ملخص:
تهدف هذه المقالة إلى دراسة فضاء رواية "راكب الريح" (2016) للكاتب الفلسطيني يحيى يخلف (1944-)، وإبراز الفوارق بين الأمكنة المتعددة فيها، وعلاقة ذلك بشخصيات الرواية، وبالذات بالشخصية المركزية. ترى هذه الدراسة أن تنقلات الشخصية المركزية في أماكن متعددة قد عملت على إغنائها وتطويرها لما اكتسبته من تجاربفي كل مكان تواجدت فيه، فساهمت جميعها في صقلها ونموها حتى وصلت درجة النضوج. ننطلق في دراستنا من أن الفضاء الروائي أو الحيز، كما يسميه عبد الملك مرتاض، (ص141) هو الإطار الذي تتحرك فيه الشخصية/ات، ويرتبط أحدهما بالآخر ارتباطا عضويا وثيقا، ويتبادلان التأثير والتأثّر.
لا تتوقف هذه المقالة عند جغرافيا الأمكنة وطوبوغرافيتها وصورها الخارجية وبنائها فحسب، بل إنها تدرس دلالاتها وأبعادها. فالروائي المتمرس يخلق المكان عن قصد وعن سبق إصرار، "فالمكان في الفن اختيار، والاختيار لغة ومعنى وفكرة وقصد"، (النصير، ص8)وهو أحد مركباتها الأساسية التي يستحيل أن تقوم رواية بدونه. فالفضاء في الرواية، إذن، أبعد من أن يكون محايدا، فهو يتجلى في أشكال ويتخذ معاني متعددة، إلى درجة أنه يكون، أحيانا، علة وجود رواية من الروايات". (بورنوفوأويلي، ص88)
يبذلالروائي يحيى يخلف جهدا خاصا ومميزا لإبراز معالم الأمكنة المتعددة في الرواية، لتتناسب مع زمن الأحداث، ومع الشخصية المركزية التي تتبلور ضمن الأطر المكانية المتخيّلة للرواية، بكل مركباتها:الاجتماعية، الفكرية، الثقافية، العلمية، الفلسفية، عاداتها، تقاليدها وهمومها اليومية؛ العامة والخاصة، بحيث نكاد نشم رائحة الأمكنة ونسمع أصواتها.
يبدو لنا جليا أن يحيى يخلف يستحضر التراث العربي القديم، ويستلهم الكثير من فضاءاته، ومن طريقة ذلك السرد، وبالذات من كتابألف ليلة وليلة،ففيه خيال جامح، وقصص وحكايات مطعمة بالخرافات والأساطير والرموز والدلالات تصل حد الفانتازيا. وهو متأثر، أيضا، بالسير والملاحم الشعبية التي ترسم صورة خارقة للأبطال في تصدّيهم للعدو والخصم، وفي قدرتهم على المواجهة الفردية،وإنقاذ القوم وقت الشدة، وهو ما ينعكس على القوة الجسدية للشخصية المركزية. وله اطلاع واسع على القرآن الكريم، عامة، وعلى سورة يوسف، خاصة، التي استوحى منها اسم الشخصية المركزية وبعض ملامحها الخارجية في الحسن والجمال،حتى بات محط أنظار النساء على اختلاف انتماءاتهن.
تتفتح شخصية يوسف على الحياة في ظل مدينة يافا، فكانت فضاء مفتوحا على عوالم عدة محلية وعالمية، فتأثرت بهذا المحيط الغنيّ وباتت قابلة وجاهزة للانفتاح على عوالم أوسع. تكتمل شخصية يوسف بفضل تنقّلاته وقد حمّله الروائيّ كامل المسؤولية لإحداث التغيير المنشود، ولذلك رأيناه يخصص له الحيز الأكبر من صفحات الرواية، ليمثّل الإرادة القوية لهذه الشخصية، كنموذج قادر على التحدي والمواجهة مما يتطابق مع ما قاله جولدمان: "تصور الرواية هذا البطل وهو يتفاعل مع الواقع ويتحداه مع إدراكه محدودية محاولته أو صعوبتها، أو عدم فوزه في النهاية إلا أنه يواصل محاولته". (جولدمان، ص104) بدأت رواية "راكب الريح" مع يوسف الفتى الصغير، وانتهت به في مواجهة كل العناصر السلبية في جيل الشباب.
يعود نجاح هذه الرواية، برأينا، لأسباب عدة أهمها قدرة الروائي على تشخيص المكان وجعله معادلا، في أهميته، للشخصية الرئيسية،وتمكنه من خلق حالة من التناغم الكليّ بين الشخصيّة والمكان. فعن أية أمكنة وعن أية أشخاص تتحدث رواية "راكب الريح"؟ وما هي خصوصيتها؟
مقدمة:
أصدر الروائي يحيى يخلف روايته الأولى "نجران تحت الصفر"سنة 1977، تناول فيها موضوع الحرب الأهلية في اليمن بين الجمهوريين والملكيين، فدخل عالم الرواية، منذ ذلك الحين، من أوسع الأبواب. كما أصدررباعيته؛"بحيرة وراء الريح" (1991)، "نهر يستحم في البحيرة" (1997)، "ماء السماء" (2008) و"جنة ونار" (2011) التي تناول فيها أحداث النكبة وأبعادها من تشرد وضياع،لكنه في "راكب الريح" يدخل عالما جديدا هو عالم فلسطين نهاية القرن الثامن عشر.فكيف يبدو هذا العالم في تلك الحقبة الزمنية؟ ومن هم ناسه؟
لقد بنى يخلف روايته وفق محورين هامين؛ فضاء يافا الذي يمثل البيت- الوطن، وفضاء دمشق وأضنة/الأناضول الذي يمثل الغربة، وجعل الواحد منهما يكمل الآخر لتنضج الشخصية الرئيسية وتكتمل فكريا في ظلهما. إن تشخيص المكان في الرواية يوهم بواقعيتها، ويجعل أحداثها في عين القارئ محتملة الوقوع، وهو كالديكور في المسرح، إذ لا يمكننا أن نتصور وقوع الأحداث إلا من خلال الإطار المكاني. ويكثر هذا التأطير في الروايات الواقعية، (لحمداني، ص65) إذ يرى مؤلفا "النظرية الروائية"، اللذين كانا من أوائل من اهتم بهذا الجانب، أن الاهتمام التفصيلي به يعود إلى عصر الرومانتيكية والواقعية، إبان القرن التاسع عشر. (Wellek& Warren, p220)
يعمل الروائيون على خلق المكان المتخيَّل مستمدّا من الواقع، لكنه ينزاح عنه بحيث يتجاوب مع متطلبات العمل الفني، محافظا على كينونته الأهم؛ ارتباطه العضوي بالشخصيات وارتباطها به، في علاقة غير قابلة للانفصام، وجاهزة للتأثير والتأثّر.(موسى، ص313) وقد تتعدى سلطة المكان أكثر مما يبدو على السطح إلى أعماق التكوين النفسي للشخصيات. (حافظ، ص172) وهذا ما يتجلى بوضوح في هذه الرواية، إذ إن يافا، بكل مركباتها ومكوّناتها الفضائية، تعمل على بلورة الشخصية المركزية، فيتحول يوسف في ظلها إلى شبه سندباد متنقّل، تعمل الأمكنة كلّها على نضوجه واكتماله، جسديا وفكريا، وبالتالي يقوم هو أيضا بتأثير معاكس في المكان.
لم يلق الفضاء الروائي ما يستحق من عناية المنظّرين لفترة طويلة، رغم أهميته، حتى التفتت إليه السرديّات في بداية السبعينات من القرن العشرين، (بحراوي، 2002، ص5) وبتنا نرى دراسات توضح ما لهذا العنصر من أهميّة في الرواية، وفي غيرها من الفنون. (انظر: كتاب الفضاء الروائي، مجموعة من الباحثين) ولو دقّقنا النظر فيما قاله بعض المنظرين، وبالتحديد المنظر الروسي ميخائيل باختين في كتابه الشهير أشكال الزمان والمكان في الرواية، وما يقوله غيره مثل جيرار جينيت وجان بييرج ولدنستين، فسنرى أنهم جميعا يتحدثون عن العلاقة الجدلية بين الزمان والمكان والشخصية في الرواية، وهم يرون أن القصة والرواية منذ بداياتهما كانتا توليان أهمية كبرى بالفضاء. وهذا ما ألفناه في الأعمال التراثية العربية التي اعتادت على بداية "الحكي" بالتعريف على البطل، ضمن الحيز الزمكاني.
يقول جولدنستاين، على سبيل المثال: "تقتضي البداية، في كثير من الحكايات، تحديد المكان والزمان، حيث يجري الحدث تحديدا إجماليا [...] ونجد في القصص القصيرة، كذلك، تبيينا لمكان الحدث وزمنه". (جولدنستين، ص19) ويضيف: "إن الرواية، بما تتسم به من سعة، تسند دورا حقيقيا لمقولتي الزمن والفضاء، مما يجعلهما حاضرتين بمختلف تمظهراتهما في كل موضع من الرواية [...] ذلك أن الروائي أكثر تنبها إلى العلاقات التي توجد بين الشخوص التي يبدع، والعالم الروائي الذي يحيط بهم". (ن. م.، ص20)
نلاحظ أن "راكب الريح"التي تستعير بعض أساليب السرد التراثية العربية تتطابق مع ما قاله جولدنستين وغيره حول بدايات القصص والروايات، فقد جاء الفصل الأول من الرواية تحت عنوان "يافا 1795"، واستهل الراوي سرده بالحديث المباشر عن يوسف، الشخصية المركزية، مقرونا بفضاء يافا في تلك الفترة بالتحديد، وعليه فكل ما سيقال في يوسف سيكون مقيّدا بتلك الزمكانيّة.
نجد في رواية "راكب الريح" الكثير من الواقع، والكثير من الأحداث التاريخية، والكثير من الخيال وبعض الفانتازيا، مما يتيح لها الاقتراب من تخوم "الواقعية السحرية".(حول مفهوم الواقعية السحرية انظر: تنفو، النص العجائبي، بيلي، 24.12.2008) فيوسف الوسيم الجذاب محط أنظار النساء جميعا، منذ بدء تفتح جسده، يكبر ليصبح سندباد يافا وبطلا خارق القوة.ولو دققنا النظر في الحيز الواسع الذي خصصه الروائي لفضاء يافا، خاصة، لتبين لنا بشكل جلي أن يوسف هو ابن يافا بكل مركباتها، فالبحر في شسوعه يدعو إلى المغامرة والبحث عن المجهول، وحب يوسف لبحر يافا جعل القارئ يتساءل ماذا سيحدث هناك!؟هذا الأمر يذكرنا بنظرية وولفجانج ايزر وحديثه عن الفجوات، ولذلك فإن الإسهاب في وصف البحر وعلاقة يوسف به يكشف لنا لاحقا عن حقيقة الشخصية المغامرة والجريئة.
لقد عمل يحيى يخلفعلى خلق فضاء روائي مكتمل،وأثّثه بكل ما يتجاوب مع الشخصية المركزية شكلا وجوهرا، حتى غدت مدينة يافا بلدا حضاريا منفتحا على عوالم عدة، وقادرا على التحاور مع الحضارات الشرقية والغربية على اختلافها، لا مكانا يسوده التخلف. هذا الفضاء يكشف أعماق شخصية يوسف وانفتاحه على أفكار وحضارات متعددة،منذ تفتح وعيه،مما أهله للتحاور مع أشخاص ينتمون لحضارات عدة.
ملخص الرواية
تبدأ أحداث الرواية، كما أسلفنا، في يافا سنة 1795، وتنتهي نهاية القرن الثامن عشر مع فشل حملة نابوليون على فلسطين، وما خلّفته من قتل وتدمير. وهي تتمحور حول شخصية الفتى يوسف وحيد أبويه.قامت والدته بهنانة بتربيته وأحسنت في ذلك، أما والده فقد اهتم بتعليمه وتطوير شخصيته وفتح مجالات الحياة أمامه. نبغ يوسف مبكرا،فأرسله والده أحمد آغا، تاجر الصابون إلى الجامع الكبير، الذي "كان يشهد حلقات تدريس من كبار العلماء والفقهاء ورواة الحديث، فتعلم الفقه واللغة والعلوم، فعشق الخط العربي، ومنه انتقل إلى الرسم حتى أتقنه. كما أرسله إلى مدرسة الراهبات ليتعلم اللغة الفرنسية". (الرواية، ص5)يُعرف عنه، منذ نعومة أظفاره، حبه للبحر والمغامرة، وبات أهل يافا ينتظرون قفزاته المميزة من أعلى البرج إلى البحر، و"ذات مرة، وجد نفسه بعد أن أتم قفزته وغطس، ثم سبح نحو عمق البحر، وجها لوجه أمام حوت"، (الرواية، ص10) ومن حسن حظه أن الحوت غاص في الماء واختفى، فعاد يوسف إلى الشاطئ بسلام، و"في تلك الليلة، كانت حكاية يوسف والحوت حديث المدينة، وحديث القصر ومجالس الوالي والأغاوات ونقباء الأشراف، ومجلس الجواري". (الرواية، ص11)
يلفت يوسف إليه أنظار أهل يافا؛ كبيرها وصغيرها، بفضل نبوغه وعلمه وجسارته واكتمال أدوات فنّه، ووسامته التي شغلت صبايا المدينة وجواري القصر،فشبهت صديقات أمه جماله بجمال النبي يوسف. يدخل يوسف المراهقتجربته النسائية الأولى مع جارية حسناء أغوته، وما إن لامست شفتاه نحرها حتى احترق. يلتقي، كعادته، بالجميلات عند شاطئ يافا، ويتعرف إلى ماري الجميلة، ابنة قنصل الدولة العليّة في مدينة بوردو بفرنسا، وإلى أمها الطبيبة الفرنسية، اللتين قدمتا برفقة العائلة لقضاء عطلتهما الصيفية في يافا. مهّد هذا اللقاء وهذا التعارف الطريق ليوسف للسماع عن فرنسا والثورة الفرنسية الحديثة ضد النظام الملكي.
ولما رأى الوالد أن ولده مولع بفن الرسم اكترى له بيتا ليكون بازارا للرسم وتخزين الرسوم واللوحات وبيعها. لم يكتف يوسف بما تعلمه في يافا وعكا وحيفا، بل سافر إلى الأستانة، وطاف في بلاد الشام والعراق، واطّلع على رسومات لشعوب عدة، فتطورت أدواته ورسوماته وانتقل إلى الرسم بالفسيفساء. أقبل كبار موظّفي السراي والعائلات الغنيّة على البازار لشراء لوحاته الثمينة. وفي إحدى المرات تحضر ماري ووالدتها برفقة فتاة ذات حضور طاغ، وكانت تلك هي "العيطموس" المرأة كاملة الأنوثة والجمال،الأميرة القادمة من الأناضول التي اقتحمت خياله ولبّه. كانت تسكن في أحد القصور قريبا من قصر الوالي والسراي، فتقربا من بعضهما، وعرف عنها كل ما كان مستورا، واتفقا أن يرسمها مقابل قُبلة.
يلفت يوسف إليه الأنظار ويتّسع تأثيره على من حوله، فيحاول رجال الإنكشارية المعروفون بتزمتهم أن يحدّوا من فكره وتأثيره فيتواجه،في إحدى المرات، معهم جسديا، فأوسع فيهم ضربا وتغلب عليهم منفردا، فكان عقابه النفي وإبعاده عن يافا مدة سنتين. يترك جميلته "العيطموس" الشبيهة بالأندروميدا ويصل، وفق الاتفاق، إلى الشام حيث يدخل في "مدرستي ملوكي سلطاني" ليدرس هندسة العمارة وتزيين القصور، فتزداد ثقافته ومعلوماته. يلتقيهناك بفتاة غاية في الجمال هي "ذات السن الذهبية"، ويمرمعها بمغامرة كادت أن تودي بحياته،تستدرجه وتخدعه فيقع في قبضة الجنود وينجو بأعجوبة، بعد أن تعرض لصفعاتهم ولكماتهم الموجعة، لكنه لم يتوقف عن المغامرة في كل مرة كانت تظهر فيها فتاة أشبه في جمالها بحوريات البحر الساحرات.
يعاني يوسف، منذ نعومة أظفاره، لأن"قرينا" يسكنه وينغص عليه حياته، ولا يعرف كيف يتخلص منه. يعرض حالته على شيخ وعلى إمام، كما لم يتردد في عرض حالته على رجلين هنديين التقى بهما في بلاد الشام، أحدهما سيخي والثاني مسلم فيعرضان عليه صفقة؛ أن ينسخ بخطه الجميل "مخطوطا" عن حكمة الشرق، مترجما إلى اللغة العربية، من تأليف حكيم، فيلسوف وطبيب هندي،عالم بالفلك وخبير بالموسيقى الروحية،مقابل تخليصه من "القرين".يرافقهما إلى حيث يقيم الطبيب إقامته المؤقتة في جبل من جبال الأناضول،فيشفى بعد تلقيه العلاج، ويتعلم منه القدرة على التحكم بطاقته واكتشاف جوهر ذاته. وما إن سمع بحملة نابليون على فلسطين، وبالتدمير الذي لحق بيافا حتى عاد على عجل تاركا الأناضول، فينضم إلى المقاتلين الذين يحاربون جيش نابليون الغازي. يكتشف أن والديه قد قضيا نحبهما مثل آلاف القتلى الذين فتك بهم نابليون وجيشه. كما يرى أن الطاعون قد تفشى بين الناس، بسبب كثرة القتلى المنتشرين في كل مكان.
يعمل مع المقاتلين والمتطوعين على إعادة بناء المدينة الجريحة، ويتمكن، بفضل الحكيم الهندي وإشرافه،أن يشفي "العيطموس" من الطاعون. ينال منها قبلته الموعودة لقاء أتعابه في رسم اللوحة، لكنها كانت "قبلة النوايا الحسنة"، كما قالت السيدة العيطموس، إذ "اقترب من اللوحة، مد رأسه نحوها، ألصق شفتيه بشفتيها، وأطال التقبيل، ثم ابتعد، واستدار نحوها، وقال: هكذا تكونين قد سددت دينك". (الرواية، ص343) تغادر "العيطموس" يافا، ويتابع يوسف والشباب في ترميم المدينة وتقديم المساعدة لأهلها.
زمكانيّة العنوان والغلاف
قبل الخوض في دور المحطات المكانية نرى لزاما علينا أن نشير،بشكل موجز، إلى زمكانيّة العنوان وعلاقتها بالشخصية الرئيسية. يشير العنوان،بشكل مباشر،إلى أنّ الشخصية المركزيةفي الرواية هي العنصر الأهم. و"راكب الريح"، في معناه المباشر، يبوح بفضاء مفتوح مكانا وزمانا، وهو متحرك في الزمان، وغير ثابت في المكان، مما يتلاءم مع تحركات الشخصية المركزية، ليس فقط على صعيد المحسوس، بل على صعيد الجوهر، فتحركات يوسف وجولاته تمكنه من اكتشاف جوهر ذاته.كذلك فإنّ اختيار الاسم يوسف يحيلنا إلى قصة النبي يوسف، ليس في وسامته، وفي قصصه مع زوجة العزيز،واللواتي قطّعن أصابعهن،فحسب، بل لأنّالنبي يوسف راكب للريح أيضا، إذ انتقل من أرض كنعان إلى أرض مصر وتعرَّف على بلاد أخرى وحضارة أخرى، تأثّر بفنّها وعالمها الرحب الواسع، واكتملت شخصيته بفضلها وفي ظلها، فأصبح هذا الفتى الصغير، بفضل نبوغ عقله، وقدرته على تفسير الأحلام والألغاز،وزيرا لعزيز مصر، فتمكّن من إنقاذ أهله من القحط والجوع، وتزويدهم بكل ما يحتاجون من دعم. وهكذا فإن يوسف بطل الرواية،قد تجوّل في بلاد عدة وكبر حتى اكتمل إدراكه ووعيه، وعاد إلى أهله وإلى بلده يافا،فأنقذها من الطاعون والجوع، ومن براثن نابليون وجيشه الذي عاث فسادا. إذن فالعنوان "ليس مجرد تكملة أو حلية، بل إنها، من منظور بعض محللي الخطاب، نقطة انطلاق كل تأويل للنص".(الماكري، ص253)لذا فإن اختيار يحيى يخلف عنوان الرواية، واختيار اسم الشخصية المركزية لم يكن محض صدفة،فقد جعل الواحد منهما يكمل الآخر.
يعلن الأدباء، سواء كانوا روائيين، شعراء أو قصاصين، أنّ العنوان يأتي لاحقا بعد الانتهاء من العمل،وذلك بعد أن يثوب عقل الأديب إلى رأسه، على حد قول الباحث عبدالله الغذّامي، فيكون ذلك عصارة فكره، بعد أن يكون قد ارتاح من عناء الكتابة. (الغذامي، ص58)إنّ العلاقة الوثيقة بين جميع عناصر الرواية،والمبنى المتين للأحداث، وارتباطها بالشخصية المركزية في "راكب الريح" جعلنا نشعر وكأن العنوان قد جاء سابقا ثم تلا ذلك سرد الأحداث. يشير العنوان، "راكب الريح" بشكل مباشر إلى ثلاث عناصر روائية مجتمعة؛ الشخصية المركزية، المكان، والزمان في أبعادها المتحركة غير الجامدة، كما هو حال الأحداث والراوي اللذين يرافقان الشخصية في تناوب الأمكنة والأزمنة.
تحدّث المنظّرون عن الفضاء المغلق والفضاء المفتوح، ودور كل منهما، ونحن نرى أنّ فضاء مدينة يافا فضاء مفتوح، رغم السور والأبنية المغلقة، لأنّ كل هذه المركبات تكمل بعضها بعضا كلوحة فسيفسائية متكاملة المعالم. ونرى بعد معاينة دور يافا في تطوير شخصية يوسف، واحتكاكه بأبناء شعوب عدة ينتمون لحضارات مختلفة، أنّ فضاء يافا مفتوح فكريا، رغم محاولة أفراد جيش الإنكشارية فرض قيود ظلامية. أدركت الفنانة التشكيلية ضحى الخطيبهذا البعد فعكسته في لوحة الغلاف، إذ نرى هناك صورة يوسف ذي اللحية والشاربين المفتولين، كشاربي الأتراك في تلك الحقبة الزمنية، له عينان واسعتان تنظران إلى البعيد. يوسف هو الأقرب في اللوحة إلى الرائي، يغطي جزءا كبيرا من المدينة، ومن خلفه تبدو بعض بيوت يافا، وحصان وطيور وقوارب وقبة ومئذنة. أما خلفية اللوحة فلونها سماوي قريب من لون بحر يافا، والبحر والسماء كلاهما فضاء مفتوح. إن المتمعّن لقادر أن يكتشف ما هو أبعد مما قمنا بتوصيفه، فاللوحة قابلة للانفتاح والتأويل، وتوحي بالعلاقة المتينة بين عالم الرواية، بأحداثها وشكل المدينة العامرة ببيوتها وساحلها، وبين يوسف بطل الرواية.
يستحق العنوان ولوحة الغلاف وقفة مطولة، بل هما جديران بدراسة موسّعة تثبت العلاقة الجدلية القوية بين الأحداث وبين العنوان، وما يتعلق به، ما يؤكد رؤية جيرار جينيت أنّ العنوان هو "النص الموازي"، وهو ما ينطبق فعلا على لوحة الغلاف التي تأخذنا إلى أجواءألف ليلة وليلة والسندباد وبساط الريح، فتأتي الأحداث فيما بعد لتربط بين يوسف، راكب الريح، وجولاته وتنقلاته واكتمال تجربته.
المحطة الأولى:فضاء يافا؛ البيت ومسقط الرأس
تتفتّح الشخصية المركزية وتتطور في ظل مدينة يافا، ببيوتها وأزقتها وحاراتها وسوقها وبحرها وسورها وأبراجها،وبمحيط غنيّ ثقافة وفنا وحضارة. وكان يوسف،كلما كبر يوما، ازدادت قوته الخارقة معتقدا أنّ هذه القوة هي من "قرين" يسكنه، تمثلت في تغلّبه على مجموعة كبيرة من أفراد جيش الإنكشارية، ومن قبلة لجارية حسناء قبّلها في نحرها فاحترق، وظلت هذه القبلة وشما أبديا. كما أن حبه للعلم والمعرفة وفنّ الرسم كان يزداد يوما بعد يوم. من هنا يجب التعامل مع يوسف/الشخصية المركزيةمن خلال المحيط المُتخيَّل للرواية، ومن خلال الحيِّز الزمكانيّ المتخيل، متفقين بذلك مع كل من صبري حافظ الذي يرىأنّ أيّ محاولة لنزع الشخصيات من سياقها، ومناقشتها على أنّها شخصيات إنسانية حقيقية هو فهم خاطئ لطبيعة الأدب، (حافظ، ص173) ومع بوريس أوسبينسكي الذي يرى أنّ المكان، في الحكايات الشعبية،يقوم بالدور الأول في تحديد مواقف الشخصيات وليس العكس.(ن. م.، ص172) فهل هذا يعني أن "راكب الريح"هي حكاية شعبية؟
قلنا، أعلاه، إنّالروائيّ في "راكب الريح"يوظف أسلوب الحكايات الشعبيّة السرديّة، فبطلها خارق في قوّته، كما رأينا أعلاه، والمحيط اليافاوي فيه الكثير من الواقعيّة الممزوجة بالخيال الذي يصل تخوم الفانتازيا دون اختراقها.تبدو لنا يافا، منذ بداية السرد، مدينة فيها بعض من مواصفات عالم ألف ليلة وليلة، غنية بمعالمها وأبنيتها وتاريخها، وتنوّع ناسها وانتماءاتهم المتعددة، واختلاف مهنهم وأعمالهم. وتظهر للقارئ مدينة منفتحة على عوالم عدة؛ سوقها عامرة بالتجار المحليين والغرباء والقادمين إليها من بعيد، فيها بعض القصور، وفيها السراي الذي يقيم فيه الوالي العثماني،عبدالله بك، وفيها جوار وقيان وحسناوات من بلدان مختلفة، ومن شعوب عدة، وفيها الجامع الكبير الذي بني بمعمار عثماني فريد، وآثار قديمة من سور وبرج عال تشهد كلها على عراقتها، وفيها أسواق ومتاجر تكتظ بالباعة والمتسوقين المحليين والأجانب، وحركة تجارية مباركة. وفيها أدغال من أشجار الحمضيات وساحات وباحات، فضلا عن شاطئ ذهبي جميل ورمل يتسلّى به الكبار والصغار.
(يتبع)







.png)


.jpeg)


.png)

