news-details
ملحق الجمعة

يأتيه الخلاص حين يلتقي صدفة بالرجلين الهنديين؛ المسلم والسيخي، فيثيران فيه حب السفر وركوب الريح، بعد أن سمع منهما، ومن غيرهما أخبار الشرق والغرب، من الصين حتى بلاد الغال، وذلك في لقاء جمعهم في باحة خان دمشقي يحضره تجّار من بلاد شتى، رأى ضيوفا وتجّارا يلبسون ثيابهم التقليدية، يتحدثون عن بلادهم وجمالها وجمال نسائها، استمع إلى غنائهم وأعجب بعزفهم، رغم جهله للغتهم، فدخل إلى قلبه الفرح، "كان ممتلئا بسلام نفسيّ وسكينة غامرة ويقظة تغريه بالتأمل". (الرواية، ص206) ص إن هذا اللقاء يمثل نقطة تحوّل هامة في حياة يوسف، وما كان ذلك ليحصل لولا كونه مهيّأً، من قبلُ، للتواصل مع الآخر، ولولا الثقافة الواسعة الشاملة التي اكتسبها في يافا واتسعت أكثر في دمشق الشام. 

يستجيب يوسف لطلب الرجلين الهنديين، وينضم إلى القافلة التي تسير في طريق طويل حافل بالمشاهد والتجارب، حتى وصلوا إلى الأناضول. وبات، بعد التدرُّب عند الحكيم الهندي، قادرا على التحكّم بذاته، وبقوته الخارقة من خلال العقل والتأمّل.إن وجوده، ضمن هذا المكان، بما فيه من معالم خارجية ساحرة، ومن أجواء صوفيّة،قد ساهم في اكتشاف حقيقة ذاته؛عرف، لأول مرة في حياته، أن القوة الكامنة به تابعة له وليست لقرينه، كما كان يعتقد. أصبح يوسف أكثر وعيا وتحرّرا فنظر إلى الجوهر، لا إلى المظهر. ولما سمع من الحكيم الهنديّ عن حملة نابليون، وما عاثه من قتل وتدمير، ترك الأناضول على جناح السرعة،وعاد إلى يافا، إلى المكان الأساس وإلى القضية الجوهرية،وهي طرد نابليون العدو الذي جاء ليبدّل ويغيّر معالم المكان وجوهره ومكانته.

لقد ارتبط يوسف اليافاوي بالميناء والبرج، وبكل حارة من حارات يافا، وبأزقتها وبيوتها. وحين رجع ورأى ما تركته حملة نابليون من تغيير معالم المكان، كان همّه الأول هو إعادة بناء المدينة لتعود إلى سالف عزها وشكلها. فانتهت الرواية وباب الأمل مفتوح على مصراعيه، على الصعيد العام وعلى الصعيد الخاص. يوسف قد اكتشف قوته النابعة من ذاته، لا من ذاك القرين المتوهَّم، وجنّد كل ما اكتسب للحفاظ على المكان الأهم، مدينته يافا الجميلة والعريقة،وحظي من حبيبته بقبلة موعودة لم تحرق خدّها، كما حدث له في مغامرته الأولى، لأنه بات إنسانا آخر يدرك جوهر الحياة وجوهر المرأة وجوهر ذاته. أما على الصعيد العام فإن يوسف وأهل يافا فقادرون على بنائها لتعود إلى الحياة من جديد كطائر الفينيق. 

 

خلاصة

لقد بنى الروائي يحيى يخلف روايته بصورة محكمة،إذ قام بتشكيل فضاء يافا الغنيّ، بحضارته وثقافته، وأشبعه وصفا، بحيث جعل القارئ يحسّ بمكانة هذه المدينة وأهميّة دورها، وانتهت الرواية باجتماع الشباب لإعادة بنائها، بعد عيث الخراب في بيوتها وأسواقها،وقتل أكثر من أربعة آلاف من أبنائها، وانتشار مرض الطاعون الفتاك. وبذلك اكتملت الصورة وتكشفت العلاقة الوثقى بين المكان والإنسان، فإذا كان المكان يحدّد صورة الإنسان ويؤثّر فيه، فإن الإنسان، كذلك، قادر على التأثير في المكان، وتغيير شكله وجوهرهوإحيائه وبعثه من جديد. وبما أنّ يافا هي البيت الدافئ، فقد تحرّك يوسف وأهلها بدافع الارتباط العاطفي لإعادة بنائها. فبدت الأمكنة جزءا من الشخصيات، والشخصيات جزءا من الأمكنة يتبادلان التأثير والتأثّر ويكمل أحدهما الآخر.

اهتم كتاب الرواية الواقعية بتصوير المكان بصورة مشاكلة للواقع، لكنه، في روايتنا، لا يشاكل الواقع، ومع ذلك فهو يبدو في عين القارئ واقعيا، لأنه يحقق حيلة الفنان المبدع في عملية "الإيهام بالواقع". فصورة يافا؛ بأسواقها وقصورها وناسها على اختلاف مشاربهم، وقيانها وجواريها، وتحرك الشخوص في إطار الأمكنة المتعددة في الشام والأناضول، أقرب إلى "واقعية" ألف ليلة وليلة. 

تتجلى قدرة الروائي وفرادته في رسم عوالم متكاملة أشبه بلوحة فنية قابلة للتشظي، كلما نظرت إليها اكتشفت بعدا جديدا فيها، فتحوّلت يافا،من مجرد مدينة، إلى رمز للمكان الأوسع والأشمل، وكما أن حيفا ليست مجرد مدينة في رواية غسان كنفاني"عائد إلى حيفا"، بل رمز أوسع وأشمل، هكذا هي يافا في رواية يخلف "راكب الريح".

يتعرف القارئ على الشخصيات بشكل تدريجي، إذ يرسم الروائي صورتها الخارجية من هيئة وملبس، ثم يتغلغل في ثناياها، عبر التقنيّات الفنيّة، فيبنيها حتى تنضج، فتبدو في عين القارئ مخلوقا حيا ومعافى، بفضل الحوار والمونولوجات والأحلام التي تصل حد الفانتازيا. وقد انعكس ذلك في بناء الشخصية المركزية، إذ يشعر القارئ، بعد الانتهاء من قراءة الرواية، أنّ شخصية يوسف مكتملة ومشبعة بكل المواصفات، حيث حملت، في صغرها، مواصفات الفتى المغامر في البحر، النجيب، الذكي والطموح، فتحقق الأمران في مرحلة لاحقة من مراحل بناء الرواية؛ اكتمل جسده مع اكتمال فكره واكتشاف كنه ذاته. غامر وأخطأ في صغره، وتابع في ذلك حتى اكتسب حكمة الحياة، من خلال التجارب، ومن خلال التنقلات بين أماكن عدة، فضلا عن احتكاكه بشخصيات مؤثّرة أهمها "العيطموس" والحكيم الهندي. فبدت الشخصية محكمة البناء.

نؤكّد، في هذا السياق، أن رواية "راكب الريح" ليست رواية تقليدية، رغم مبناها، بل على العكس هي رواية تجمع بين الواقع والخيال وبعض الفانتازيا. وعليه فإنا نرى أنّ الروائي يحيى يخلف قد تعدّى تجاربه السابقة باتجاه الحداثة، فقد فتح باب الخيال على مصراعيه وجعل الفانتازيا قريبة من الواقع. كما جنّد العديد من الوسائل لفتح أفق الرواية لتبدو رواية ديالوجية. وبالرغم من سيطرة الراوي المشرف الكلي المعلّق، إلا أنّ القارئ يتوه وسط الأصوات المتعددة، وذلك بفضل التشكيل اللغوي الذي يتلاءم مع تعدد الفضاءات والشخصيات، وبفضل التقنيّات الأخرى التي أتينا على ذكرها.

للرواية أبعاد عدة مهمة، منها البعد الفكري، إذ يرى القارئ أن التغيير المنشود الذي يحقّق الذات العربية، ويضعها في مكانها السليم، هو في التحرر الفكري والعقائدي، لذلك ليس عفوا أنّ بطل القصة رسّام وخطّاط وجوّال آفاق، يحارب في الداخل، كما يحارب في الخارج. ورغم كونه راكب الريح،إلا أنه ليس مجرد سندباد عربي مغامر فحسب، بل هو الإنسان الفلسطيني الذي آثر العودة،بعد رحلة الاستشفاء في الأناضول، إلى يافا الجريحة المصابة بوباء الطاعون، فيشارك مع الثوار والجنود، من أجل طرد الغريب، وإعادة بناء البلد من جديد.ومن هنا نرى يوسف، الباحث عن الحكمة، يلتقي بالحكيم الهندي وينسخ كتابه ليرسله صاحبه إلى الغرب حاملا رسالة الشرق للغرب: تعالوا لنعيش معا في ظل حكمتنا وحكمتكم، وفي ظل حضارتينا، دون سيطرة إحداها على الأخرى.

لم تنته الرواية باكتساب يوسف المعركة، كما يتمنى القارئ العادي، بل إننا نرى أن يوسف قد ساهم في فتح كوة للحوار بين الشعوب والأديان، وبين الشرق والغرب، عبر مساهمته في كتاب الحكيم الهندي "الشرق حكمة ومحبة وسلام". (الرواية، ص249)يتحول بطل الرواية إلى رمز ومثال للفتى الفلسطيني الباحث عن الحق في الحياة الحرة الكريمة، الحافلة بالحكمة والعلم والفن الراقي. فالحياة ستكون فارغة ومنقوصة بدون الفن؛ من رسم ونقش وخط وغناء ورقص وجمال أنثوي؛ داخلي وخارجي.ورغم الجانب العاطفي الهام في الرواية، إلا أن همّ يوسف الأول هو تحقيق الذات وطرد الغازي الغريب، ممثلا بنابليون وجيشه، وإعادةُ إعمار يافا، من خلال العمل الجماعي، لا العمل الفردي. لذلك لا تنتهي الرواية كنهاية الروايات التقليدية، ولا يجتمع الحبيبان ليبنيا عش الزوجية، بل تنتهي وقد تجمّع الشباب الثائر من أجل إعادة إعمار يافا.



 

المراجع

باختين، 1990   باختين، ميخائيل (1990)،أشكال المكان والزمان في الرواية، ترجمة يوسف حلاق، دمشق: منشورات وزارة الثقافة.

بحراوي، 1990   بحراوي، حسن (1990)، بنية الشكل الروائي، بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

بحراوي،2002   بحراوي، حسن (2002)،"مقدمة كتاب الفضاء الروائي"، في كتاب الفضاء الروائي، تأليف مجموعة من الباحثين، ترجمة عبد الرحيم حزل، الدار البيضاء، بيروت: افريقيا الشرق.

بورنوف، و أويلي،2002   بورنوف، رولان، وأويلي، ريال (2002)، "معضلات الفضاء"، في كتاب الفضاء الروائي، تأليف مجموعة من الباحثين، ترجمة عبد الرحيم حزل، الدار البيضاء، بيروت: افريقيا الشرق.

بيلي، انجيلا، "الواقعية السحرية كيف نفهمها"، ترجمة خضير اللامي، مجلة الروائي، alrowaee.com/article.php?=298

24.12.2008

تنفو، 2010    تنفو، محمد 2010)، النص العجائبي، مائة ليلة وليلة أنموذجا. دمشق: دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع.

جولدمان، 1984    جولدمان، لوسيان (1984)،البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، ترجمة، محمد سبيلا، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية.

جولدنستين، 2002   جولدنستين، ج، ب (2002)، "الفضاء الروائي"، في كتاب الفضاء الروائي، تأليف مجموعة من الباحثين، ترجمة عبد الرحيم حزل، الدار البيضاء، بيروت: افريقيا الشرق.

جينيت، 2002   جينيت، جيرار (2002)، "الأدب والفضاء"، في كتاب الفضاء الروائي، تأليف مجموعة من الباحثين، ترجمة عبد الرحيم حزلالدار البيضاء، بيروت: افريقيا الشرق.

الغذامي، 1993   الغذامي، عبدالله (1993)،ثقافة الأسئلة، ط2، الكويت: دار سعاد الصباح.

حافظ، 1984   حافظ، صبري (1984)، "مالك الحزين"- الحداثة والتجسيد المكاني للرؤية الروائية"، فصول، مج4، عدد4، ص159-179.

لحمداني، 1991   لحمداني، حميد (1991)، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، بيروت: المركز الثقافي العربي.

الماكري، 1991   الماكري، محمد (1991)، الشكل والخطاب، مدخل لتحليل ظاهراتي، بيروت: المركز الثقافي العربي.

مرتاض، 1998   مرتاض، عبد الملك (1998)، في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، الكويت: سلسلة عالم المعرفة.

موسى، 1993   موسى، إبراهيم(1993)، "جماليات التشكيل الزماني والمكاني في رواية الحواف"، فصول، مجلد 12 عدد 2، ص302-316.

النصير، 1986   النصير، ياسين (1986)، إشكالية المكان في النص الأدبي، بغداد: دار الشؤون الثقافية. 

يخلف، 2016   يخلف، يحيى (2016)،راكب الريح، عمان- رام الله: دار الشروق.

Wellek,1966    Wellek Rene, Warren, Austin, (1966), Theory of Literature, Harmondsworth: Penguin Books Ltd.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب