بين السكّري والسياسة| إبراهيم طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

لن تنفع السيّد تسفي يحزقيلي مقالتي هذه لأنه لا يقرأ ما أكتب، وإن قرأ لا يفهم، وإن فهم فهو "أُذُن طين وأذن عجين". هو سبب المقالة. وهو فيها استعارة تمثيليّة. لا أستعمله إلا للتمثيل والتدليل. وهو في شخصه لا يُشغل بالي. لكنّي أخافه بصفته الاستعاريّة هذه. السيّد يحزقيلي، مثلُ غيره، يقول بلسانه ما يفكّر به كثيرون من زملائه "الإعلاميّين" المجيّشين. وهو وبعض زملائه "زي البصل كلّهم روس". "روس" في كلّ مجال معرفيّ. لا تُعجزهم أيّ مادّة علميّة. يفهمون في السياسة والتواءاتها وشعابها وعلم النفس التحليليّ والسريريّ وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة والمنطق والحضارات والأخلاق. وفوق كلّ هذا يتقنون كلّ العلوم العسكريّة الاستراتيجيّة والتكتيكيّة مثلما يتقنون الفنون القتاليّة الميدانيّة. وكانت الرغبة في الانتقام قد أعمتهم وأعفتهم من آداب الصحافة. يترنّحون مخمورين من أشراط القوّة النيتشويّة وتمظهراتها العنتريّة. صاروا "زي فيران الخمّارة عُمي وسُكارى". يقولون القول ولا يهتدون.. نصح السيّد يحزقيلي الجيش بقتل مائة ألف فلسطينيّ في غزّة ضربة واحدة على ريق بطنه تمهيدًا لحرب ميدانيّة حالقة حارقة. وحين سئل عن سرّ هذه الدعوة قال "نعم. لقد قتلوا منّا ألفًا وأربع مائة إنسان!". هكذا صار الإسرائيليّ الواحد يساوي عنده واحدًا وسبعين فلسطينيًّا تقريبًا عند نقطة البدء. لم يُبقِ "الإعلاميّ" يحزقيلي بقوله هذا للعسكريّين شيئًا. لم يُبقِ ولم يذر. يتقن السيّد يحزقيلي بهذه الدرّة اليتيمة كلّ فنون التهريج والترويج والتحريض العنصريّ العصابيّ البغيض. يتقن الفنون كلّها إلا فنون الإعلام والصحافة. أخافه لأنّ معرفته بلغة عدوّه لم تسعفه في فهم عمق مأساة هذا العدوّ. أخافه لأنّ معرفته بعدوّه الفلسطينيّ لم تعلّمه أنّ قتل أطفال وأشياخ يعقّد المشكلة، يعمّقها ويثبّتها. أقول ما أقول لأنّي محزون. محزونٌ وقلق. قلقٌ وخائف. سمعت جدّي المختار، رحمه الله، قبل ما ينيف عن خمسين عامًا، وكأني أسمعه وأراه الآن تحت الدالية البلحيّة: "إن قلت لا تخاف وإن خفت لا تقول!" لا تقلق يا جدّي أقول ولا أخاف حين يُقوّلني الخوفُ ويَحلّ القلقُ عقدةً من لساني. لا يخيفني قول الحقّ يا جدّي لكنّي محزون. عندما يشي بك زميلٌ في الجامعة، بينك وبينه ممالحة، على موقف سياسيّ إنسانيّ تقلق وتحزن. وحين يستدعيك عميد الكليّة إلى جلسة استيضاح بشأن هذا الموقف تحزن وتقلق. لا الزميل ولا العميد يربط لساني عن قول الحقّ يا جدّي. لكنّي قلقٌ ومحزون. تحزن لأنّ المكارثيّة اللعينة قد ألقت رحلها وضربت أطنابها في كلّ بادية وحاضرة، حتى في صروح الجامعات!! أنا قلقٌ وخائفٌ ومحزون.

 

السكّري: حزمة

تضاعفت جهود المؤسّسة الإسرائيليّة وتراكمت في استحداثاتها الاستعاريّة لتوصيف الفلسطينيّ. تضاعفت وتراكمت على كلّ المستويات السياسيّة والإعلاميّة والشعبيّة. الاستعارات العضويّة الحيوانيّة أعلاها مرتبة. فيها يصير الفلسطينيّ حيوانًا بشريًّا ممسوخًا أو شيطانًا منسوخًا أو متحوّلًا جديدًا قد انحدر من إحدى الحثالات الآدميّة البائدة. لو شاوروني لما نصحتهم بهذا النوع من الاستعارات لأنه غير مقنع. فأنا أنظر إلى نفسي بالمرآة كلّ صباح وأكتشف أني أجمل من السيّد تسفي يحزقيلي مثلًا. أجمل وأحلى ألف مرّة من خلقته رغم أنه "غزال". قلبي مطمئنّ. الحمد لله خِلقتي الآدميّة ليست في خطر. وحين أنصت إلى درره اليتيمة أجد حفيدتي سنا ابنة العامين ونصف أبلغ منه وأعقل من طابور من "الصحافيّين" أمثاله. أمّا استعاراتهم المَرَضيّة فتبدو لي واقعيّة ومقنعة. الحقّ يُقال. وينبغي أن يُقال. دائمًا وأبدًا لا بدّ أن يُقال. اعتراضي الوحيد هو على نوع المرض. هم مصرّون على أننا سرطان. وهذه استعارة عتيقة شاحبة مهترئة مستهلَكة. ولو سألوني لنصحتهم باستبداله بالسكّري. السكّري أليق وأجدى لهم ولنا. أحاول إقناعهم بأنّ السكّري استعارة حلوة لتوصيف الحالة العامّة. السكّري نفسه مرض خبيث، وقح، عنيد، خطير. وهو ارتقائيّ تطوّريّ تمدّدي يستفحل في الجسد وفيه يتمدّد مع تقدّم الزمن. هكذا قال لي الدكتور سليمان هيبي قبل سنوات طويلة. لكنْ، إذا احترمتَه عشتَ معه حتّى نهاية العمر بسلام وأمن وأمان. أمّا إذا تجاهلتَه وله تنكّرت قتلك. بالزحف البطيء أكلك من تحت إلى فوق. وكيف "أحترمه" يا حكيم؟ إذا تعاملتَ معه بوصفه حزمة رباعيّة الأركان، ثلاثة واجبة وواحد مشروط مرهون: (1) الابتعاد عن مصادر القلق والتوتّر، (2) التغذية الصحيحة، (3) الرياضة، (4) الدواء. هي أربعة. وإذا ظننتَ أنّ حبّة دواء وحدها تشفيك وتعافيك فأنت غلطان. و"شو تعمل الماشطة بالوجه الشنع؟!" كانت أمّي تقول رحمها الله.. بعد لحظة صمتٍ لم أسأله ولماذا هي حزمة رباعيّة؟ لماذا لا يُغني بعضُها عن بعضها؟ لم أسأله حتى لا آخذ من وقته فوق ما أستحقّ.   

منذ عقود وأنا أشتغل في السيمياء في مجالي اللغة والأدب. أبحث وأدرّس. لكنّ أصل السيمياء في الطبّ. كان الإغريق يتعاملون مع الأوجاع والأعراض بوصفها علامات دالّة على أمراض. والمرض نفسه علامة دالّة على مشكلة في بقيّة الجسد. ليست الأعراض ولا الأمراض نفسها قائمة إذًا في ذاتها بصفة مستقلّة. فوجع الرأس مثلًا هو علامة دالّة على أنّ هناك مشكلة صحيّة قد تكون في موضع آخر في الجسد. والسكّري مثله علامة على أنّ هناك مشكلة مركّبة في جملة من أعضاء الجسد. وقد تكون هذه المشكلة المركّبة نفسها في الجسد علامة دالّة على سلوك خارجيّ إشكاليّ، أقصد على تعامل غير سليم مع الجسد. وهكذا لا ينفصل العرضُ عن المرض والمرضُ الواحد عن بقيّة الجسد والجسدُ عن كيفيّة التعامل معه. ينبغي النظر إلى العالم على أساس ترابطيّ مثلما تقول نظريّة الأنساق. كلّ شيء في هذا الكون يتفاعل بالضرورة مع أشياء أخرى. ما ينفي عن الأشياء صفة الاستقلال. حتى أنّ الجسد الواحد نفسه حالة سيميائيّة عضويّة مركّبة، مثلما ورد في الحديث النبويّ الشريف "مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى". السيمياء كالجسد بالضبط منظومة من العلامات المركّبة التي يدلّ بعضها على بعضها مثلما يُفضي أو يُحيل العَرَضُ إلى المرض والمرضُ إلى الجسد كلّه والجسدُ إلى سلوكيّاتنا الصحيّة.. الآن فهمت لماذا قال لي الدكتور سليمان وقتها إنّ السكّري حزمة رباعيّة لا يصحّ أن تبعّضها أو تستغني عن بقيّة الأركان بالدواء. لا يصحّ لأنّ الدواء أصلًا هو معلول الأركان الثلاثة الأولى. أقصد معلول غيابها، إذا غابت وجب الدواء. فكيف تُداوي النتيجةُ ما كان السببَ؟!

 

السياسة: توليفة

لو وافقت الحكومات الإسرائيليّة على تحويلنا من حالة سرطانيّة إلى حالة سكّر و"احترمتنا" بوصفنا حزمة رباعيّة لعشنا معًا بأمن وأمان وسلام إلى نهاية العمر. إسرائيل تمارس الطبّ العَرَضيّ مع الحالة الفلسطينيّة. أقصد تداوي الأعراض بمعزل عن مسبّباتها وعمقها التاريخيّ. هذا ما تفعله في غزّة وجنين ومخيّمات اللاجئين. تظنّ إسرائيل الرسميّة والشعبيّة أنّ التعافي لا يكون إلا بالحُقن أو الإبر العنقوديّة لمحو السكّر وشطبه وتسويته وتسطيحه وتعطيله وتطهيره وتحييده إلى الحدّ الأدنى. لكنّ السكّري مرض عنيد. وهو تصعيديّ حين يستفحل، يتمدّد في الجسد ويرهقه وينهكه. وهو حزمة كما قال الدكتور سليمان. السكّر لم يسقط فجأة من السماء السابعة في عزّ الظهيرة قبل شهرين أو ثلاثة. السكّر الفلسطينيّ حزمة رباعيّة نسقيّة تكامليّة. لا تنفع الأقراص والحبوب والمواسير والحقن والإبر. لا تنفع لأنّ غياب العَرَض أمرٌ عَرَضيّ مؤقّت. لن ينفعكم محو العمارات وتسطيح الأرض. من خسر كرامته وحقّه في العيش الهانئ الكريم لن يبكي على بيت جعلتموه أثرًا بعد عين. "إذا انهدّ البيت لا أسف على الخوابي". لن يجدي قتلٌ ولا سحلٌ ولا حرقٌ ولا خنقٌ ولا هدمٌ ولا ردم. يقول المثل "بعد ما انقرص احترس". لكنّ الحكومات الإسرائيليّة ما زالت تجرّب هذه الوصفة، انقرصت ولم تحترس. لن تحلّ المشكلة بقتل مائة ألفٍ من الناس يا سيّد يحزقيلي. المشكلة توليفة رباعيّة. بالضبط مثلما أخبرني الدكتور سليمان. أربعة يسبقها احترام مبدئيّ للحقّ الفلسطينيّ. هي أربعة أولها: قلع الاحتلال البغيض وكنسه من رأسه إلى أساسه بكلّ أشكاله وألوانه وصيغه. حينها فقط يتحصّل الابتعاد عن مساكن القلق والتوتّر. ثانيها: تغذية الوجود الفلسطينيّ بأول أسباب الحياة، أقصد إقامة الدولة الفلسطينيّة ذات السيادة المستقلّة. ثالثها: حركة اقتصاديّة دائبة دائمة حرّة تسوّي الطريق إلى استقلال متين كامل.. إذا تحقّقت هذه الثلاثة انتفت الحاجة إلى الركن الرابع. على العموم، إذا انتفت العلّة انتفى المعلول، ولا ينعكس. ولا ينعكس يا سيّد يحزقيلي. يصعب عليك يا سيّد يحزقيلي أن تتجرّع هذه التوليفة الثلاثيّة في جرعة واحدة. أعلم ذلك وأراه وأسمعه. لكنْ ما العمل، "كلّ مرض خبيث إلو دوا نجس ومرّ"!

 

الصورة: لجوء جديد – مخيم للمهجرين جنوب قطاع غزة

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية

featured
عمر فارسع
عمر فارس
·2026-01-04 07:08:18

من سيأتي ضحية ترامب بعد فنزويلا؟

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة