news-details
ملحق الجمعة

ثلاثون عاماً ... إنسان!

في العام 1980، كنتُ رئيساً لـ»اللجنة القطرية للطلاب الثانويين». وبصفتي هذه، كنتُ «محترفاً» (بمعاش) في الشبيبة الشيوعية (التي كنتُ عضوا فيها وسكرتيراً لأحد فروعها. وكان محمد نفاع سكرتيرها العام). وكنتُ أتردد، في تلك الأيام، على مقر صحيفة «الاتحاد» في شارع الحريري في حيفا، لأسباب وأغراض مختلفة. وفي إحدى تلك الزيارات، التقيتُ ـ هناك ـ إميل توما ودار «بيننا»، بصورة غير مباشرة، حديث «اقترح» عليّ في نهايته: تعال زورني يا رفيق (في...) وبَحاوِل أفيدك!
هكذا تعرّفت عليه، شخصياً.
بعد أقل من أسبوع كنتُ، من غير موعد محدد، في مكتبه في مجلة «الجديد»، التي كان رئيس تحريرها، في «نادي المؤتمر» في حي وادي النسناس في حيفا. كان يتقاسم المكتب، آنذاك، مع الكاتب الصديق سلمان ناطور، الذي كان يقوم بمهام «سكرتير تحرير الجديد».
لم أكد ألقي التحية (الرفاقية، يجب القول!) وأملأ الكرسي، حتى نهض من وراء طاولته، حمل صينية عليها غلاية قهوة وبعض الفناجين وقال: «خُذ نَفَس يا رفيق (من طلعة الدرج!) عبين ما أعمل فنجان قهوة عشان نحكي»!
لا أبالغ، إطلاقا، إذ أقول أن هذه الجملة، بما رافقها من حركة، شكلت صدمة قوية جدا بالنسبة لي. لم تكن هذه الصدمة الأولى التي أتعرض لها، لكنها ستكون ـ من دون أدنى شك ـ الأشدّ قوة والأعمق تأثيراً، حتى اليوم على الأٌقل!
مأخوذا بالصدمة، بمفاعيلها، صرتُ أتردد على مكتبه في موعدنا الذي أصبح ثابتا: الخامسة من عصر كل خميس. أصعد الدرج، أدخل وألقي التحية (الرفاقية، بالطبع!) فينهض هو، بحركة «تلقائية»، متوجها إلى المطبخ وهو يقول: شوف الرفيق سلمان، عبين ما أعمل القهوة!
مش معقول ... هل هذا إنسان حقيقي مثلنا نحن، أم ماذا؟ يتركنا، نحن «الولاد» وينهض هو، المفكر والمؤسس والقائد، ليصنع لنا القهوة؟ ... لا شك أن في الأمر سحراً أو ملعوباً!
طوال الأشهر اللاحقة، وعلى مدى اللقاءات الأسبوعية المنتظمة، كان همّي وهاجسي واحداً: هل هذا الـ»إميل توما» («الرفيق أبو مخاييل») إنسان حقيقي، مثلنا نحن؟؟
لم أكتفِ لهذا السؤال جواباً بما شاهدته بأمّ عينيّ مراراً: يتأبط حقيبته (من ذلك النوع الذي «بدون إيد») ويمشي صعوداً من «الواد» نحو محطة الباص في «شارع شبتاي ليفي» عائداً إلى منزله في «شارع عباس». قلت، ببعض سذاجة فطرية: قد يكون «ضيق الحال»!! .... وما كان.
ثم أتاني الجواب القاطع مرتين، على دفعتين تفصل بينهما خمس سنوات، تعددت لقاءاتي به بينهما، في مناسبات ومواقع عديدة مختلفة، أذكر منها هنا واحدة فقط، لما فيها من دلالة غنية: في العام 1982، كنت طالباً في «التخنيون» وكنتُ سكرتيرا لخلية الحزب (الشيوعي) والجبهة الطلابيتين فيه. في أوج العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف تلك السنة، دعوناه إلى محاضرة أمام الطلاب العرب في «التخنيون». كانت تلك فترة «حرب شعواء» دائمة (على كل شيء، تقريباً!) بين «الحزب» و»أبناء البلد» في الجامعات عموما. تهيأنا لوضعٍ يحتدم فيه النقاش فينحرف إلى «طوشة مقارعة واستفزاز وتشويش» (كما كنا نسميها) كتلك التي كانت تحصل، عادة، لدى حضور أحد «الرفاق الكبار». لكنّ المفاجأة بلغت حدّ الصدمة: ما أن دخل «الرفيق إميل» غرفة اللقاء (وكان «ناديا طلابيا»، لا قاعة محاضرات) حتى توجه، مباشرة، إلى كرسيّ في وسط الغرفة وجلس. طلبنا منه الانتقال إلى «كرسي المنصة»، فقال: «فش حاجة يا رفاق، هيك أفضل... خلينا نقعد مع بعض».
هذه «الحركة» التلقائية، الطبيعية، من جانبه كانت كافية، وحدها، لتنفيس كل ما احتقن من «غضب» مُبيّت في بالونات كان ينوي بعض «الحربجيين» من «أبناء البلد» (وكانوا كـُثراً!) تفجيرها. تجاوز اللقاء ما خُصص له من وقت وامتد لأكثر من ساعتين ونصف الساعة دون أن يشعر به مَن يقف خلف الباب ومن غير طمس أو تجاهل أي من النقاشات / الخلافات! ... قدّم «الرفيق إميل» درساً مؤسساً في «ثقافة الاختلاف والحوار»!
أما المرّتان اللتان اعتبرتهما «جوابا قاطعا»، بفارق خمس سنوات، فكانتا:
الأولى ـ حين تبلور اقتراح في «اللجنة القطرية للطلاب الثانويين» للمبادرة إلى إصدار «أنطولوجيا الأدب الفلسطيني في إسرائيل». عرضتُ عليه الاقتراح، في أحد لقاءاتنا الخميسية. قال: فكرة ممتازة، يا رفيق. هل وضعتم قائمة بالأسماء؟ قلت: وضعنا، لكنها غير مكتملة. وناولته «دفتر ملاحظات» صغيراً سجلنا فيه الأسماء. أخذه وقرأ الأسماء كلها. لم يشطب منها أي اسم، بل زاد إليها خمسة (لا يزال الدفتر لديّ، وفيه الأسماء بخط يده). ثم قال: أفضل أن تتشاور مع رفاق آخرين، فقد نكون نسينا بعض الأسماء.
مع نهاية اللقاء، صعدت من «المؤتمر» إلى «الاتحاد». وهناك، التقيتُ أنطوان شلحت والراحلين د. إدوار الياس وعفيف صلاح سالم. عرضتُ  أمامهم الأمر وبدأنا نستعرض الأسماء، علّهم يتذكرون ويقترحون ما نسينا. عند بعض الأسماء (ثلاثة بالتحديد!)، انتفض عفيف وقال: أشطب إسمي، أُشطب إسمي. لا يشرّفني أن أكون مع هؤلاء (لن أذكر هنا أسماءهم، احتراما. فأحدهم قد فارق الحياة واثنان آخران لا يزالان على قيدها). ثم التقط عفيف الدفتر وشطب الأسماء الثلاثة، بخط يده.
في الخميس التالي، في لقائنا الأسبوعي، أخبرت «الرفيق إميل» بما حصل. قال، دون أي تردد أو تلكؤ: تردّش عليه يا رفيق. هذول أدباء، بدنا أو ما بدنا. مش إحنا اللي بنقرّر!
الثانية ـ يوم 27 آب 1985، حين توافد عشرات الألوف من الناس إلى حيفا فأغلقوا شوارعها للمشاركة في وداعه الأخير. وكنتُ قد أصبحتُ محرراً في «الاتحاد» (التي كان إميل توما نفسه هو الذي «اقترح» عليّ الانضمام إليها).
وقف إميل حبيبي على شرفة «الاتحاد» وانطلق صوته الجهوري من مكبرات الصوت يهزّ شوارع حيفا ويشقّ سماء فلسطين مخطاباً إياه على نعشه: «قـُم تفرّج يا سميّي...  من الوردِ إلى الورد تعود»!
 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب