"الولايات المُتحدة لن تكون اشتراكيةً أبدًا."

-الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب

أن يقول رئيس امريكي، مثلًا أنه لن يسمح بأن تتحول دولة في باحة أمريكيا الخلفية الى اشتراكية، في أمريكيا اللاتينية مثلًا، أو في أوروبا الشرقية او في اسيا فهذا الطبيعي، وهذا ما عهدناه على مر العقود التي مضت. مثل أن يقول جون كنيدي اثر الثورة الكوبية ووصول فيديل كاسترو الى الحكم أنه "لا يمكنه أن يسمح بدولة اشتراكية على بعد أميال من الولايات المتحدة". اما أن يقف رئيس أمريكي على منصة الكونغريس ويضطر أن يقول مهددًا أنه لن يسمح بأن تتحول الولايات المُتحدة ذاتها الى دولة اشتراكية فهذا مؤشر على أن شيئا استثنائيا يحصل في بلاد العم السام، المعادي الأكبر تاريخيًا للاشتراكية.

 كان "التهديد الاشتراكي" الداخلي الذي حاربته المنظومة الامريكية من خلال ملاحقة مثقفين وسياسيين "وُصموا" بالاشتراكية والشيوعية على مَر عقود، هو "الخوف" الذي روج له النظام من أن يكون هؤلاء الاشتراكيون عملاء للاتحاد السوفييتي قد يقومون بأعمال "تخريبية" أو "تجسسية"، لكن لم يكن مُجرد ذكر "التخوف" من أن تتحول الولايات المُتحدة الى دولة اشتراكية واردًا في الحسبان ولا في الخطاب الشعبوي التخويفي حتى. كيف يكون ذلك والولايات المتحدة زعيمة العالم الرأسمالي والنموذج "الأكمل" لنمط الحياة الرأسمالي واقتصاد السوق الحُر، وخاصة بعد أن "هُزمت" الاشتراكية نهائيًا بانهيار الاتحاد السوفييتي وأعلنت النيوليبرالية انتصارها التاريخي والأبدي.

"التهديد" المخيّم على نمط الحياة الرأسمالي للشعب الأمريكي، على استمرار "الحُلم" الأمريكي، كان دائمًا من الخارج، من الآخر، العدو، الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، لم يكن التهديد يومًا من أن يتخلى الشعب الأمريكي طواعية عن نمط حياته الذي تحلم فيه كُل الشعوب. لم يكن الخوف يومًا في أن يختار الشعب الأمريكي ذاته رئيسًا اشتراكيًا، كما يُحذرنا اليوم مايك بينس نائب الرئيس الأمريكي الحالي بأنه "في اللحظة التي يتولى فيها رئيس اشتراكي الحكم لن تكون هذه هي أمريكا التي نعرفها".


فوبيا الاشتراكية في الولايات المتحدة


لكن التخويف من الاشتراكية، أي من أن تتحول أمريكيا الى اشتراكية، أصبح جزءًا أساسيا في خطاب ترامب وادارته. قبل عام أصدر البيت الأبيض بتوجيه من ترامب تقريرًا عن تصاعد  النزعات الاشتراكية  في الخطاب السياسي الأمريكي هدفه الترهيب من هذه التوجهات، ومحاولة تفنيد ادعاءات من يقودوها بأي ثمن من الكذب والتدليس والبروبغندا الشعبوية. فيقول التقرير عن الدُول الاسكندنافية، "التي يحاول الاشتراكيون الأمريكيون الاقتداء بها"، أن معدل الرفاه الاجتماعي فيها أقل ب15% منه في الولايات المتحدة. لكن السخرية تكمن في أن معيار قياس مُعدل الرفاه الذي اعتمده معدو التقرير كان أسعار سيارات الدفع الرباعي ومدى قدرة المواطنين على اقتنائها! ومن المعروف أن الدول الاسكندنافية ترفع أسعار السيارات ذات الدفع الرباعي بالتحديد لانها تستهلك الكثير من الوقود، في اطار تطبيق إجراءات للحفاظ على البيئة. الى هذا الحد وصل الهوس من أجل تشويه الأجندات الاشتراكية التي بدأت تأخذ زخمًا غير مسبوق في الولايات المتحدة.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانطلاق الحرب الباردة دأبت المكارثية المسيطرة على النظام الأمريكي بترسيخ معاداة الشيوعية والاشتراكية في وجدان الشعب الأمريكي، محاكم التفتيش الشيوعية طالت المثقفين والفنانين والموظفين. الاكاديميون اليساريون في الجامعات الامريكية كانوا يخافون من وصمهم بالشيوعية، حركات الحقوق المدنية والحركات المعادية لحرب فيتنام، مع انها كانت ذات توجهات يسارية، كانت تحاول قدر الإمكان الابتعاد عن تهمة الاشتراكية خوفًا من الملاحقة، وحتى موظفو وزارة الخارجية لم يسلموا من "صيد الساحرات" المكارثي واتهم الكثير منهم بالشيوعية وفصلوا من عملهم.

إن تراكم عقود من الهستيريا المعادية للاشتراكية خلفت خوفًا راسخًا لدى الشعب الأمريكي من الاشتراكية، الاشتراكية أًصبحت تهمة بإمكانها انهاء حياة سياسية. في ضوء فهم هذه الخلفية يُمكن فهم مدى جذرية التحولات التي تؤشر عليها الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي الأمريكي الجارية الآن وبالأساس ما يقوم به رجل يبلغ من العُمر 77 عامًا اسمه، بيرني ساندرز.




بوادر التحول في الحزب الديمقراطي

أقيمت قبل أسبوع المناظرة الثانية للحزب الديموقراطي، قسمت المناظرة الى اثنتين، في كل واحدة منها يتكلم 10 مرشحين. المناظرة الأولى كان نجماها بيرني ساندرز واليزابيث وارن والثانية كان نجماها كُل من كاميلا هاريس وجو بايدن نائب الرئيس الأمريكي السابق وهم المرشحون الأربعة الأوفر حظًا في الفوز ببطاقة الحزب للمنافسة في الانتخابات الرئاسية وفقًا للاستطلاعات.
ما يلفت النظر في المناظرة الأولى، أن الاشتراكية، تلك التهمة القديمة، أصبحت كلمة طبيعية، بل ورقة رابحة يُمكن أن يستخدمها مرشح. الإصلاحات الاشتراكية التي اعتمدها ساندرز  برنامجًا له قبل أربعة سنوات حينما خسر أمام هيلاري كلينتون بعد أن جمع حوله ملايين من الشباب: التأمين الصحي للجميع، الغاء ضرائب التعليم الجامعي، تخفيض سعر الادوية، فرض الضرائب على الشركات الكُبرى، أصبحت متبناة بشكل واسع على يد الكثير من المٌرشحين في الحزب. اليزابيث وارن مثلًا والتي كانت تملك في السابق على اجندتها بعضًا من الإصلاحات التقدمية تبدو أٌقرب وأٌقرب الى تبني برنامج ساندرز بشكل كامل اليوم.
حاولت محطة CNN مضيفة المناظرة بواسطة المسيرين أن تُظهر كُل من ساندرز ووارين على أنهم "متطرفون" وغير واقعيين وشددوا الهجوم عليهما، بحيث قاموا بالتمييز بينهما وبين من سموهم بالمعتدلين أمثال ديليني، لكن الأمر جاء بنتيجة عكسية، الهجوم المُشدد أعطى وقتًا أكثر لكل من ساندرز ووارين للدفاع عن برنامجهما وعرضه بشكل أوسع، ولقيا تأييدًا واضحًا من الجمهور الحاضر ومن الجمهور الأمريكي الفاعل على وسائل التواصل اثر المناظرة، أما أولئك الذي أطلق عليهم مسمى "المعتدلون"، الذين يعارضون طروحات ساندرز ووارن بالنسبة لموضوع "تأمين صحي للجميع" وموضوع الهجرة ومجمل طروحاتهم "الراديكالية"، فقد ظهروا بصورة الهامشيين والمنبوذين.
بيرني ساندرز ظهر في المناظرة متحفزًا للقتال، حادًا وصارمًا في طروحاته "الراديكالية"، صعد حربه المعلنة على الشركات الكبرى ورؤوس الأموال وولستريت، حتى انه لم يتورع خلال المناظرة عن مهاجمة القناة الاعلامية المضيفة واتهمها بمحاباة شركات الدواء وقال في البث المباشر أن القناة التي تهاجمه الان بسبب طروحاته بالنسبة للتأمين الصحي، ستستضيف اعلانًا مدفوعًا لشركات التأمين الصحي خلال المناظرة، وبالفعل هذا ما حصل.
بالنسبة لموضوع الهجرة اتفق المتناظرون على مهاجمة سياسة ترامب في تجريم المهاجرين وبث العنصرية ضدهم، وتنبى كُل منهم تصورات مختلفة عن الموضوع وطرحوا حلولًا مختلفة لكن لم يتطرق اي منهم لدور السياسيات الخارجية لولايات المتحدة في جعل هؤلاء المهاجرين يقطعون اميالًا للهرب من الفقر والجوع والعنف في بلادهم، الا بيرني ساندرز الذي جعل من هذا الموضوع مركزيًا ووعد أن يطرحه على طاولة البيت الأبيض اذا تسلم المنصب.
لم تكن المناظرة التي استضافت 10 مرشحين كافية للتطرق بجدية لمواضيع السياسية الخارجية، الا أن وارن وبيتي بوتجيج اظهرا اراءً جيدة بالنسبة للسياسة النووية وانسحاب القوات العسكرية من افغانستان، الا أن ساندرز لا زال متقدمًا على جميعهم بخطوات في الطروحات "الراديكالية" في مضمار السياسية الخارجية، وكان آخر تصريح له عن استغلال المساعدات الامريكية للضغط على اسرائيل بالنسبة للاحتلال والمستوطنات، على أمل أن يجر باقي المرشحين الى جهته في هذا المضمار كما فعل في مضمار السياسية الداخلية وهو معارض لدعم السعودية في حربها على اليمن وداعي للتفاهم مع ايران.
لا زال جو بايدن النائب السابق يحمل الحظوظ الأعلى بين المرشحين بالفوز ببطاقة الحزب الديموقراطي لأنه استطاع أن يستقطب كل التيار المحافظ داخل الحزب، بايدن يستعمل ورقة كونه كان نائبًا وشريكًا لأوباما الرئيس المفضل لدى التيار الموالي للمؤسسة. بايدن لا يأتي بجديد، مٌتمسك بطروحات التيار "المُعتدل" الذي خسر الانتخابات امام ترامب في 2016 حينما كانت تُمثله هيلاري كلينتون. بايدن دعم بشدة حرب العراق في 2003 وبالرغم من أن بايدن كان نائبًا لاوباما الا أن علاقته مع نتنياهو ودودة جدًا في الوقت الحالي. تقول الصحف الإسرائيلية إن بايدن كان هو من دفع أوباما لتهدئة إسرائيل أثناء توقيع الاتفاق النووي مع إيران، كما كان أيضًا السبب وراء زيادة المساعدات العسكرية لإسرائيل حتى وصلت إلى 38 مليار دولار على مدار 10 سنوات. ومع انه لا زال صاحب اكبر نسبة تأييد بسبب توزع أصوات التقدميين بين عدة مرشحين داخل الحزب الا أن لسان حال أغلب الديموقراطيين يقول: نريد هزيمة ترامب، لكن لا نريد اوباما آخر ولا هيلاري كلينتون جديدة، نريد شيئًا آخر، سياسية جديدة أكثر جذرية.
 

الموقف من إسرائيل

يختلف الديمقراطيون  والمحافظون على الكثير من الأمور، لكنهم يتفقون على شيء واحد دائمًا، وهو الانحياز الكامل لإسرائيل، في كل انتخابات يتسابق المُرشحون على كسب ود الأيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية)، الى أن جاء بيرني ساندرز وكسر هذه المعادلة الراسخة. خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كان ساندرز هو المرشح الرئيسي الوحيد الذي رفض الظهور شخصيًا في مؤتمر آيباك السنوي كما لم يحضر مؤتمر الآيباك هذا العام مما جعل اللجنة تخرج بحملة إعلامية ضده. يعبر ساندرز دائمًا عن دعمه لحقوق الفلسطينيين المدنية في الولايات المتحدة، وعارض بشدة قانون مكافحة حركة المقاطعة الإسرائيلي، وهو مشروع قانون مؤيد من الحزبين يجرم مقاطعة إسرائيل. كما يدعم ساندرز حقوق الفلسطينيين مواطني دولة إسرائيل ووقف ضد حملة نتنياهو التحريضية ضد العرب في الانتخابات الاخيرة، كما أدان قانون القومية.

تحدث ساندرز مرارًا مدينًا العُنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، أدان عنف إسرائيل في حربها على غزة وأدان قتلها للمتظاهرين على الشريط الحدودي أثناء مسيرات العودة في العام الماضي ووصفه بقتل "مُفجع" للأبرياء و-"وأفعال مريعة يجب ادانتها". كما دافع عن حق الفلسطينيين في غزة في التجمع بحرية والتظاهر والاحتجاج. كما أدان الحصار المفروض على غزة. ووصف ساندرز المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بأنها انتهاك للقانون الدولي، وطالب بتفكيكها كشرط مسبق للسلام.  ألمح ساندرز أنه في حال انتخابه، سيفرض عقوبات حقيقية على إسرائيل إذا واصلت احتلالها، بما في ذلك تخفيض المساعدات المالية ومبيعات الأسلحة الأمريكية. بالطبع لا زال ساندرز يُعتبر صهيونيًا ليبراليًا في بعض المقاييس والمواقف، الا أن مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني في السياق الأمريكي الموالي بشكل أعمى لإسرائيل يُعتبر توجهًا راديكاليًا لأبعد الحدود وكسر جذري لأساسات السياسية الامريكية السائدة.

جذور التغيير

ليست ظاهرة بيرني ساندرز ولا التحول الذي يجري داخل الحزب الديمقراطي وليدَ اليوم، بل نتاج سيرورة سياسية واجتماعية وشعبية طويلة وعميقة بدأت تتمحور بالذات بعد الأزمة المالية في عام 2008، الأزمة التي أبعدت نحو ثلاثة ملايين أمريكي من وظائفهم، أنتجت ركودًا اقتصاديًّا يلقي بظلاله على العالم  حتى اليوم، وهو المحفز لظهور حراكات احتجاجية واسعة بين الطبقتين الوسطى والعاملة الأمريكية. الحديث عن عدم المساواة بالتوزيع ونقد النظام الرأسمالي بدأ يجذب جيلا من الشباب الذي تخرج من الجامعات مثقلًا بالديون التعليمية ليعمل بأجر زهيد. لم يعد يخيفه شبح الاشتراكية والشيوعية الذي بثه الاعلام السائد لسنوات، جيل رأى بأم عينيه كيف تقوم النيولبرالية بالإفقار وزيادة معدلات عدم المساواة، مما خلق طيفًا واسعًا من الحركات الاشتراكية والمناهضة للرأسمالية التي تحدد "وول ستريت" عدوًا ناهبًا لها، فهم الذي رأوا كيف يتم انقاذ اباطرة "وول ستريت" بعد الازمة بواسطة ضرائبهم ومن جيوبهم ، فيما هُم يزدادون فقرًا. وكان ابرز تلك الحركات هي حركة "احتلوا وول ستريت" التي تبّنت شعار "نحن نسبة الـ99%"، في إشارة إلى عدم عدالة توزيع الثورة في الولايات المتحدة: نسبة 1% فاحشي الثراء، ونسبة 99% يعانون من مشكلات اقتصادية واجتماعية، ومن رحم هذه الحركة خرجت "لاشتراكية الديمقراطية الأمريكية" (DSA)، وهي حركة مستقلة ينتمي أغلبأعضائها إلى الحزب الديمقراطي. لتكون هذه الحركة دافعًا اساسيًا في انتخاب نواب تقدميين في الكونغريس بواسطة توفير كل الدعم لهم مثل النائبة الاشتراكية الشابة كورتيز، كما كانت الحركة وشباب الجيل الذي عانى من أزمة 2008 بشكل عام القاعدة الأساسية التي التفت حول ساندرز عام 2016 وتلتف حوله اليوم، مساهمًا هو في زيادة الزخم لطروحاتها وأفكارها ومجندًا جماهيرًا تنضم له يومًا بعد يوم وتتبنى الأفكار التي يطرحها.
تلك الحركة الاحتجاجية التي كونها شباب غاضبون أخذوا على مسؤوليتهم التحرك ومحاولة تغيير شيء ما بأيديهم وطرحت ذلك الشعار المجنون احتلوا "وول ستريت"، والشعار الراديكالي الذي يقول "نحن ال99%" اعتبروا في حينه أنهم مُجرد شباب غاضب ومتفرغ يقوم بأفعال تخريب ويطرح تصورات غير واقعية بل وخيالية، شباب بلا برنامج ولا خطة عمل، مُجرد تنفيس عن غضب ظُن أنه تم القضاء عليه في حينه، الى أن يأتي مرشح رئاسي له حظوظ معقولة في الفوز يلتف حوله ملايين الشباب وتضطر كُل قنوات الاعلام الكبرى أن تفتح له أبوابها عنوة، ويتبنى شعارات هؤلاء "المجانين" أصحاب الأحلام الخيالية. فيقول ساندرز في خطابه الأخير في لونغ آيلاند "صحيح أن الـ1% الذين يسيطرون على ثروات هذا البلد لديهم القوة والسلطة، لكنهم في النهاية 1% ونحن الـ99%".

 

فرص الفوز

إن الجو الشعبوي والعنصري الذي بثه دونالد ترامب على مر سنوات رئاسته يجعل من الصعب على أي منافس له من داخل الحزب الدمقراطي التغلب عليه. الا أني أعتقد أنه بيرني ساندرز وحده اذا ما حصل على بطاقة الترشح يمكنه الإطاحة به، وهذا ما تشير له استطلاعات الرأي. يتشابه ترامب وساندرز بأن كلاهما من خارج المؤسسة التقليدية وكلامهما يستطيعان استقطاب الغضب ضد هذه المؤسسة أحدهما بصورة شعبوية عنصرية مدمرة والآخر بإصلاحات جذرية حقيقية. ساندرز وحده يستطيع هزيمة ترامب لأنه يستطيع مخاطبة جمهور مصوتي ترامب ايضًا، ساندرز لا يكتفي بتبني نضالات سياسات الهوية التي دأب على تبنيها الليبراليون من منافسي ترامب، بل يجمع بينها وبين السياسات الطبقية، بين العرقي والاجتماعي والاقتصادي، يُخاطب الطبقة العاملة البيضاء التي تُعتبر قاعدة تصويتية كبيرة لترامب، يخاطب همومها اليومية التي تمس حياتها ومعيشتها. استطاع ساندرز أن يخلق وحدة نضالات تجمع بين نضال المهاجرين والسود والمثليين الذين يعانون من عنصرية ترامب والنضال من أجل حقوق الطبقات العاملة والمسحوقة والمهمشة والمفقرة الذين يعانون من أصدقاء ترامب وحلفائه في "وول ستريت".

قد لا يحصل ساندرز في النهاية على بطاقة الحزب الديمقراطي للترشح للرئاسة بسبب تجند المؤسسة الحزبية العميقة ضده، فبعض الديمقراطيين يبدو أنه يُفضل ترامب ذاته على "الجنون" الذي يجلبه ساندرز، الا أنه في كُل الأحوال ما فعله ساندرز داخل الحزب الدمقراطي وفي السياسة الامريكية بشكل عام على مر السنوات الأخيرة ،"غير قابل للإصلاح" ، والطريق الذي شقه غير قابل أن يٌردم بعد اليوم والماء الراكد الذي رمى فيه حجرًا لن يهدأ بعد حين.

 

الصورة: ساندرز ظهر في المناظرة متحفزًا للقتال، حادًا وصارمًا (رويترز)

;