news-details
ملحق الجمعة

جبال الريح: الحلقة 23  والأخيرة من الجزء 2

قتلوكِ يا بلقيس...

أية أمة عربية تلك التي تغتال أصوات البلابل؟

أين السموأل، والمهلهل... والغطاريف الأوائل

فقبائل أكلت قبائل... وثعالب قتلت ثعالب

وعناكب سحقت عناكب

قسَما بعينيكِ اللتين اليهما تأوي ملايين الكواكب

سأقول يا قمري عن العرب العجائب

فهل البطولة كذبة عربية، أم مثلنا التاريخ كاذب

سأقول في التحقيق كيف غزالتي ماتت بسيف أبي لهب

كل اللصوص من الخليج الى المحيط،

يدمّرون.. ويحرقون.. وينهبون... ويرتشون..

ويعتدون على النساء كما يريد أبو لهب

لا طفل يولد عندنا

إلا وزارت أمُهُ يوما فراش أبي لهب

(نزار قباني)

 

في زوجته بلقيس التي استشهدت في أحد أعمال العنف، من يستطيع ربط حلقات التواصل من الجرائم التي ارتكبت في لبنان، ودور اسرائيل هناك في جلّها!! منذ اواخر القرن التاسع عشر على يد الصهيونية والبارون روتشيلد والمطلة وسهل الحولة – جورة الذهب – وكفار جلعادي وعلي الحجار!!

وأسماء صبرا وشاتيلا وقانا وتل الزعتر وبيروت!!

وهذه طفلة هناك عطشانه تروح تفتح حنفية المياه الجافة المنشّفة، ويتهمون الإعلام اللبناني والعرب بالقصور، وكأن الغرب الامريكي والاوروبي يتأثر بالإعلام!!

ويُقتل معروف سعد في المظاهرة!!

يا ريّسْ ريّس عالينا

معروف القلعة جايينا

يا بحرية هيلا هيلا.. هيلا هيلا...

وكمال ناصر، وكمال عدوان والكنفاني وابن النجار وجورج حاوي... والألوف المؤلفة من الاسماء المجهولة، الى جانب كمال جنبلاط والحريري وأصابع صهيونية ملطخة بالدم في كل العالم العربي، في كل بلاد العُرب أوطاني، طيلة شهور السنة، ولماذا نصِف إيلول وحده فقط بإيلول الأسود؟ بحماية الطائرات الاسرائيلية!!

قلّما تجد بلدا في العالم تغنّى به أهله مثل لبنان، من شعراء وفنانين وزجالين ومنشدين... عشرات عديدة من الأسماء، لكن العِثّ والعنف والممولين ظل ينخر، وأبو لهب وأم لهب يزودون النار بالحطب.

لو تقوم جامعة النظم والدول العربية في اوقات فراغها بإحصاء القتلى العرب من المحيط الى الخليج، لديها الكثير من الوقت.

كانت لنا، الرفيقة إيلانا وأنا، زيارة الى المجَر، ونحن نطلق هذا الاسم الذي أحبوه على هنغاريا. كانت العروس عندما تتزيّن بالصّمادة والكردان، والصنوبرية والمخايَش والمجَر، وهو قطعة ذهب كبيرة وثقيلة وغالية، ولا أعرف العلاقة بين المجَريْن. في بودابست استمعنا الى امين عام الشبيبة الشيوعية، انسان هادئ في حركاته وكلامه، والرفيقة بْروريا تترجم، وجاء دوري في الكلام، فقالت بروريا بالعبرية: لماذا تشبّر بيديك وأنت تتكلم وتهز يدك كأنك تهدده!! ومن أين لي ان أعرف السبب، هل هو عادة أو شحادة!!

هناك التقينا مع المفكر الشيوعي اللبناني الختيار حسين مروّه وزوجته، كان جريحا في كتفه ويتعالج في المجر، وكم بجّل واحترم الرفيقة إيلانا الشيوعية اليهودية، ويقول: في الحرب في لبنان وجدت مشايخ في جيل الثمانين وعلى اكتافهم الكلاشنكوف، فهل تريدني ألا أمتشق السلاح!!

الرئيس يانوش كادار المجَري، يتمشى في الحديقة مع اثنين من جيله، ومع كل واحد منهم سكينا صغيرا يقشرون ويشقّحون التفاح، يأكلون ويتحدثون، هناك تعرفت على شجرة الكستنا والبندق وجوز البلّوط، كما تعرفت في كوبا على شجر البُن، وفي الهند على القرفة والفلفل الأسمر والخولنجان والكمّون وجوزة الطيب والهال والشاي، 

غابت الشمس يا بِنْ شعلان

  وريد ادوِّر معازيبي

والدلّة تُسكُب على الفنجان

   وبهارِها جوزة الطيب

السبّاحات والسابحات في بحيرة البلاتون، يتشمّسنَ على الشط، بأجسام ذهبية كالمجَر.

أطلقوا على بودابست اسم باريس الشرق، شرق اوروبا، قبل ان تنتقل الى الغرب، غرب اوروبا، سوية مع انجلترا وفرنسا وألمانيا وايطاليا وبقية هذه الشلّة من مصّاصي الدم، وتصير شركة – ماليف للطيران المجري مثلها مثل: ك ل م، ولوفت هانزا، وتي دبليو إى، وأولمبك، وايبيريا وإلعال، والبلقان...

قد يكون البعض علّق آمالا على مجيء فيليب حبيب الى لبنان، فهو من أصل لبناني ومصبّه في امريكا، صوروه وهو ينهش قطعة وافرة من فخذ اللحم، ونفذ سياسة امريكا.

في لقاءات موسعة مع شباب المجر وبلغاريا، قلت ان في اسرائيل يلوح خطر الفاشية، عديدون شهقوا وقال المرافقان في البلدين: نرجو ألا تستعمل كلمة الفاشية، لها عندنا معنى فظيع!! ونذكر محاكمة جورجي دمتروف بتهمة محاولة حرق الرايخستاغ من قِبل النازية، وإدانته للفاشية والنازية ومساهمته في اقامة جبهة واسعة ضد الفاشية.

ترددت على زيارة المفكر الشيوعي اللبناني حسين مروة الجريح، وقال لي حضرت جنازة احد رجال الدين الدروز وهو تقي استشهد في الحرب، وسجلت قصيدة ندب عليه من قِبل زملائه رجال الدين، حفظت مقاطع منها:

يا من يخبّرني عن جيرة رحلوا

  أين استقاموا وأي الارض قد نزلوا

وأي دار رضوها يسكنون بها

   وأي رَبع به من ربعنا بدّلوا

ترى بأرض النقا حلّت ركائبهم

   او أنهم لأراضي البان قد وصلوا

يا جيرة أورثوا قلبي الهموم وقد

   كسيتُ ثوبا لنا بفراقهم غزلوا

يا من رموا بسهام البين أفئدتي

  يا من بهجرانهم للقلب قد شغلوا

وهي قصيدة طويلة، فحصتُ عن قائلها وتبين انها للشيخ علي الفارس الذي عاش في يركا وجولس ودفن هناك قبل 265 سنة، قالها في شقيقته، أحفظ هذا التاريخ لأن الرئيس الروحي في تلك السنة حمود نفاع تنازل عن الرئاسة الروحية لشيخ من عائلة طريف. ثم سمعت عددا من رجال الدين يقولونها على طريقة الندب الروحاني في جنازة الشيخ أبو قاسم محمد نفاع، عن انتقال الرئاسة الروحية كتب كثيرون ومنهم اللبناني سامي مكارم.

في بلغاريا قال لنا المرافق: الرئيس الليبي معمر القذافي يزورنا بشكل مفاجئ بدون ترتيب كاف للزيارة، يأتي في طائرتين واحدة له، واخرى محمّلة بالغنم للذبح من اجل طعامه هو والوفد المرافق له، والغنم يسرح في مطار صوفيا حتى يأتي المسؤولون وينقلونه، وهو صاحب الكتاب الأخضر – الاشتراكي -، ويبدو ان الاشتراكية في ليبيا تشبه اشتراكية ملك المغرب محمد الخامس:

إغناء الفقراء دون إفقار الاغنياء!!

أما الفلاح اللبناني فقال لسلام الراسي: الفرق بين الاشتراكية والشيوعية مثل الفرق بين الخوري والمطران، أي ان الشيوعية هي مرحلة اعلى.

عندنا لا يندبون على النساء في جنازة امرأة من قِبل الرجال، لكن هذا الراسي ابن الجنوب يؤلف نَدْبا على والدة الامير مجيد أرسلان في خَلده اللبنانية:

تمجّدَت خلدة العظيمة 

  برُفات اثنين حَلّوا

سيدة خلدة القديمة

   وسيدة لبنان كِلّوا

اما سيدة خلدة القديمة فهي السيدة مريم العذراء، لها في خلدة كنيسة وتاريخ.

أحببتُ الفن الشعبي البلغاري القديم، الغناء والالحان والانغام، اشتريت عددا من الاسطوانات وأظل اسمعها خاصة في الليل، حتى صرت مثار سخرية لأسرتي، الزوجة والاولاد، فعندما اعود متأخرا في الليل من العمل يقولون: إسّه بُقول حُطولنا بلغاري!!

وهذا صحيح.

في احدى المرات عندما كنت في موسكو، طلب مني الرفيق ساشا حنين ان أشارك في مؤتمر الحزب الشيوعي في مونغوليا، وكنت قد قرأت وسمعت الكثير عن مونغوليا وصعوبة البناء الاشتراكي هناك وعادات وتقاليد البدو الرُّحل، في المؤتمر بحثوا قضية ايجاد رعاة للعدد الهائل من الجمال والاغنام، وللجمال بشكل خاص، هذه القبائل اعتادت النوم في الخِيام، عندما نام وفدهم في غرفة الفندق في موسكو، طار النوم من أعينهم فنصبوا خيمة في الغرفة!!

أما كيف نفهم ان بطلهم القومي هو هولاكو إياه فهذا لا يحوّقه عقلي، ومن أبطال تلك الأصقاع جنكيزخان وتيمورلنك!! ترى معالم البداوة حتى في أولان باتور العاصمة، من هناك كانت غزوات المغول، وغزوات ياجوج وماجوج الى الصين، حتى اضطروا الى بناء سور الصين الجبار، إحدى عجائب الدنيا.

وعلى ذكر المغول، حضرنا الرفيق عصام مخول وأنا "عرس المغول" في جمهورية الصين الشعبية، العروس باللباس التقليدي المنقش على ظهر الجمَل، والعريس ومن معه بالرماح. تبدأ العروس بغتّ بنصرها في كأس المشروب وتنقف نقاط المشروب أولا الى فوق، الى السماء، حتى تجود بالمطَر والغيث، ثم نقفة اخرى الى الارض لتنبت الموسم والخير، أما لماذا البنصر من بين بقية اصابع اليد، لأن البنصر أنظف وأطهر من بقية الأصابع.

والعروس بحسب التقاليد تمسح جبين الضيف بأناملها المضمخة بالشراب وتقول: مع أمنيات السعادة.

تأثرت كثيرا بعرس المغول، وكتبت قصة بعنوان: 

لقاء المغول في عين جالوت وبلاد الأولان،

لكن الشيوعية، صعبة، مع ان الأديب الالماني الفذ برتولد بريخت – او بريشت يقول في مسرحيته "الأم" المأخوذة عن رواية مكسيم غوركي الأم، وعلى لسان فلاسوفا في مدح الشيوعية:

إنها عاقلة، الكل يفهمها، انها بسيطة،

أنت لستَ مستغِلا، ستستطيع إدراكها 

فهي خير لك، تعرّف عليها،

الحمقى ينعتونها بالحمق، والأنذال بالنذالة 

لكنها ضد النذالة وضد الحمق

المستغِلون يسمونها جريمة

لكننا نعلم

انها نهاية الإجرام

انها ليست جنونا

هي نهاية الجنون

انها ليست الفوضى

بل هي النظام، انها البساطة، التي في تحقيقها صعوبة.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب