حسين مردان  بودلير العراق 

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

حسين مردان (1927-1972) هذا الشاعر البوهيميّ المشاكس، المشرّد  التائه في شوارع بغداد وأزقتها، والمرتاد مقاهيها الثقافية بدءا من مجيئه إليها عام 1946، بشعره الإيروتيكي الفضائحيّ  الصادم والتحريضيّ، خرج عن المألوف، وأشعل حرائق في جسد القصيدة العربية وجدلا في المشهد الشعريّ العربيّ الحديث، فقد حمل شعره "الصارخ في البرية "  رغم انحرافه وشهوانيته وإباحيته المفرطة نقمة على الواقع، ورسم  قبح الحياة الساقطة، وأزاح اللثام عن وجه مجتمع زائف من منظور شاعر محبط ويائس، لكنه مغرور بنفسه.

حسين مردان طائر يغنّي في غير سربه، وصوت جريء فضائحيّ  وغرائبيّ في الشعر العربيّ  الحديث، في تحريضه على الانحلال والفساد  بالمثل، أي بكتابة قصائد جنسية فاضحة وقاسية  في إباحيتها، وقد اعتمد هذا الأسلوب  من قناعة وهمية سوداوية أنّ شعر الحضيض يوصله إلى القمة. عاش حياة غريبة ممسوحة بالبؤس والحرمان، فقد طردته والدته وشقيقته من البيت  كما يعترف  في مقالته المعنونة (حسين مردان) لكي يصبح رجلا قويا في المستقبل. ومنذ ذلك اليوم بدأ ينمو بأعماقي ذلك (المسخ البشع) الذي تمخّض أخيرا عن (حسين مردان) (الشاعر الملعون). نزف يراعه شعرا غريبا، فقد لبس قناع  شارل بودلير (1821-1867) وفق مفهومه الخاصّ لديوان  "أزهار الشر" الصادر عام 1857، وتقاطع معه في شعر البغيّ والغرابة   خاصة في ديوانه "قصائد عارية "-1949 وكرّاسه الحامل قصيدة "اللحن الأسواد "-1950 واللذين أوصلاه إلى ردهات المحاكم، لإسرافه في الإباحية  والفانتازم  أي التخيّل الشهوانيّ، لكن في شهر تموز عام 1950 أصدرت المحكمة  قرارها بالإفراج عن الشاعر وديوانه.  شعر حسين مردان الإيروتيكيّ مرايا عاكسة لحياته القاتمة واحتجاج ورفض لواقع مرّ، وهو   هروب من قسوة الحياة، هذا ما يتراءى في قصيدة " براكين "التي يصف بها نفسه بخط أسود في جبين الدهور :

ما حياتي وفجر عمري ولّى              وكوت صفرة الذبول زهوري 

يا ليالي لم أعد أتشهى                      كلّ ثغر مضمّخ بالعطور 

كرهت نفسي الوجود وملّت               عشرة الأرض في ظلال الفجور 


 

النرجسية وتقديس الذات 

في عتبة ديوانه "قصائد عارية" يبرز غروره  ونرجسيته. فهو يهدي ديوانه إلى نفسه بهذا التوصيف  النرجسيّ "  لم أحبّ شيئا مثلما أحببت نفسي، فإلى المارد الجبّار الملتف بثياب الضباب، إلى الشاعر الثائر والمفكّر الحرّ إلى... حسين مردان،  أرفع هذه الصرخات التي انبعثت،  من عروقه في لحظات هانئة،من حياته الرهيبة "  – ح.مردان بغداد 26-11-1949. هذه النرجسية كافية لشحن الشعر بالاستفزاز والصدام مع المتلقّي وهو يعرف أنّ القارئ سيكره شعره لكنّه سيقرأه، ففي عتبة الديوان يخاطب القارئ مستفزا وشاتما " وإنّي لأضحك ببلاهة أعجب كلما تصورتك وقد استبد بك الغضب فرميت بكتابي بحنق واشمئزاز، وعلى شفتيك المرتجفتين ألف لعنة ولعنة.ولكن ثق أنّك لا تفضلني  على الرغم من قذارتي إلا بشيء واحد، وهو إنّي أحيا عاريا بينما تحيا ساترا ذلك بألف قناع " ويطلب من القارئ العزوف عن قراءة الديوان إن كان يخشى ذلك، ويورد تحت عنوان قصيدته "للطين" مقولة ذكورية استعلائية ودونية  تجاه المرأة عامة: "لن أحبّ إلا المرأة التي تحتقر جميع الرجال وتسجد تحت قدمي"، وفي هذه القصيدة يرفض ويزيل "الشرف الرفيع" و"التقى" عن المرأة ويحثّها على الفجور " ما الطهر ما الشرف الرفيع وما التقى، غير اختلاقات الزمان الأقدم، فاستهتري يا بنت آدم كلنا، في الأصل للطين المدنّس ننتمي،وتهتكي وهبي لكل متيم، ما يشتهي من جسمك المتضرّم " وكأنّه يتقمّص صوت ولادة بنت المستكفي (994-1091)  في قولها " أمكّن عاشقي من صحن خدّي  وأعطي قبلتي من يشتهيها ". والمرأة عنده جسد شهوانيّ لا يلتقيها إلا في الحانات، هذه العقدة وسمت جميع أشعاره.

 

حسين مردان في بورتريه جبرا إبراهيم جبرا 

في "صيّادون في شارع ضيّق"-1960 لجبرا إبراهيم جبرا، التي  تندرج ضمن جانر الرواية السيرذاتية  والتي تحكي بتماه مع بطلها جميل فرّان، مجيء جبرا إلى بغداد عام 1948 للتدريس في إحدى كلياتها، ترتسم صورة حسين مردان  وراء اسم " حسين عبد الأمير" الصحافيّ العامل  في جريدة "تلغراف الصباح" والذي تعرّف إليه السارد جميل فران في يومه الأوّل، وهو يسير في أزقة بغداد وفي شارع الرشيد. فقد قال حسين لجميل فران أنّه أتى بقصيدة ليريها لسميحة التي تعمل بغيا، وقد كانت مشغولة، وحين يسأله جميل إن كان يعشق بغيا، اجابه  " لا، أبدا.هذا أمر شائع ي تاريخ الأدب، وأنا دائما أذكر بودلير الذي كتب القصائد عن تلك الزنجية الفظيعة ". ويصوّر حسين مردان المنعوت بالغريب  والبوهيميّ من قبل جميل فرّان بأنّه أشعث، ومهلهل الثياب. ولهجنه بغدادية غريبة تجمع بين خشونة الصحراء وشهوانية الحضارات القديمة. ومن حيث مذهبه في الشعر، يعرّف  نفسه بأنّه شاعر سرياليّ، ويعتبر حسين مردان في نظر بعض الباحثين رائد قصيدة "النثر المركّز"،وفق تسميته ذلك في ديوانه "الربيع والجوع"- 1953.

ويشير جبرا في مقدّمة كتابه " أدونيس أو تموز " الذي هو ترجمة للجزء الأوّل من مجلد الغصن الذهبي The Golden Bough  لجيمس فريزر،والذي ترجمه جبرا وهو في القدس في أواسط أربعينيات القرن العشرين والذي صدر في بيروت عام 1957 بأنّ حسين مردان بيّض مسوّدته 

 

   "المرأة لا تستحق من الشاعر أكثر من قصيدة واحدة"! 

صاحب هذه المقولة الدونية للمرأة هو حسين مردان، في مقالة نثرية له بعنوان "شخصية المرأة " كتب فيها  مبررا مقولته  " لأنّ شاعر العصر، لا يمكنه أن يضحّي بعشرة أعوام من عمره القصير، في التغنّي بامرأة واحدة خاصة، وإنّ الحب نفسه قد فقد معناه القديم ومن الأفضل لنا أن نحذف كلمة الحب من لغات العالم  ونضع عوضا عنها  كلمة- اشتهاء- فهذه الكلمة أقرب إلى المفهوم العصريّ للحب "،  ومردان شاعر الاشتهاء انشغل شعره في وصف أجساد  نساء الحانات والمواخير، وموقفه من المرأة رفضي  وقمعي، فهو مصاب بالميسوجينية أي كره النساء وازدرائهن ونعتهن باللهاث وراء الشهوات  كما يتغنّى  بالعنف الجسديّ تجاههن، وشعره مترع بالسادية المازوخية، كما في قصيدة "بنات الليل". وهو غرائبي في كرهه للمرأة الجميلة، وعشقه للمرأة القبيحة على حدّ توصيفه في قصيدة "عبادة القبح". عالمه غرائبيّ  ينمّ عن نفس وجيعة مكلومة.وشعره  تقويضيّ وصاخب وخال من رفيف الكلمة الشاعرية  ذات الموسيقى  الهامسة الشفيفة، وهو  صدى لعالمه  الفجائعيّ وغضبه  وجلد لذاته المهزومة  ولاغترابه.


 

شيفرته الشعرية  

شيفرة  حسين مردان الشعرية مركّبة من عالم اللذة الغارق في رسم تضاريس أجساد نساء  الحانات  والمباغي والشهوانية، الصورة القبيحة  والسادية تجاه المرأة تتجلى في ديوانه "قصائد عارية"، يقول في قصيدة "زرع الموت "،التي يسفح  فيها شعره الإيروتيكي الجارح  في تغنّيه بعشيقته السمراء التي يتماهى فيها مع شعر بودلير، الذي أحبّ فتاة زنجية وكتب شعرا فيها نكاية بعائلته البرجوازية:

إبليس والكأس والماخور أصحابي، نذرت للشبق المحموم أعصابي

من كلّ ريانة الثديين ضامرة، تجيد فهم الهوى بالضفر والناب

شعره لا يحتفي بالمرأة الفكر والروح بل  الجسد والشهوة على غرار صاحب "أفاعي الفردوس" إلياس أبي شبكة. وشعره شهوانيّ  مترع بثاني أكسيد الكربون وشبه خال من الأكسجين،ومليء بالسقطات الفكرية  ولا يليق بعالم الشعر المسكون بربات الخيال  والفنّ والجمال. ولعلّ ذلك عائد لحياته الشريدة  البوهيمية كما يبوح في قصيدة "ثدي أمي": 

قد رضعت الفجور من ثدي أمي، وترعرعت في ظلام الرذيلة 

فتعلمت كلّ شيء  ولكن،        لم أزل جاهلا معاني  الفضيلة 

 

حسين مردان شاعر عبثي  صاخب، شحن الحركة الأدبية بالحراك، وتصادم مع القضاء والرقابة وانتصر، لكنّه طبع شعره بمعاداة تاء التأنيث ونون النسوة بشكل تعسفيّ. 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية