news-details
ملحق الجمعة

جذور الفردانية في الولايات المتحدة ودورها في تحديد سياستها الاجتماعية

الفردية والفكر البروتستنتي الكلفيني متجذرفي الثقافة الأمريكية". فلقد عارض  كلفين فكرة الكنيسة الكاثوليكية التي كانت سائدة في العصور الوسطى، بأن الله يحب الفقراء فقط، بهدف جعل الفقراء يتقبلون سوء حالهم ومنع ثورتهم ضد النظام، والذي كانت الكنيسة احد ركائزه. وقد قدم الأغنياء الأموال للكنيسة لتغفر لهم غناهم. فقام  كلفين بتعميم فكرة نقيضة تقول ان الله يحب الأغنياء والعمل أيضا، ويفرح لنجاحهم فيه، ويمنع الدولة من التدخل في اعمالهم.

يميل الكثير من المحللين لإلقاء المسؤولية للسياسية الرأسمالية-الفردية المعارضة لتدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع، على القيادة السياسة والسلطة الحاكمة في الولايات المتحدة. لكن البروفيسور إليزابيث أندرسون تعتقد أن العامل الأكثر تأثيرا في منع التدخل والاصلاحات لتحقيق المساواة والتقدم، مصدره الدين - المذهب الكلفيني. وبرأيها يرتبط ذلك بهيمنة جارفة وطويلة الأمد لتيارات في الفكر البروتستانتي منذ تأسيس الولايات المتحدة، والتي ما زال تأثيرها مستمرا حتى يومنا هذا. وتفترض ان احد تأثيرات ذلك يتمحور باعتبار العمل في البروستانتية قيمة أساسية في المجتمع. ولهذا التوجه بعده الإيجابي- احترام القُوى البشرية العاملة، وشكل هذا دعما للرأسمالية. بينما سلبياته الإيمان بأن كل فرد فقير هو كسول، محتال ومخادع، ولذا واجب الدولة عدم مساعدته لكي لا تمس بأخلاقيات العمل. اذًا لا يعكس هذا الموقف، بل ينفي، أن الفقر ظاهرة بنيوية، يفرزها نظام راسمالي ليبرالي استغلالي، يعارض تدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع ويتذرع بأنه ضار لنموه. 

برأي الباحثة أندرسون تعود جذور هذا الموقف الديني المعادي للفقراء للقرن السابع عشر حيث تبناه وطبَّقه وزراء في بريطانيا آمنوا بالمذهب البيوريتاني (المتأثِر بمبادئ  كلفين) والذي انطلق من فكرة أن العمل هو واجب أساسي حددته القوة الإلهية لكل فرد وفرد، وإذا قمنا بتقديم أية مساعدة للفقراء فهذا عمل مخالف للقدر الذي ُحدد لهم من قبل العناية الإلهية. ولقد تمادت البيوريتانية في تزمتها لتسجن كل من تكتشف أن غطاء الطاولة في بيته لا يستر أرجلها.

كما ارتبطت سياسة رفض تقديم أية مساعدة للفقراء والمحتاجين بالتوجه الاقتصادي الرأسمالي الليبرالي (لسيه فير- دعه ينتج، دعه يمر، دعه يبيع) والذي يؤكد فقط الحرية السياسية ويعارض تدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع. وترتبط أيضا جذوره بمزج الكثير من السكان البيض في الولايات المتحدة بين الفلسفة الدينية الكلفينية المعادية للفقراء ومسيرة تاريخ القوى الحاكمة في الولايات المتحدة. ونجد بنيامين فرانكلين يحدد الاخلاقيات الإيجابية لكل رأسمالي: "حق العمل مقدس والفرد يتحمل لوحده مسؤولية افعاله، والوقت هو المال، والثقة هي المال والمال بطبيعته يُنتج المال، والدافع الجيد للربح هو كيفية حصولك على أموال الآخرين، بدون ان تخسر ثقتهم وأن تبقى في نظرهم الرجل الشريف والورع". وما تقدم يجسد تأثره بإيجابيات العمل في الفكر البيوريتاني. ويدعم ذلك الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في مقولته بأن الإنجليز أكثر شعوب العالم انتفاعاً من: الدين، والتجارة والحرية. والمقلق ان الكثير من سكان الولايات المتحدة يتوهم انه قد تحرر من هذا الموروث الفكري - الديني، الا ان الواقع والابحاث في هذا المضمار، تثبت انهم ما زالوا يتصرفون كأسرى هذه الأنماط والمعايير والقيم والأخلاقيات والفكر الكلفيني والمذهب الطُهري. فهي متجذرة في اعماق فكرهم، وُتحدد سلوكياتهم ومواقفهم وقراراتهم في مواضيع كثيرة وخاصة الموقف من محاربة الفقر.

فمثلا ربطت العقيدة اللاهوتية الكلفينية - الطهرية، اخلاقيات حب العمل المنضبط كوسيلة لتحقيق الخلاص. وتثبت القراءة المتفحصة والنقدية لهذه النصوص اللاهوتية وجها إيجابيا وهو أن من يعمل يستحق الاحترام والتقدير. ولكن هذا لا ينفي تأثيرها السلبي والهدام بتطبيق المنظور الفكري البيوريتاني بان الفقير إنسان كسول بالضرورة. اذ هو الذي اختار الفقر ولا يستحق أية مساعدة. والمحزن ان الكثير من المواطنين البيض في الولايات المتحدة استمدوا فكرهم المقولب من جذور ومواقف  كلفينية تجاه الفقراء مثل الاعتقاد بان الملونين والسكان الإصلانيين في الولايات المتحدة هم كسالى وعديمي اخلاقيات العمل وعنيفين. ان الدافع لتحويل المظلوم كبش فداء، ما زالت سائدة وتحركها القوى المسيطرة لتبرير استمرار تفوقها.

اما عالم الاجتماع ماكس ڤيبر فدرس الأديان، ليس من باب التأويل الايديولوجي، بل من باب التأثيرات التي تتركها على سلوك الأفراد. وانطلق هذا من قاعدة أساسية في أطروحته "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" مفادها أنّ جزءا من التأويلات لدى البروتستانت أنتجت بعض مولدات النظام الرأسمالي على نقيض الديانات العالمية الكبرى. واستنتج بأنّ الرأسمالية لم تتطور إلا داخل الدول التي عايشت سيادة الديانة البروتستانتية، وخصوصاً الكالفينية في شكلها الطُهري (البيوريتاني). وطرح فيبر الإشكالية الآتية : كيف أدت بعض العقائد الدينية الى ظهور عقلية اقتصادية بالشكل الذي لاحظناه في الفكرالغربي؟ وتوصل الى استنتاج بأن المحدِد الجوهري وراء ظهور الاقتصاد الرأسمالي هو القيم الدينية الكلفينية وليس الواقع الاقتصادي. لأن الفرد يحتلّ في الكلفينية الأسبقية على المجتمع، ولقد زودت القوة الإلهية الفرد، عقلا وارادة وهو يملك حرية العمل والمبادرة. لذا ساهمت القيم البروتستنتية في تشجيع حرية العمل الفردي أي ان الفرد الناجح هو الذي يعمل لخلاصه وجدير بالاحترام. بينما الكسول، يتحمل مسؤولية وعواقب كسله. اذا الكلفينية اعتبرت العمل وسيلة للخلاص والرأسمالية تبنت هذه الفكرة لتشجيع حرية العمل والمبادرة. ڤيبر عرض في كتابه هذا التفسيرات والتعليلات لتفوق الرأسمالية الصناعية والتجارية في البيئات البروتستاتنية. فحسب تحليلاته تنامت حرية العمل والتجارة والزيادة في الانتاج كنتيجة للتوافق العضوي بين الدين والعقل والاقتصاد. فبرأيه ان اكثر العوامل تأثيرا لتحقيق انسجام العقلانية الاقتصادية مع السلوك والدافع للعمل والإنتاج توفرت في الأخلاق البروتستنتية. لكن برأيي جاءت تفسيراته اللاهوتية هذه بدافع دحضه المادية التاريخية الماركسية. اَي انه هدف بتحليلاته هذه تحويل الأفكار الدينية البروتستنتية لقوى تاريخية محركة بهدف توفير قوة دفع جديدة للرأسمالية يحركها الدين وليس منظومة ملكية وعلاقات الانتاج. ومن الأدلة لتفسيراته اللاهوتية تأكيده بأن "التحرر الديني الذي تمثّله البروتستانتية يتلوه تحرر اقتصادي تمثّله الرأسمالية، وما دامت البروتستانتية مذهباً يدعو إلى الحرية والفردية، اذا تكون الرأسمالية المرتكزة على الحرية والفردية هي الوليد الطبيعي لها".. وعليه يكون بذلك قد أعطى الدين تفسيرا رأسماليا وأعطى الرأسمالية تفسيرا دينيا، والقوى اليمينية في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة تتبنى هذا التوجه حتى يومنا هذا.

بتأثير ما تقدم، يعتبر اليوم كثير من المشاكل الاجتماعية والاخلاقية والاقتصادية وخاصة في الولايات المتحدة كقضايا فردية اكثر منها جمعية. بدل ان ننظر لانعدام العدل من منطلق بنيوي مثل دور التصنيع في تلويث البيئة، فنجد وزارة البيئة تكتفي بتشجع أفراد المجتمع على اعادة تدوير منتجات. أو، ربط علاج ظاهرة استغلال العمال بتشجيعهم بتحسين تنظيم اعباء عملهم. والأمثلة لمثل هذه الحلول الشكلية كثيرة ولا مجال لحصرها هنا. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ماهو مصدر هذا الانحراف والتضليل في تفسير ومعالجة مشاكل الاقتصاد والفقر؟ 

فأحد عواملها تعود لظواهر وأخلاقيات الأمور الغريبة والعجيبة المشمولة في لاهوت الاخلاقيات الكلفينية- البروتستنتية التي تُقدس العمل كوسيلة لخلاص الفرد وتحميلها كل فرد مسؤولية خلاصه. وبالفعل جرت ترجمتها على ارض الواقع "أنا كفرد يتوجب عليّ العمل لإنقاذ نفسي". وبفعل هذه النزعة، تطابق هذا التصور مع خدمة مصلحة ومواقف الفردانية في الرأسمالية. 

نلمس اليوم أن هذا الفكر وممارسته اكثر انتشارا في أمريكا منه في أوروبا. ويعود تفسير ذلك لتأثير تجربة أوروبا حربين عالميتين مدمرتين، حيث نجم عنهما شعور الكثير من شعوبها بأنه كفى قتلا ودمارا ويبابا. وأدرك الكثير منهم ان جميعهم في قارب واحد، فإما العمل والتعاون معا، أو الفناء.. بينما لم تواجه الولايات المتحدة التهديد الوجودي لكيانها، لتبقى القيم السائدة -وخاصة لدى الكثير من البيض- تدعم المُثُل الفردانية والتي تتلخص بشعار اولا نحن أفراد وبعدها نجتمع في أمة. فيكون واقع أوروبا هو احد العوامل الذي دفع الكثير من دولها لتطبق توجه دولة رفاه اجتماعي، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكانت من عوامل تطبيق سياسة الرفاه الاجتماعي لمعالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية النابعة عن نتائج الحرب العالمية الثانية.

دعمت هذه السياسة خطة مارشال الامريكية لمنع انهيار حليفاتها ومصالحها في الدولة الأوربية. ان ضرورة التغلب على النتائج المدمرة للحرب أكدت حتمية لتدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع، لتحقيق مستوى اكبر من المساواة، وتعزيز مسؤولية دعم الدولة لسكانها عند الحاجة. وهذا يتطلب بان تختار الدولة فلسفة وسياسة اقتصادية واجتماعية تؤمن بتدخل الدولة في الا قتصاد والمجتمع وتأكيدها بان المساواة الاقتصادية والاجتماعية اهم من الحرية الاقتصادية. فمن وظائف السلطات الحاكمة تذويت وتطبيق قيم المساواة قي تكافؤ الفرص، تدعيم وترسيخ العلاقات الاجتماعية. وان يدأب المجتمع المدني والعائلة وجهاز التربية والتعليم تربية أفراد المجتمع على التسامح ونبذ ومكافحة كل مظاهر العنف.المهم ان نربي ونغرس في أفراد المجتمع بان المال وسيلة لتحسين مستوى حياتنا وليس صنما نعبده ويستعبدنا. علينا تركيز اهتمامنا في أنماط تعاملنا وسلوكياتنا مع بعض، وان ننبذ هوسنا المحموم لتكديس الأموال بكل وسيلة وان ندرك الأبعاد والنتائج السلبية والهدامة للذين يتعرضون ويعانون من استغلالنا وسياستنا العدوانية. كما يتوجب على مؤسسات السلطة والنظام وكل فرد في المجتمع الاهتمام والمثابرة لتحقيق التحسين المستدام لكل ما يرتبط بمتطلبات معيشتنا، وايضاً تطوير الوعي الاستهلاكي والاهتمام بالمحافظة على جودة البيئة والوعي لمخاطر العنف العالمي والمحلي بكل اشكاله.وايضا ضرورة مساهمة السلطا ت والسكان لاجتثاثه من جذوره. فعندما ننجح في تحقيق كل ذلك سنقهر فكرة وأخلاقيات "معك قرش بتساوي قرش"، وان الناس حيث كان المال والجاه. وأخيرا: يجب الانتباه الى أن الأمن والامان والرفاه هي الأساس لمجتمع سليم، وان العنف والفقر والجريمة كرة ثلج متدحرجة تهدد الجميع بالدمار، بل بالفناء، وعندها، "ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه"!


 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب