تشرين عرّى ريحُهُ غُصْنَ الشَّجرْ
وتعالتِ الغيماتُ تسبق ريحَها
نسماتُها وظلالهُا
غِزْلانُ تمشي خلفها…
بتدلُّلٍ وقتْ السَّحرْ
عَفَرَتْ غبارًا مِنْ أديمٍ طَيِّبٍ
مَلَأَ الفضا عبقًا برائحةِ المطرْ
***
دَمَعَتْ عُيونُ النَّرْجِسِ الحاني إلى إشعاعِ شمسٍ ساطعهْ
وتقاطَرتْ دمعاتُهُ
فوقَ الخدودِ اللامعهْ
أطفالُ تَبْحثُ عَنْ ملاذٍ آمنٍ
ليُوذِّعوا الخوفَ اللعينِ
مِنَ الوحوشِ الجائعهْ
في ظلِّ نسرينٍ وليْمونٍ
وغاباتِ الصُّنَوْبَرِ
والعيونِ الرّائعهْ
تشرينُ جاء مُواسيًا…
كلّ الثِّمارِ اليانعهْ
تشرينُ عبأَ ريحَهُ عبقًا برائحةِ المطرْ
وتبعثرَتْ أرياحهُ كجدائلٍ
نُعِفتْ على وجهِ القمرْ
****
تشرينُ ما انْفَكَ يودِّعُ طفلةً
هي مِنْ بلادِ الشَّمسِ والخيرِ العميمْ
اكفانُها الليمونُ ينثرُ عطرَهُ …
إكليلَ زهرِ الياسمينْ
أو من نسيجٍ حاكهُ
مِنْ أرزِ لبنان الحزينْ
تشرينُ في أرضِ المغازي عابِسٌ
وفي المواصي جالسٌ
يبكي ويذرفُ دمعَهُ
وبيوتُهُ جُبلتْ ببارودٍ ونارٍ صبَّهُ
الحقدُ الدفينْ
****
تشرين يا تشرينُ غُصني ما أنْحنى
الا لأثمار الشجرْ
تشرينُ يا تشرينُ إنَّ براقشَا
لم تجنِ غيرَ هلاكها وضَياعِها…
ممّا جنتهُ مِنَ القَدَرْ
صنينُ يا تشرينُ موّالٌ بأفواهِ العذارى والشَّبابْ
صوتٌ تردِّدُهْ الجموعُ مِنَ
القطاعِ إلى البقاعْ
وصداهُ في بيروت في جَبَلٍ وغابْ
أطفالنا ونساؤنا وشيوخنا
جذعٌ عميقٌ ها هنا
في الحرِّ في البَردِ الشديدْ
في ظلِّ أعمدة الخشَبْ
بردًا ودَفْئًا لا عجبْ
حتى تعودَ الشمسُ تُشرقُ مِنْ جَديدْ
وتزيلُ عتمَ الليْلِ عَنْ كلِّ البَشرْ
تشرينُ قَدْ مَلَأَ الفضا
عبقًا برائحةِ المطرْ
****
تشرينُ يا حُلُمًا جميلًا مُفْرِحًا
فيكَ اهتدى الضيفُ السبيلا
وطعامهُ ميسور في ارضٍ الحمى
فيها الدوالي عَرَّشتْ
وظلالها عشقتْ عيونَ الشمسِ
صافيةً ظليلهْ
تشرينُ فيكَ الموتُ بحرٌ قَدْ هدَرْ
وعلى الشواطئِ لاطَمتْ أمواجُهُ
خوفًا وبارودًا بهِ الموتُ استعَرْ
تشرينُ يا حلُمَ البصيرة والبصرْ
فيكَ الحياةُ تجددتْ بنضارةٍ
بخريفِ أنْعشها المطرْ
تشرين أنتَ حبيبُ من عَشِقَ الهوى
وعرائشَ العُشَّاقِ ليْلاتِ السَّهرْ
تشرينُ قد مَلأ الفضا
عَبقًا برائحةِ المطرْ
****
تشرينُ شهرُ تَبَدُّلٍ
وتجدُّدٍ وتجذُّرٍ
فيهِ النًّماءْ
زيتوتُننا فوّارُ في مصفاتهِ
والخبزُ في التَّنورِ باركهُ العطاءْ
ما جاع إنسانٌ بِأكنافِ الوطَنْ
ما كانَ عطشى
يظمَأُونَ لكوبِ ماءْ
تشرينُ فيكَ سريرةٌ
قد أمطرتْ منها السَّماءْ
فتعرَّتْ الْأشجارُ
عَوْدًا للحياةِ مِنَ السُّباتْ
هيَ في الحياةِ نضيرةٌ
تخضرٌّ مِنَ بعد الْبَياتُ
ورياحُ تشرين التي هبَّتْ على
كلِّ الجهاتْ
لم تُبقِ للعربيدِ حَوْلًا أو أثَرْ
في عينِ جالوتٍ وفي
حطينَ قَدْ وُلِدَ الخَبَرْ
ما ظلَّ مُحْتَلٌّ مِنَ الإفرنجِ
أو جيشِ التترْ
وبقيتَ يا تشرينُ ظلَّ غيومنا
عبقَ الشتاءِ ورائحةّ المطرْ
عبقَ الشتاءِ ورائحةَ المطرْ







.png)


.jpeg)



.png)

