news-details
ملحق الجمعة

جبال الريح :الجزء الثاني الحلقة (16)

السادس من تشرين، اكتوبر، والساعة الثانية بعد الظهر، عيد الغفران، عطلة، وتقع الحرب التي لا بد منها، بعد ان أعلن السادات مرارا، ان هذه السنة سنة الحسم، هو لم يقصد سنة 73، كان ذلك قبلها، اعتاد الناس على حرب سنة 67، وحسم المعركة في ستة ايام، وقناة السويس حاجز جدي، والأكثر جدية خط بارليف، اعرف كثيرين عملوا هناك، اقفاص حديد كبيرة مملوءة بالصخور والحجارة، مرابض واستحكامات، كانت له شهرة واسعة، كخط ماجينو.

في الساعة الثانية تكون الشمس قد مالت للغروب، الشمس حارقة عندنا في الجليل، وصلت الينا عائلة الرفيق يعقوب السمعان – الصيني – من الرامة، كانت العائلة في رحلة، الوجوه تعبة، مهمومة، شربوا ابريق الفخار، في الجنوب في سيناء الحرّ أشد. منذ اللحظات الاولى قدر الناس ان هذه الحرب غير حرب حزيران، فيها عنصر المفاجأة والهجوم من الجانب المصري والسوري، يبدو ان احد ملوك العرب نبّه إسرائيل، لكن بتأخير، بكثير من التأخير، الكثير من السمعات والاشاعات، مدافع المياه فتّتت الرمل والتراب على ضفة القناة، وحدث شيء اسمه العبور، وأطلقوا على السادات بطل العبور. بعدها قصائد العبور الكبير. حُطمت المعجزة باسم خط بارليف.

كان عمر ابننا البِكر هشام ثلاث سنوات، وبدأت الغيرة القاسية من المولود الجديد عدي، نظرات غاضبة، وإذا سنحت الفرصة قرْصات. وأنا أريد ان أختلي بنفسي واستمع الى اخبار الحرب، كنت آخذ هشام الطفل الى كرمنا في خلة "علي الظاهر" قبالة عين النوم، واستمع الى الأخبار، من مذياع صغير، على بطاريات، ذكريات، وأُلاهي الطفل، في الكرم عنب وتين وسفرجل وكبوش عليق سوداء ناضجة، أعمّر له خشّة صغيرة وحوش، المهم ان يلتهي، وهكذا كان. وتطول الحرب اكثر من ستة ايام، واكثر من سِتّتين من الأيام. طائرات ودبابات، سلاح سوفييتي، ينفع للهجوم، وينفع للدفاع، أسكَتَ اولئك الذين ادعوا ان السلاح السوفييتي معد فقط للدفاع!

كان محمد أنور السادات قد طرد الخبراء السوفييت، او قسما منهم – بالجزمة كما قال بعد ذلك - تعرفت على واحد منهم في موسكو، عن طريق ابنته المرافقة الجميلة، التي تتعلم اللغة العربية، وعملت في سوريا وزارت لبنان وغيرها، وتعمل في وزارة الخارجية، أهداني والدها كتابا باللغة الروسية، أحرص عليه لغاية الآن ولا أعرف موضوع الكتاب، احتفظ به للذكرى، ذكرى الابنة والوالد، الاسم محفوظ في الذاكرة والقلب. هشام اعتاد على المشوار اليومي الى الكرْم، وأنا اُنوّع في الاشياء التي تلهيه لأتفرغ للسماع، للأخبار، السادات بلباس عسكري، برّي وبحري، وحدثت كما سمعنا اكبر معركة دبابات في التاريخ، من حيث عدد الدبابات المشارِكة من الطرفين، يبدو انها اكبر من معارك ستالنغراد، وقوس كورسِك في الحرب العالمية الثانية، لم تنتصر الدبابات الاسرائيلية، رئيسة الحكومة غولدا مئير، تدخن السيكارة ورا السيكارة، ذكريات وسمعات ومشاهدات، في نظراتها حزن وغضب وحيرة وخوف. 

ويصل الجيش السوري الى الجولان المحتل، ويطل على سهل الحولة. والطائرات الاسرائيلية تسقُط فوق دمشق وجبل قاسيون، في حرب سنة 67 يقول الطيار الاسرائيلي: دمشق عبارة عن قرية كبيرة!! الجيش السوري يحرر بعض قمم جبل الشيخ.

ولكن ها هو أريك شارون وفرقته يفتح ثغرة في الجانب المصري، ومن مُطالعاتي هذه الثغرة تسمى رأس جِسر باللغة العسكرية، والقائد الفلسطيني ياسر عرفات ينبّه المصريين الى ذلك وما من مجيب، ورأس الجسر يتّسع ويتعمق!!

"كانت الطريق الى تل ابيب مفتوحة" كلمات خطيرة، ويطوَق قسم من الجيش المصري في سيناء، بلا طعام وبلا ماء.

وتتوقف الحرب من قبل مصر والسادات. الذي راح يقول باللهجة المصرية العامية: "لاقيت نفسي بحارِب أمريكان... وأنا مليش قُدرة أحارب أمريكا"، وتُوجه اسرائيل قواتها الى الجبهة مع سوريا، في بداية الحرب كان هنالك تنسيق بين مصر وسوريا، اما في ايقاف الحرب من جانب السادات فلم يكن هنالك تنسيق، ولا إعلام ولا إشعار...

يومها اشتهرت طائرات الفانتوم، وصوارخ "سام" السوفييتية مع الجيش السوري، ونستمع الى احد السوريين يقول:

لو يشهد يا فتى قُبْلة غرام

  بين الصبية فانتوم والشاب سام

ونحفظ هذه الكلمات. اما رفيقنا الفِكه ابن كفر ياسيف فراح يغني وبشكل تمثيلي، عن طائرة الفانتوم:

كايْدَه العُذّال أنا من يومي.

  أيْوا أه!! يقول صاروخ سام وهو يخترقها.

أحد جنود الاحتياط، اعطاني صورة لجندي سوري، عليها رذاذ دم وقال: ان القائد الاسرائيلي في جبل الشيخ حيث قضى هو ومجموعته على عدد من افراد الجيش السوري: هؤلاء القلة من الجنود السوريين قبل ان نقضي عليهم، كل واحد منهم قتل من جنودنا اكثر من واحد، واكثر من اثنين واكثر من ثلاثة...

وإذا كان موشي ديان قد قال سنة 67: ما عجزَت عنه فيلة هنيبال، وخيول جنكيزخان في سنوات، حققته الطائرات الاسرائيلية في ساعتين، فها هي غولدا مئير تقول بعد ان فُرض على اسرائيل وقف القتال: "كم نحن صغار امام الكبار، وكم نحن ضعفاء امام الاقوياء"، والقائد الاسرائيلي دافيد إلعازار الذي قال مع بدء الحرب: سنطحن عظامهم، يضع حدا لحياته، وينسحب شارون من الارض المصرية التي احتلها عن طريق رأس الجسر، ينسحب من افريقيا. ويكتب جندي اسرائيلي على دبابته المنسحِبة: "وداعا افريقيا والى غير لقاء".

بعدها بسنوات ينشد جندي اسرائيلي المُنسحب من لبنان:

"رِدْ إلينو افيرون

  كاح أوتانو للبنون،

لوحاميم شام بشبيل شارون

  فحوزريم هبَيْتا بأرون

רד אלינו אווירון

  קח אותנו ללבנון

לוחמים שם בשביל שרון

  וחוזרים הביתה בארון

اقلعي بنا ايتها الطائرة الى لبنان، نحارب هناك من اجل شارون، ونعود بالتابوت الى البيت.

كتبتُ "مسرحية" قصيرة بعنوان: وداعا افريقيا والى غير لقاء، مسرحية ركيكة غير موفقة، مع انها مُثّلت في نادي ابو العفو في ام الفحم، وذكرني بها قبل شهر الرفيق الشاعر زياد محاميد ونحن في عرس في الناصرة.

وتبدأ  غيوم الشك حول دور السادات في حرب تشرين، واندفاعه الى احضان امريكا، خاصة بعد زيارته لاسرائيل، وصداقته الحميمة هو وجيهان مع شارون وزوجته، وتناول شارون كعكة من صنع جيهان السادات سيدة مصر الاولى.

في القدس ينزل في فندق هلتون – إذا لم تخنّي الذاكرة، لأنني اعتمدت على الرفيق جميل التوفيق من كفر ياسيف، في مؤتمر لجان الآباء الذي انعقد في القدس ونزلنا في فندق هلتون. وراح ابو نضال يهاتف البيت والاقارب ويقول:

بِحكي جميل من هِلتون، مطرح ما نزل السادات. ويتبين ان الهاتف مكلِّف جدا، وهو على حسابه، والمبلغ فظيع، تعاونا نحن العرب على جمعه.

خطب السادات في الكنيست باللغة العربية، لم يتطرق الى القضية الفلسطينية، الوزراء على آذانهم سمّاعة الترجمة، ما عدا إيغال ألون، فهو يفهم اللغة العربية، كان يحل ضيفا على اصدقائه في قرانا ويدير كاس اللبن على فمه ويقول: أنا ترباية عرَب الصّبيح!! لست بحاجة الى ملعقة.

وسجّل الإعلام كلمة السادات: حرب اكتوبر يجب ان تكون آخر حرب، ويرد مناحيم بيغن رئيس الحكومة: لا حروب بعد الآن، لا سفك دم، قالاها باللغة الانجليزية، كان ذلك قبل ان يقع بيغن في الحمّام ويكسر رجلَه، ويأتي على كرسي الى الكنيست ويعلن عن ضم الجولان الى اسرائيل، ويصك عملة جديدة، عملة الشيكل – الشاقل، ويخطب في نتانيا: إحذر يا أسد – الرئيس السوري، عندنا يانوش، وعندنا إيتان – رفائيل إيتان أحسن عسكري – מצביא – متْسبي!! هُو هُو أسد، هكذا هَوْهَو.

في حرب اكتوبر هددت السعودية ودول الخليج بقطع البترول عن الغرب في حالة انحياز امريكا الى اسرائيل، الى الكيان الصهيوني، مجرد تهديد، ارتدع الغرب!! او ان ذلك جزء من غيوم الشك حول كل حرب تشرين، وراحت الأيام ترجّح الفرضية الثانية، حتى وان كانت مدفوعة الثمن من اسرائيل.

وبعد حرب تشرين، كما حدث سنة 67، النتائج المباشرة تختلف، لكن النتائج والابعاد بعد حرب تشرين كانت اكثر خطورة بما لا يقاس. وظل السادات يقضي على منجزات ثورة 23/يوليو وإرث جمال عبد الناصر، بما في ذلك السد العالي الذي رأى فيه: أورث لنا مرض البلهارسيا، هذه فائدة السد العالي.

وصار يخاطب المصريين: يا وْلادي!! ويجتمع مع الفنانين ويعطي حق الكلام لمحمد حلاوة: "الدور لحلاوة، لأ لأ الدور لحلاوة، إنتَ شيوعي"، ويضحك ويقهقه عدد من الفنانين.

ويبدع الشعب المصري بالفكاهة والتي لها أسباب كما يقول د. شوقي ضيف في كتابه عن الفكاهة في مصر، واحدة منها تقول: ان المحلات التجارية في مصر لم تعد تسمّى باسم السادات ما عدا محل ساعاتي مصري، فسأله السادات عن السبب: لماذا أنت الوحيد الذي تسمي محلك على اسم السادات!! ويقول الساعاتي: لأن اسمك يا سيادة الرئيس افضل دعاية للساعات، فهي مثلك لا تقدِّم ولا تؤخِّر.

الوفد المصري الى مؤتمر الحزب الشيوعي البرتغالي يغني:

جاب لِكْ إيه يا صبيّه عبد الناصر قبل ما مات

  جاب لي (....) من المنشيّة اسمه أنور السادات.

ويُقتل السادات في استعراض عسكري، كنا يومها في اجتماع سكرتارية منطقة في عكا. رنّ الهاتف وكانت الرفيقة ابتهاج خوري على الخط تقول: قتلوا أنور السادات، وأنتم تعرفون اننا ضد الاغتيالات الفردية!! نايف سليم وأنا نرد: لأ لأ إحنا المرة مِش ضد.

وبذلك عارضنا موقف فلاديمير إيلتش لينين.

وأعود الى البيت عن طريق نهاريا، وأجد حلقة دبكة عند محطة سيارات الأجرة، في الحلقة صبايا عربيات، حضَر وبَدو، فرِحات "بانتهاء حكم السادات".

صبايا بشوشات جميلات طريّات:

حُسن الحضارة مجلوب بتطرية

  وفي البداوة حُسن غير مجلوب

وأتفرّج صبايا من عمقة وكويكات وأبو سنان... ومن عرب العرامشه.

قبل سنة التقيت مع امرأة من عرب الشمال وحدثتها عن حلقة الدبكة في نهاريا، ضحكت وقالت: أنا كنت واحدة من الحلقة.

صارت كهلة، وتعمل في دكان عند يهودي من أصل يمني، يسكن في تلك المنطقة، أشتري من عنده زبدة البقر الاصلية، هو يتقن صنعها.

جمال موسى ورمزي الخوري استقبلا خبر مقتل السادات بدهشة، مع بسمة خفيفة على الوجوه، في البداية بدون تعليق.

 

(يتبع)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب