلين:
- عمو إذا مواعيدكن كثيرة منلغي الطلب.
الطفلة ترد بسرعة:
- إيه عمو يا ريت.
كانت الطفلة تكبر أخاها بثلاثة أعوام، هي في الثامنة من العمر، وتحاول أن تلعب دور الكبيرة صاحبة الحكمة المثيرة. أما أخوها ففي الخامسة، ويحاول بدوره إبداء رجولة مبكرة في الحديث للآخرين.
نزلا عن كرسيّهما بسرعة، يزحزحانه إلى الوراء، يكادان أن يقعا أرضًا، أرجلهما قصيرة لا تصل أرضية المطعم، هرعا مسرعيْن، يقفزان الدرجات الثلاث بخطوة واحدة، يتباريان أيّهما الأسرع، حتى تسقط حفايتاهما على الأرض.
يركضان، يلهثان خلف بعضهما، الطفلة:
- تعا نروح لعند عمو أبو عيسى اللحّام.
- ايه بدي روح.
- منتفرج عليه شلون بقطع اللحمة.
البوابة تفتح على حديقة خضراء، يتخلّلها ممر محجّر بالفسيفساء، يتوقفان أمامها، يأخذان نفسًا عميقًا. الطفل:
- أوف، عطشت.
- هلأ منقول لعمو يشربنا.
يدخلان بهدوء، واللحّام صاحب الشارب الأبيض الكبير، والشعر الرمادي الأشعث، والبشرة المشدودة ذات الخدود الحمراء:
- أهلا وسهلا بالحلوين.
- عمو شرّبنا.
- لخلص اللي بإيدي، اقعدوا حبايبي.
يجلسان على كراس من قش، في ملحمة رخامية، عاجية اللون، لا يزركشها إلا لحوم حمراء تتدلّى بخطافها فوق أبو عيسى، والساطور بيده، يقطع اللحم بشكل منتظم، وعينا الطفلين تنتقلان مع كل ضربة للساطور.
ينتبه اللحام لنظراتهما، فيداعبهما بأن يحرّك ساطوره بحركات سريعة متلاحقة ومخيفة، على قطع اللحم الطرية والطازجة. المذياع إلى جانبه يذيع نشرات إخبارية، وصل الرئيس وغادر الرئيس، هل تسقط فعلاً فصائل منظمة التحرير الفلسطينية عن لائحة الارهاب، ألحان لفريد الاطرش، محمد عبد الوهاب، شادية، ثم آيات تتلى من الذكر الحكيم، أخبار قديمة جديدة، تشد إليها الأسماع، ويتناقش حولها اللحام والنجار والحداد والبقال، ويقهقهون ويضربون كفًا بكف: "بس لسه الدنيا بخير".
ينتهي اللحام من تقطيع اللحم، يفصل الدهن عن اللحم الأحمر، ويخلع قفازيه. يقول:
- بس قلولي يا حلوين، شلون اللحمة الهبرة؟
الطفلان بصوت واحد، وإبهاميهما للأعلى:
- لحمات عمو أبو عيسى هبرا وطازا.
يجلب الماء في كوبين من معدن، يشعر الطفلان ببرودة الماء بمجرّد أن تلمس أيديهما المعدن، يشربان، يرتويان، وبدون سابق إنذار "عمو تأخرنا" ويركضان.
يسرعان إلى المخبز. الطفل:
- عمو عاطينا المناقيش والبرك.
الخبّاز:
- المناقيش والبرك عما تستناكن.
يعودان إلى البيت، يحملان مخبوزاتهم، يشتمّان رائحتها الشهية، أصابعهما تتلمس سخونة المناقيش والبرك، بأدب شديد، شعور يقرص داخل بطنيهما، يجوعان، يتلّهفان إلى مائدة والدتهما.
- ماما رجعنا.
- وينكن تأخرتوا!
- بس شوي صغيرة تأخرنا مو كتير.
- طيب غسلوا أيديكن للأكل بسرعة.
·حبات الكرز
تحّضر الأم مائدة الإفطار، تضع عليها صحنًا فيه ثلاث كرات لبنية، بيضاء كالثلج؛ وصحنًا ثانيًا به ثلاث حبات من الشينقليش، المصنوع من اللبنة المجففة والمتعفنة بالفلفل الأحمر واليانسون والشومر ويغلفها الزعتر الفارسي؛ وصحنًا به ثلاث حبات من مربى التين المحشو بالجوز؛ وصحنًا آخر يحتوي ثلاث قطع مضيئة من مربى القرع كبلورات برتقالية اللون، بعد أن نُقعت بالكلس وغُليت مع السكر؛ وإبريقًا من الشاي بالنعناع وثلاثة أكواب زجاجية. ويتزيّن وسط المائدة بمناقيش الزعتر وبرك الجبنة البيضاء.
تجلس الأم وأطفالها إلى المائدة، ليتناولوا طعام الفطور، يتحدثان إلى والدتهما عن كل تفاصيل الطريق التي مشياها، بخيال طفلين بريئين، بينما الأب على سفر، وقد يعود بعد أيام، إن سنحت له الفرصة.
تستلقي الطفلة على صوفة مريحة تنكسر عليها أشعة الشمس، التي ترى من خلالها ذرات غبار ناعمة تسقط كالندف على وجهها. تستمتع بالمنظر، والستائر البيضاء تتطاير وتداعب وجهها، وهي تنظر إلى حبات الكرز المعلقة على الشجرة، خضرة الأوراق تخفيها ما بينها، تبدو لامعة ولذيذة، وأخوها يحاول القفز عاليًا لشّد أحد الأغصان، والتقاط كرزتين له ولأخته التي يحب.
·مسجد القدس
تحّث الأم أطفالها للذهاب إلى الجامع، لتلقي درس في الصلاة والوضوء:
- يلا بسرعة، توضوا بشان تروحوا عدرس الصلاة مع رفقاتكن بالحارة.
يتوضأ الطفلان ويذهبان للصلاة في طابور منظم مع أطفال الحي، بعد أخذ الإذن من حارس الجامع، لفتح أبوابه، ذلك أنه لا يفتح إلا في أوقات الصلاة الخمسة.
جامع القدس في شارع الـ 15، كان فسيحًا نظيفًا مرتبًا أنيقًا، جدرانه شاهقة العلو، سجاده سميك، تتدلى الثريات من سقفه المقبب كما وكأنها ضياء السماء. أعين الأطفال تتفحص كل شيء، لا تستطيع رؤية كل ما في الجامع دفعةً واحدة، الأستاذة تقود الأطفال أولادًا وبنات، لتعلّمهم كيفية أداء الصلاة.
يخلع الأطفال أحذيتهم على باب المسجد، يتوضأون مرة أخرى، تذكر لهم الآنسة فوائد الصلاة: "إنها تنهى عن الفحشاء والمنكر".
يشعر الأطفال بالخشوع، أجسادهم ترتعش قليلاً، قلوبهم تتعلق بالسماء، أجفانهم ترمش كثيرًا، رهبة التعبد لقوة خفية تتحكم بحياتهم. هو اختبار إيماني لطفولتهم، التي أصبحت ترسم خيالات لشكل الرب ومعنى وجوده، وما هي الجنة وكيف هي النار، وما الجزاء وما العقاب.
·جوبر
"تاكسي.. تاكسي"، تنادي الأم، تركب هي وطفلاها السيارة، "إلى جوبر".
الجدة تنتظرهم في بيتها القديم، بيت معتّق بكل ما فيه، مبني من خشب الحور ولبن الطين، تكاد لا تلمس يدك جدرانه حتى تتسلل برودة لطيفة إلى كفة اليد. جوبر حي من أحياء الغوطة الشرقية لمدينة دمشق، حي ريفي، تكمن المتعة في النظر إليه.
يلتصق الطفلان بزجاج السيارة الخلفي، يشاهدان الشارع، تمر السيارة بأحياء دمشقية عبر طريقها إلى جوبر، تتحدّث الحجارة في المباني إلى الطفلين، التاريخ ينزلق من الحفريات المخبأة بين شقوقها، تمر عن باب مصلى وباب توما وساحة العباسيين، يسعدان بطول المسافة، ولا يكفان عن الأسئلة:
- ماما ما هذا؟ ما هذه؟ لماذا ؟ إلى أين؟ ماما تيتي بتكون عاملتلنا كعك بسكر!
والسائق يبتسم وينظر بمرآة السيارة، سعيدًا بحديث طفولي يؤنس طريقه ويقود سيارته على مهل.
تزين أشجار الجوز والمشمش والتوت الشامي والجرنك الأخضر طريقهم إلى الجدة. تعيش الجدة وحدها في المنزل، حزن وحكمة يسكنان عينيها الصبورتين، حكايات وحكايات ترويهما حدقتاها الحانيتان.
يركضان إلى حضنها الدافئ، يُدِخلان الحياة إلى روحها، شجرة كبيرة في بيت الجدة، تتدلى منها حبات التوت، تقطر عصيرًا يصبغ الأرض بلونها.
الجدة حليمة من أصل فلسطيني، سكنت ضفاف البحيرة في طبرية، بعدما هاجرت عائلتها من مدينة حمص السورية إلى فلسطين، إبان النكبة الفلسطينية، لتعود وتهاجر من جديد إلى سوريا.
تغني للطفلين مواويل قديمة تتحدّث عن الأرض والجمال والحب والفرح والحزن، كل هذا والأم تراقب حركة الطفلين ووالدتها:
- أمي .. ألا أستحق حضنًا كبيرًا أنا أيضًا!
- لقد أغفلتني عنك شقاوة هذين الطفلين، اشتقت إليك يا ابنتي.
وتحتضنها حضنًا عميقًا، كأنه الحضن الأخير بينهما.
تجلس الأم، ليلى، إلى جانب الجدة حليمة:
- أريد أن أخبرك شيئًا يا أمي!
- ماذا هنالك؟
- لقد تحدث لي زوجي عن قرار اتخذه، اتصل بي البارحة!
- ما هو؟
- علينا العودة .
- إلى أين؟
- إلى فلسطين، إلى غزة.
لا تعلق الجدة، وتنظر معمقًا إلى عيني فتاتها التي ما عادت صغيرة، ثم تقول:
- هل تستطيعين العيش هناك؟
ليلى مدللة أمها:
- ولم لا؟
الجدة بحكمة كبيرة:
- لا أعلم، لربما قرصني قلبي، لم تراودني فكرة ابتعادك عني في يوم ما. لكن إن أردت العودة، عودي، غزة مسقط رأس أبيك.
(يُتبع)
_______________
نيروز قرموط
أديبة فلسطينيّة من غزّة. وُلدت عام 1984 في مخيّم اليرموك للّاجئين الفلسطينيّين في سوريا لعائلة من قرية "دير سنيد" جنوب فلسطين (كيبوتس "يد مردخاي" اليوم). عادت وأسرتها إلى القطاع عام 1994 إثر اتفاقيات أوسلو. نشرت قصّتها الأولى ”عباءة البحر“ ضمن أنطولوجيا عن غزّة عشيّة حرب عام 2014، والتي أصبحت بعدها عنوانًا لمجموعة قصصيّة تُرجمت للغة الإنجليزية والإيطالية والهولندية محقّقةً نجاحًا لافتًا.
جازت عدّة جوائز فلسطينيّة وعالميّة، أبرزها جائزة القلم البريطاني English Pen الرفيعة للأعمال الأدبية المترجمة للغة الإنجليزيّة عام 2017، وتصدّرت مجموعتُها القصصيّة قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في "مهرجان إدنبرة الدّولي للكتاب" في اسكتلندا عام 2019. تصدر لها قريبًا مجموعتان قصصيّتان باللغة العربية.






.png)



