قال زعيم ومفجر ثورة أكتوبر الشيوعية لينين "أعطني جريدة ومسرحا اعطيك ثورة". رغم الايجاز والبلاغة والعمق الفكري في هذا القول فإنه يتماشى مع الحقيقة التي تنطبق وتناسب كل الأزمنة والفترات، فحرية الصحافة ليست وقفًا على فئة معينة من المواطنين، أو وقفًا محددًا على شعب من الشعوب، حرية الصحافة يجب أن تنال اهتمام الجماهير على اختلاف فئاتهم أو طبقاتهم.

حرية الصحافة هي محصلة من محصلات حرية الاعتقاد، ويقول أحد المفكرين الفرنسيين الذي عاش في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أن الحكومة عندما تخضع الصحف لسلطانها، تجعل نفسها مسؤولة عن كل ما تكتبه هذه الصحف.  

ان الضمان الوحيد للمواطنين ضد التعسف والظلم هو النشر، واكثر أنواع النشر وأسهلها وأكثرها وضوحًا هو ما تنشره الصحف، وحرية الصحافة لا يمكن ان تنفصل عن الديمقراطية، لعلها تعكس ارادة الشعب، ويذهب بعض السياسيين الى القول "خيرٌ لنا أن نكون بدون برلمان من أن نكون بلا حرية صحافة" والأفضل لنا أن نُحرم من المسؤولية الوزارية ومن حق التصويت على قانون الضرائب، على أن لا نُحرم من حرية الصحافة، لأن الصحافة وحريتها بمثابة لسان كل مظلوم وحارس للحريات، وهناك من يسلم بالمقولة "ان حرية الصحافة تعيد جميع الحريات المصادرة، وكتب ويكهام ستيد أحد رؤساء تحرير جريدة التايمز البريطانية السابقين عن حرية الصحافة "ان وجود صحافة حرة تقوم على روح وطنية وتهتم بمسؤولياتها، وتتناول تظلمات المواطنين وتعالج مشاكلهم فهي المشكلة الرئيسية للديمقراطية الحديثة، وخير ضمان لها. ان حرية الصحافة هي أهم الأوعية والمقاييس التي تحدد حرية الكلمة".

هناك محطتان هامتان في تاريخ حرية الصحافة، فقد وقف القطار الذي رفع علم المطالبة بحريتها عام 1695 عندما قدم جون لوك بيانه المشهور في حرية الصحافة، وجون لوك فيلسوف ومفكر سياسي انجليزي ، ثم أصبح طبيبًا وتوفي عام 1704، من أهم المبادئ التي نادى بها تنمية روح الحرية في النفس.

وكان قد سبقه الى ذلك جون ميلتون عندما طلب بالدفاع عن حرية التفكير وحرية الصحافة، ومما هو جدير بالذكر ان جون ميلتون انجليزي الأصل وشاعر ويعرف أكثر بقصيدته "الفردوس المفقود" توفي عام 1674، من أهم نتائج نداءاته بتوفير حرية الصحافة، استجابة البرلمان البريطاني لهذا النداء  وقراره بإلغاء القانون الذي حدد حرية الصحافة.

أما المحطة الزمنية الثانية التي شهدت نشاطًا لتوفير حرية الصحافة، فكانت بقيام برلمان باريس بإصدار بيان اعترف من خلاله بضرورة حرية الصحافة، وقد تم ذلك عام 1788، أي قبل قيام الثورة الفرنسية بسنة، وقد قبل نائب الملك لويس السادس عشر هذا المبدأ، ودافع "ميرابو" خطيب الثورة الفرنسية عن هذه الحرية، وعملًا بمبادىء حقوق الانسان التي نادت بها الثورة الفرنسية، بعدها أخذت حرية التعبير تفرض نفسها باللين تارة وبالعنف تارة أخرى.

وقد ضمن دستور الولايات المتحدة الامريكية في نصوصه حرية الصحافة، وحُرم على الكونغرس اصدار أية تشريعات تحد من هذه الحرية، أو ضع قيودًا على حق الشعب التمتع بها.

وفي البلاد التي كانت تطبق النظرية الاشتراكية العلمية، يعتبر الشعب مالكًا للصحافة من حيث المبدأ، أما من حيث الواقع فقد كان الحزب الشيوعي هو الذي يرسم سياسة الاعلام، ويحدد أهدافه، والحرية كانت في هذا النظام مرتبطة بالضرورة، وقد كتب لينين عن حرية الصحافة عام 1917 قائلًا :

إن حرية الصحافة في المجتمع البورجوازي تقوم على قدرة الأغنياء دون غيرهم على افساد  الطبقة الفقيرة والسخرية منها يوميًا بطريقة منظمة ومستمرة، بطبع الملايين من الصحف الخاضعة لهم، لذلك يرى لينين أن افضل الدواء لمنع احتكار الوسائل التي تستخدمها هذه الطبقة، ضد الطبقة الكادحة هي السيطرة على هذه الوسائل.

لقد أصبح واضحًا بعد مرور مدة طويلة على فتح أبواب حرية الصحافة في الأنظمة الديمقراطية، ان هذه الحرية سببت مشاكل ليس من السهل حلها، وتنحصر بالتوفيق بين الحريات الفردية وبين  أسس الحياة الجماعية، فمن واجبات الفرد عدم استغلال الحرية للاساءة لغيره ، بل يجب ان نفهم الحرية ونمارسها مع الالتزام بقيود بديهية تحافظ على كرامة الفرد والجماعة، كما ان حرية التعبير والتعددية الحزبية، يجب أن تكون ضمن الحرص على أمن الدولة الداخلي والخارجي، كما يجب أن لا تؤدي هذه الحرية وتذهب الى التحريض على اقتراف الجرائم.

اذا توفرت حرية الصحافة في مناخ ديمقراطي فإنها تتحول الى رقيب يحافظ على مقدرات الشعب، وتصبح العين الساهرة في محاربة الظلم والاستبداد والاستغلال والجريمة، كما أنها تصبح لسان حال المواطنين، وهناك من يعتبرها السلطة الرابعة في كل دولة ديمقراطية، بعد السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية.

بعد مرور عقود طويلة على ظهور وانتشار الصحافة عالميًا، فقد تطورت كثيرًا، وظهرت الصحافة الالكترونية الى جانب الصحافة الورقية وهناك من يعتبر حرية الصحافة وانتشارها وعدد القراء لها مقياس لمنسوب الحضارة في الأقطار التي تستعملها، ونقول بكل الم ان درجة هذا المنسوب لا تزال منخفضة داخل الأقطار العربية، فعلى الرغم من حصولها على الاستقلال منذ عشرات السنين، فإن حرية الصحافة والى جانبها التعددية الحزبية لا زالت معدومة، فالصحف في هذه الأقطار لا تترجم رأي المواطنين، بل تعكس تتحدث باسم النظام المسيطر، ورئيس النظام، هي عنوان سلطته وهو عنوان ما تصدره، كل ما تقوم به رصد تحركاته ساعة بعد ساعة، جميع الصحف الصادرة في الأقطار العربية اليوم وقبلها تذكرنا بكبار المؤرخين العرب الذين نقلوا للقارىء تاريخ الامبراطوريات العربية مثل – الاموية و العباسية – فقد كانت النصوص غالبا ما تدور حول اعمال وتحركات الحاكم او الخليفة  وربط الاحداث به، وهذا ما يدور اليوم. 

 

الصورة//من مظاهرة في تونس للمطالبة بحرية الصحافة (أرشيف)

 

 

;