وأنتِ معي، لا أَقولُ: هنا الآن
نحن معًا. بل أَقول: أَنا، أَنتِ
والأَبديةُ نسبح في لا مكانْ
هواءٌ وماءٌ. نفكُّ الرّموز. نُسَمِّي،
نُسَمَّى، ولا نتكلّم إلاّ لنعلم كم
نَحْنُ نَحْنُ... وننسى الزّمان
ولا أَتذكَّرُ في أَيَّ أرضٍ وُلدتِ،
ولا أَتذكر من أَيّ أَرض بُعثتُ.
هواءٌ وماء، ونحن على نجمة طائرانْ
وأَنتِ معي يَعْرَقُ الصمتُ، يغرورقُ
الصَّحْوْ بالغيم، والماءُ يبكي الهواء،
على نفسه كلما اُتَّحد الجسدانْ
ولا حُبَّ في الحبِّ،
لكنه شَبَقُ الرّوح للطيرانْ
يقف الشّعراء الحقيقيّون في طليعة المبدعين، وذلك لقدرتهم على الإبداع، الّذي يتجلى في تعلّقهم بالأحلام والحرّيّة والخيال، وخلجات النّفس والوجدان، والرّسم بالكلمات، وتشكّل الصّورةِ الشّعريّة، وسائرِ الوسائلِ الفنّيّة الأخرى، كالرمز والأسطورة والتناص والانزياح، وجماليّة المعنى والمبنى، والإيقاع الدّاخليّ، والإيقاع الخارجيّ الخ.. وذلك من خلال وسيلة اسمها اللّغة، الّتي تترجم عن الخيال وتحوِّله إلى صور محسوسة أو مسموعة أو مرئية. بها ومنها تتشكّل الصّور الشّعريّة الّتي يغذّيها خيال الشّاعر، ويمدها بالتّأمُّل والانفعال، وسعة الاطلاع والثّقافة. بمعنى أن كل فكرة يستحضرها الشّاعر قبل أن تترجم إلى مفردات لفظية، تكون صورة مثالية أو متخيَّلة في نفس الشّاعر وذهنه. يقول الجاحظ (ت 255ه) في هذا السّياق "فإنما الشّعر صناعة وضرب من النسج، وجنس من التصوير"(2). فعلى سبيل المثال لا الحصر، ربَّ قائل يقول: إني أسمع وقع خطوات فصل الرّييع يغذُّ السير وهو قادم من بعيد! وقد يبالغ آخر فيقول: إني أراه قادمًا من بعيد، ووصوله أصبح وشيكًا!
ثمّة صعوبة جدية في تحديد تعريف جامع مانع لمفهوم مصطلح الصّورة الشّعريّة، وذلك لتعدّد دلالات المصطلح واختلاف وجهات نظر النّقّاد فيه. قد يُقال: الشّعر تفكير بالصّور، أو الشّاعر يفكِّر بوساطة الصّور، يعبِّر عنها بوساطة اسمها اللّغة وهكذا. الشّعر فنٌّ يقوم جانب كبير من جماله على حسن التصوير، وحسن التّعبير، وعليه "فالصّورة في الشّعر هي "الشّكل الفنّيّ" الّذي تتخذه الألفاظ والعبارات بعد أن ينظمها الشّاعر في سياق بياني خاصّ ليعبِّر عن جانب من جوانب التجربة الشّعريّة الكاملة في القصيدة، مستخدمًا طاقات اللّغة وإمكاناتها في الدّلالة والتركيب والإيقاع والحقيقة والمجاز والترادف والتضاد والمقابلة والتجانس وغيرها من وسائل التّعبير الفنّيّ، والألفاظ والعبارات هما مادّة الشّاعر الأولى الّتي يصوغ منها ذلك الشّكل الفنّيّ، أو يرسم بها صورهُ الشّعريّة"(3).
ثمّة صعوبة جدية في تحديد تعريف جامع مانع لمفهوم مصطلح الصّورة الشّعريّة، وذلك لتعدّد دلالات المصطلح واختلاف وجهات نظر النّقّاد فيه. قد يُقال: الشّعر تفكير بالصّور، أو الشّاعر يفكِّر بوساطة الصّور، يعبِّر عنها بوساطة اسمها اللّغة وهكذا. الشّعر فنٌّ يقوم جانب كبير من جماله على حسن التصوير، وحسن التّعبير، وعليه "فالصّورة في الشّعر هي "الشّكل الفنّيّ" الّذي تتخذه الألفاظ والعبارات بعد أن ينظمها الشّاعر في سياق بياني خاصّ
وعن الصّورة الفنّيّة وهي ذاتها الشّعريّة نقرأ أيضًا الآتي "وتقف الصّورة الفنّيّة في مركز العمل الشّعريّ؛ فهي اللّغة البكر الّتي تباهي بعذريتها، وتتيه بأنّها ابنة الطّبيعة والإنسان، وهي ابنة التزاوج الدّائم والغريب بين الطّبيعة الأم والإنسان الأب، وهي دائمة الصدود تتحدَّى كل النّقّاد الّذين يقولون هي ابنة الطّبيعة، والّذين يقولون إنها ابنة الإنسان"(4). ويقول آخر الصّورة الشّعريّة "أية هيئة تثيرها الكلمات الشّعريّة بالذّهن، شريطة أن تكون هذه الهيئة معبِّرة وموحية في آن واحد" [كذا](5). بمعنى أنها صورة جميلة مؤثِّرة وموحية، معنى ومبنى. وعرَّفها بعضهم بقوله "إنها في أبسط معانيها رسم قوامه الكلمات"(6)، ما يُسمى بـ اللّغة التصويرية في المفردات والجمل. أما الشّاعر إزرا باوند فيعرِّف الصّورة الشّعريّة على أنها "تلك الّتي تقدم تركيبة عقليّة وعاطفيّة في لحظة من الزّمن"(7).
الصّورة الشّعريّة هي العنصر الأساسيّ والجوهري في كل شعر لا بل هي روحه. الصّورة الشّعريّة ترجمة لخيال الشّاعر المتدفِّق كالسيل، وأحاسيسه ومشاعره وأفكاره الجياشة.
أما أهمّيّة الصّورة الشّعريّة تحديدًا، فتكمن في كونها وسيلة مهمة، يوظِّفها الشّاعر بغية تحرير نفسه، وفك إساره مما يعانيه من واقع مؤلم مثقل بالهموم، أو ظروف مظلمة سوداويَّة تؤرِّقه. ناهيك بما يمكن أن يتغياه من تبئير للمعنى من جهة، أو نقل صورة لافتة أو رسالة هادفة لها أثرها وتأثيرها في المُتلقّي من جهة أخرى. وقد أصبح في حكم المؤكد أن الشّعراء الحقيقيّين ينجحون في الأوهام والخيال والرّسم بالكلمات أي في الصّورة الشّعريّة، أكثر بكثير من نجاحهم في الصدق والحقائق! ألم تقل العرب: أعذب أو أجمل الشّعر أكذبه؟! وقد تكون القصيدة الجيدة أيضًا أشبه ما تكون باللوحة الفنّيّة الكبرى، أو الصّورة الشّعريّة الكبرى، الّتي تشتمل على لوحات فنّيّة أو صور شعريّة صغرى متعدّدة. تلك الصّور الفنّيّة أو الشّعريّة هي هي الّتي تشغل القارئ أو المُتلقّي، فتحرّكه وتهزَّه من الأعماق، إلى أن تثيره وتؤثِّر فيه، فقوة الصّورة في الأثر لا بالدليل. كذلك، ما تؤديه في المُتلقّي من القلق، والسّؤال، والتّساؤل، جنبًا إلى جنب حمولات من المعاني والدّلالات والأفكار. الشّعر الجيِّد شاهد حقيقيّ، كشف وانكشاف، وتحفيز على التّفكير، لا مجرّد رصفِ مفردات وتعابير دون إبداع حقيقيّ، أو مجرّد لغو كلامي ليس أكثر. الشّعر تلميح بالإشارة لا تصريح بالعبارة! وإن كان ثمّة من يربأ بنفسه عن تحديد ماهية الشّعر أو تعريفه. يقول أدونيس في معرض جوابه لسائل حول ماهية الشّعر "إن كنت تقصد تحديد ماهيَّة الشّعر فسؤالك لا يجاب عنه. ذلك أن الجواب، كل جواب، يستند إلى قواعد ومقاييس. والشّعر خرق مستمر للقواعد والمقاييس"(8). بمعنى أن النص الشّعريّ المعاصر، كما يُفترض، يصعب تحديد ماهيته، لأنّه ممتنع، ومتجاوز، ومتمرد، ومدهش، وهو أشبه ما يكون بالموجة الّتي يصعب بل يستحيل إلقاء القبض عليها، فالقصيدة العظيمة "ليست شيئًا مسطحًا تراه وتلمسه وتحيط به دفعة واحدة. إنها عالم ذو أبعاد... عالم متموج، متداخل، كثيف بشفافية، عميق بتلألؤ. تعيش فيها وتعجز عن القبض عليها... تغمرك، وحين تهم أن تحضنها تفلت من بين ذراعيك كالموج"(9). لتلك الأسباب مجتمعة يعد فن الشّعر من أهم الفنون الأدبيّة الّتي تستميل الأذهان والقلوب معًا، لما يحتويه من عذوبة الكلمات ورقة التعابير، والموسيقى والإيقاع الدّاخليّ والخارجيّ للكلمات والأحرف على حدّ سواء. أضف إلى ذلك كله، يولد النص الشّعريّ وبضمنه الصّورة الشّعريّة وكل نص فني آخر، من رحم ثقافيّ خاصّ له هُويّة خاصّة، وشفرة خاصّة، وقيم إبداعيّة، وذوقية، وتجربة، تميزه كلها عن سائر النّصوص. الأمر الّذي دفع أحدهم إلى إعلاء شأن الشّعر فوق شأن النّثر "... فأرجو أن تعلم أن الشّعر رقص كما يقول النّاقد الفرنسيّ مالرب، وأن النّثر مشي، وأن بينهما ما بين الأرض والسّماء"(10).
وأنت معي: نشير، ابتداءً، إلى أن نص محمود درويش الشّعريّ نص مربك لا لقرّاء الشّعر وحدهم، بل للنقاد المتخصصين أيضًا، والسّبب أننا في حضرة شاعر مبدع غير عاديّ، حقّق إنجازًا بالغ الأهمّيّة في مجال الشّعر، مجبول بإبداع ليس له حدٌّ أو مدى، مع ما يشتمل عليه بين ثناياه من حمولات الدّلالات الّتي تقتضي قراءات معمَّقة ومتعدّدة. وقد ذهب هيرش إلى "أن القراءة فن يخضع لموهبة الفرد ولتجربته وثقافته"(11). وعليه لا يمكن قراءة درويش إلا من خلال تلمُّس لغته الشّعريّة، وما يمتلكه أو يوظِّفه فيها من أبعاد وإيحاءات ودلالات، وأساليب بلاغية، ووسائل جماليّة، وأخرى فنّيّة كالرمزية والانزياح وما إلى ذلك. أما تركيز الشّاعر في القصيدة وفي شعره، كما يبدو، فعلى الكلمة الّتي يعتمدها ركنًا أساسيّا في صناعة النص الشّعريّ.
الدهشة والمتعة والقيمة المضافة
من القصائد الّتي استرعت انتباهي ولطالما استوقفتني، لدرجة أنني كنت أعيد قراءتها المرّة تلو الأخرى كلما سنحت لي الفرصة بذلك، قصيدة "وأنتِ معي". وأما السّبب فأعزوه إلى جماليّة النص والصّور الشّعريّة منه تحديدًا، وما يكمن وراءها من احتمالات تبعث على الدهشة والمتعة والقيمة المضافة. قراءة سابرة للقصيدة، لا تدع مجالًا للشك بأن عتبة العنوان "وأنتِ معي" هي المحور الأساس الّذي تدور من حوله القصيدة من البداية حتّى النّهاية. إلى ذلك، فإن العنوان يجسِّد معنيين في الوقت ذاته. المعنى الأول لغويّ أي معجمي، والثّاني تشكيلي أي تصوير شعريّ.
تشتمل القصيدة على خمسة مقاطع قصيرة مكثَّفة فيها خمس صور شعريّة متعدّدة، تحاكي رغبة الشّاعر، لو أنها تتجسد على أرض الواقع. في كل مقطع منها صورة شعريّة فنّيّة لافتة قد تشكّل، بالنّسبة للشّاعر وربّما للمُتلقّي أيضًا، حلمًا بالخلاص من حالّتي الاغتراب والمنفى، أو عبورًا إلى التّحرّر مما يلمُّ به ويعانيه من واقع مؤلم صعب احتماله، أو سعيه إلى بلوغ الكمال المطلق الخ.. مع ما فيها من تداخل لبعض ضمائر النّحو العربيّ: أنا، أنتِ، نحن، باعتبارها أقنعة تحيل على مسمَّيات أو ذوات، أهمها الربط بين القصيدة والشّاعر، أو الإنسان والحرّيّة، أو الوطن أي الأرض مع المرأة، في لبوس غزلي عاطفيّ يرمي إلى أبعاد جماليّة متعدّدة.
بالنّسبة لأسلوب القصيدة فإنّه يمكن تصنيفه كالسّهل الممتنع، الّذي يمتاز بسهولة الألفاظ ووضوح المفردات وسلاستها، وتفنن في المعاني، وتلاعب بالألفاظ، أسلوب متجانس شكلًا ومضمونًا. ذلك بأن مثل تلك الأغراض الشّعريّة الّتي لامستها القصيدة لا تتحمَّل المفردات الفخمة، أو التراكيب الصّعبة، مع التّأكيد على أنه أسلوب درامي سردي بامتياز. الأمر الّذي جعل تلك البنية الدّراميّة تغني النص على نحو مثير ومؤثِّر. وقد جاءت ملامسة النص لسردية النّثر واضحة للعيان، ففي المفردات والعبارات الكثير من لغة النّثر، أو تقترب من لغة النّثر في أقل تقدير. وهو أمر يمكن أن ينسحب على معظم قصائد الدّيوان تقريبًا. ثمّة قصائد في ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" تبدو كأنّها أقرب ما تكون إلى النّثر. يقول أبو حيان التوحيدي "أحسن الكلام ما رقَّ لفظه، ولطف معناه، وتلألأ رونقه، وقامت صورته بين نظم كأنّه نثر، ونثر كأنّه نظم"(12).
ولا يفوتنا أن نذكر أنه ومن خلال صور فنّيّة متخيَّلة بصريّة وأخرى سمعيَّة، يرسم الشّاعر لنفسه آفاقًا
ومثلًا عليا، يحلم بأن يراها تتحقّق على أرض الواقع، لكي يحياها، أو أن يصل إليها في أقل تقدير. الصّورة الشّعريّة أو الفنّيّة تشبه إلى حدّ كبير اللوحة التشكيليَّة، وهي لا تكون إلا ترجمة لفكرة متخيَّلة أو محاكاة لواقع ما في الطّبيعة، لكنها تكون أكثر تأثيرًا وأثرًا كلما كانت أكثر إدهاشًا وغرائبية!
* الصّورة الأولى: أنا، أنتِ والأبدية.. نسبح معًا، وتجاوز لحدود المكان!
وأنتِ معي، لا أَقولُ: هنا الآن
نحن معًا. بل أَقول: أَنا، أَنتِ
والأَبديةُ نسبح في لا مكانْ
في الصّورة أعلاه، لم يقل الشّاعر: أنا أنتِ، وأنتِ أنا كما سنرى لاحقًا، بل أبقى كلًا منهما على حاله قائمًا بذاته، ليُرى شاعرنا وهو يحاول أن يسقط ما يتخيله أو يتصوره، في عالمه المتخيَّل أي الافتراضي، على عالمه الواقعيّ، وذلك من خلال صورة شعريّة متخيَّلة ثلاثية العناصر هي: "أنا، أنتِ، والأبدية" "نسبح في لا مكان" ما يعني أن السباحة هنا تتم خارج حدود المكان! وقد ترك مخيلتنا تسبح معهم متعقبة أثرهم، بحثًا عن عالم افتراضي غير موجود وغير محدود. علمًا أن سباحة الإنسان، كما يُفترض، لا تحدّث إلا في مكان ما، كالماء أو الفضاء! سوف نرى لاحقًا، وفي الصّورة الثّانية تحديدًا، أنها تحدّث أيضًا خارج حدود الزّمان! هكذا نرى درويشًا خارج حدود المكان والزّمان! بكلمات أخرى: كأنّما درويش لا يحده مكان ولا زمان! في السّياق ذاته، نذكر أنه في كل عمل أدبيّ أو فني أيضًا، هنالك أربعة أقانيم رئيسية لا يمكن للمبدع أن يتجاوزها، وهي: الإنسان، واللّغة، والزّمان، والمكان. فإن تجاوز المبدع أحدها وهذا ما فعله درويش، يكون قد تجاوز حدّ المعقول إلى اللامعقول! فحين تجاوز شاعرنا المكان إلى "لا مكان" أي إلى ما وراء الطّبيعة، لا يتركنا إلا ونحن نهبة لحيرتنا وخيالنا وشكوكنا وتساؤلاتنا، لأن المفاجأة قد تحقّقت، وفي المفاجأة الدهشة والانبهار والمتعة. وهذا هو الفنّ والإبداع! هكذا يكون درويش قد نجح في ملامسة صورة شعريّة غير مألوفة، صورة غرائبية ساحرة تجعل القارئ من خلال تواصل أو تفاعل إبداعيّ مع النص، يزداد بحثًا وتفكيرًا وتخيّلًا في آن، أملًا بالوصول إلى فك شفرته، كإحدى مهمات المُتلقّي المنتج!
* الصّورة الثّانية: رموز وصمت وتجاوز لحدود الزّمان!
هواءٌ وماءٌ. نفكُّ الرّموز. نُسَمِّي،
نُسَمَّى، ولا نتكلّم إلاّ لنعلم كم
نَحْنُ نَحْنُ... وننسى الزّمان
الهواء والماء أهم عنصرين في حياة الإنسان. ولم يطلب الشّاعر أو يطالب بسواهما، إذ لا تستمر حياة بدون ماء، وكذا لا حياة بدون هواء. ثمّ يأتي الامتناع عن الكلام، وهو الالتزام بالصمت. الصمت أبلغ كلام، لا يتقنه إلا الخاصّة وقليل من هم! فالصمت لغة العشاق كما يقولون، في حالة عشق تشبه حالة العشق الصوفي بأروع صوره في سياقه الرّوحي!
أسلوب القصيدة يمكن تصنيفه كالسّهل الممتنع، الّذي يمتاز بسهولة الألفاظ ووضوح المفردات وسلاستها، وتفنن في المعاني، وتلاعب بالألفاظ، أسلوب متجانس شكلًا ومضمونًا. ذلك بأن مثل تلك الأغراض الشّعريّة الّتي لامستها القصيدة لا تتحمَّل المفردات الفخمة، أو التراكيب الصّعبة، مع التّأكيد على أنه أسلوب درامي سردي بامتياز. الأمر الّذي جعل تلك البنية الدّراميّة تغني النص على نحو مثير ومؤثِّر
على المستوى الرّمزيّ، فإن الهواء نبض الحياة على الكرة الأرضية، ناهيك بأنّه يعدُّ رمزًا للهدوء والاستقرار في الحياة، والعاطفيّة منها تحديدًا، ويعبَّر الحكماء عنه بالحكمة. أما الماء فهو إكسير الحياة، لا بل أم الحياة. إن رمزية تحويل الماء إلى خمر من قبل السّيّد المسيح تعني التحويل إلى دم إلى طاقة إيجابية إلى حياة! أيضًا "من يشرب من الماء الّذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الّذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية" (يوحنّا 4: 13، 14). أيضًا "الماء هو الجواب الغريزي، التقليدي، الوراثي والعضويّ عن (العطش) الّذي يمكن أن يحفظ الجسد من الأنّهيار، وينقذه من السقوط، ويبقيه واقفًا وصامدًا"(13).
3
يُرى الشّاعر بصحبة من كنَّى عنها بـ "أنتِ"، في الصّورة الشّعريّة الّتي أمامنا، منعزلًا عن كل ما عداها، ومع انضمامها إليه فإنّه لا يسأل عن أي شيء باستثناء الماء والهواء منتهى الطلب وغاية الأرب! بعد ذلك يُريان "أنا، أنتِ" وهما في سعادة ما بعدها سعادة، وقد أصبحا خارج حدود الزّمان!
ونسيان الزّمان بحدِّ ذاته قمة السعادة. يقول أحد الكتّاب "حتّى إننا ننسى الزّمان في هذه المغامرة. ونسيان الزّمان في حدِّ ذاته يقين. في حدِّ ذاته سعادة. بل عدم الإحساس بالزّمان هو بالضبط ما يسميه النّاس سعادة"(14).
* الصّورة الثّالثة:
"أنا، أنت" معًا، والهواء والماء معنا،
على نجمة طائران!
ولا أَتذكَّرُ في أَيَّ أرضٍ وُلدتِ،
ولا أَتذكر من أَيّ أَرض بُعثتُ.
هواءٌ وماء، ونحن على نجمة طائرانْ
تنقل لنا الصّورة الثّالثة، كما يبدو، مشهدًا دراميًا آخر. الآن وقد أصبحا معًا في تطابق تام إذ يقول: أنا أنت! في قمة السعادة والراحة، يُرى الشّاعر وهو غارق في نسيانه، إذ لم يعد بإمكانه أن يتذكر فيقول: لا أتذكر بأي أرض ولدتِ، ولا بأي أرض بعثتُ! لقد طغت عليه حالة من النشوة، في ما تشبه حالة الانخطاف الصوفية، فنسي كلَّ شيء لدرجة أنه أصبح ذاكرة للنسيان! كل ما يتذكره أنهما معًا ولوحدهما على نجمة طائران! يحلقان في الفضاء أو يعلوان علوًا كبيرًا. أما الهواء والماء فلا استغناء عنهما!
* الصّورة الرّابعة:
لا كلام، صمت مطبق، كلما اتحد الجسدان!
وأَنتِ معي يَعْرَقُ الصمتُ، يغرورقُ
الصَّحْوْ بالغيم، والماءُ يبكي الهواء،
على نفسه كلما اُتَّحد الجسدانْ
في الصّورة الرّابعة، يستمر حضور صوت الشّاعر بعلو وتصاعد مستمرين، فيخبرنا بأنّهما "أنا، أنتِ" حين يكونان معًا، يسكت الكلام، ويتكلّم الصمت، فالصمت أبلغ كلام! وبعد أن تسود حالة من الصمت الصاخب، لن ينفع تكلّم في الحب! لذا، لا شيء يصعب تفسيره كما يصعب تفسير الصمت، ليصبح التّأمُّل وحده سيِّد الموقف. آنذاك يتحد الجسدان ليصبحا جسدًا واحدًا وروح واحدة! ربّما يخبئ الصمت خلفه همًّا كبيرًا أو حلمًا كبيرًا أو حبًا كبيرًا! أو كما ذكر السّيّد المسيح عن اتّحاد الجسديّن بقوله "إذًا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد"(15)! اتّحاد تام. فالشّاعر جسد والقصيدة جسد. فكأنّما يريد أن يقول: أنا القصيدة والقصيدة أنا!
* الصّورة الخامسة:
لما يبلغ الحب منتهاه، تتحرر الرّوح وتنطلق!
ولا حُبَّ في الحبِّ
لكنه شَبَقُ الرّوح للطيرانْ
ويكون أن يبلغ الحب ذروته، في آخر مقطع من القصيدة، لدرجة أنه لم يتبق مكان أو مجال لأي كلام إضافي في الحب، إنه حب ما بعده حب! وفي الحب المطلق كمال مطلق. وإذ ذاك يصبح كل شيء جاهزًا للطيران "أنا، أنت" جناحان لجسد واحد يستعد للطيران، لكنها الأرواح الّتي تطير، لتصل إلى أبعد المسافات، بينما الأجساد لا تبرح مكأنّها، وفي الطيران انطلاق وانعتاق وتحرُّر!
هنا في الصّورة الشّعريّة الأخيرة تحديدًا، تتجلَّى قدرة الشّاعر على الإبداع في أروع صورة. إنها أجمل الصّور الشّعريّة على الإطلاق! صورة شعريّة لافتة ومجدِّدة، تأخذنا بعيدًا بعيدًا عن كل المقاربات النمطية إلى خارج الأعراف التقليدية السّائدة. ولم يكتف الشّاعر بكسر النمطية السّائدة، مع ما فيها من شحن لقصيدته بإمكانية التمرد على ما هو مألوف، وخرق لما هو معروف، في الواقع المعيش! ففي مرحلة متقدمة تتهيَّأ الرّوح فيها للطيران فرحًا، أو تكاد تخرج من جسدها، وقد تذكرنا تلك الصّورة الشّعريّة المجازية بحلقات الذكر والوجد الصوفية!
صفوة القول: تغدو قصيدة "وأنتِ معي"، وربّما الشّعر عامّة، بالنّسبة لمحمود درويش، عنوانًا كاملًا متكاملًا، أو هُويّة للذات الشّاعرة!
تُرى هل هي القصيدة؟ هل هي الحرّيّة؟ هل هي مرحلة الشباب؟ هل هي فلسطين؟ هل هي الحبيبة، هل هي المرأة مصدر كل إلهام وأصل الأشياء على مر العصور؟ سؤال نتركه برسم المُتلقّي(16)!
// الهوامش:
1) محمود درويش: كزهر اللوز أو أبعد، ص97، دار رياض الريس للنّشر والتوزيع، 2005.
2) الجاحظ: الحيوان، ج3، ص132، تحقيق وشرح عبد السّلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1992.
3) عبد القادر القط: الاتّجاه الوجداني في الشّعر العربيّ المعاصر، ص435، دار النهضة العربيّة، بيروت، 1978.
4) نصرت عبد الرّحمن: الصّورة الفنّيّة في الشّعر الجاهلي، ص21، مكتبة الأقصى، عمان، 1982.
5) شاذل طاقة: المجموعة الشّعريّة الكاملة، جمع وإعداد سعد البزاز، ص25، وزارة الإعلام العراقية، بغداد، 1977.
6) سيسيل دي لويس: الصّورة الشّعريّة، ترجمة أحمد ناصيف الجنابي، مالك ميري، سلمان حسن إبراهيم، مراجعة عناد غزوان إسماعيل، ص21، مؤسّسة الخليج العربيّ للطباعة والنّشر، الكويت، 1982.
7) عز الدّين إسماعيل: الشّعر العربيّ المعاصر، قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنوية، ص86، دار الكتاب العربيّ للطباعة والنّشر، القاهرة، 1967.
8) أدونيس: زمن الشّعر، ص312، دار العودة، بيروت، 1996.
9) المصدر نفسه: ص159.
10) علي الغريب محمد الشناوي: الصّورة الشّعريّة عند الأعمى التطيلي،
ص17، مكتبة الآداب، القاهرة، 2003.
11) مجموعة مؤلفين: بحوث في القراءة والتلقّي، ص17، ترجمة محمد خير
البقاعي، مركز الإنماء الحضاري، حلب، 1998.
12) أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، ج2، ص254، اللّيلة الخامسة والعشرون، دار الأرقم للطباعة والنّشر والتوزيع، بيروت، 2016. بها قدَّم محمود درويش لديوانه "كزهر اللوز أو أبعد".
13) محمد صابر عبيد: شيفرة أدونيس الشّعريّة، سيمياء الدال ولعبة المعنى، ص79، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2009.
14) إبراهيم الكوني: نداء ما كان بعيدًا، ط2، ص48، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنّشر، بيروت، 2009.
15) إنجيل: (متى5:19، مرقس7:10).
16) محمود درويش: كزهر اللوز أو أبعد، الآن بعدك، ص99. في قصيدة "الآن بعدك" الّتي تلي مباشرة "وأنتِ معي" ما يمكن أن يساعد في إلقاء بعض الضّوء على فك أسرار قصيدة "وأنت معي"!







.png)


.jpeg)


.png)

