news-details
ملحق الجمعة

حقيقة الصّدام بين الإسلام والغرب

منذ أن انتصرت الثورة الإيرانية والمحافل الإمبريالية بمعاهدها وهيئاتها ووسائل إعلامها تولي الإسلام اهتماما كبيرا وتحاول تحليل ظاهرة آية الله الخميني على اعتبار أنها تمثّل بعثًا إسلاميًا له أبعاده في التطوّرات السياسية والاجتماعية في «ألأقطار الإسلامية» ..
وكالعادة لم تتخلف المحافل الإسرائيلية والصهيونية عن الركب الإمبريالي إذ تعتبر نفسها جزءًا منه. ولذا ازداد اهتمامها بالإسلام. خصوصًا وأن الثورة الإيرانية ظهرت كثورة إسلامية .. وتفاعلت مع التطورات في الشرق الأوسط وكان لا يزال تأثيرها يمتد إلى منطقة النزاع العربي الإسرائيلي ..
ولا شكّ في أن الإمبريالية والصهيونية والرجعية عربية وغير عربية ستواصل دراستها الإسلام لا من منطلقات أكاديمية، بل من زاوية أثره على مصالحها الطبقية- الاستغلالية.
ومؤخرًا برز هذا الاهتمام «بالإسلام» في مقالة نشرتها مجلة «تايم» الأمريكية (17 كانون الأول 1979) وفي ندوة عقدها في القدس في الأسبوع الماضي معهد ترومان للأبحاث التابع للجامعة العبرية والمؤتمر اليهودي العالمي. وهذا بالإضافة إلى مئات الأبحاث «العلمية» التي نشرتها الصحف والمجلات في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية وإسرائيل. وعلى الرغم من التباين في مضمون هذه الأبحاث والمقالات، إلا أنّها تلتقي على صعيد واحد من حيث تأكيدها على التصادم بين «الإسلام والغرب» ! الناجم عن التناقض بين مفاهيم الإسلام والعصرنة التقنية التي يمثلها الغرب في سبقه الحضاري إزاء تخلف المسلمين الذين قادوا التطوّر في عهد مضى.
ويتفق عدد كبير من البحاثة في هذا الموضوع على أنّ البعث الإسلامي في المرحلة الحاضرة يعود إلى خيبة أمل المسلمين من منجزات العصرنة والتقنية الحديثة في الغرب. وأوردت المحاضرة لازاروس يافه في ندوة القدس تلخيص طالب مصري لظاهرة البعث وجاء فيها قوله: «فكرنا أن لدى الغرب أجوبة على كلّ شيء فوجدنا فيه الآن مريضا اقتصاده يتداعى وقيمه فاسدة. وليس الاتحاد السوفييتي بأفضل منه ولذلك علينا أن نعود إلى الله» !!
وهذا ما زعمته «تايم» بكلمات أخرى فكتبت: «جذبت المسلمون المادية العلمانية وجربوها بشكليها الرأسمالي والماركسي وغالبا ما أصيبوا بخيبة أمل لأنهم ربطوها ذهنيا بالأسياد الكولونياليين الذين أدخلوها إلى أقطارهم». وتجاوز بعض البحاثة هذه المساواة بين الأيديولوجيا الرأسمالية والماركسية فرجحوا أن تكون خيبة الأمل من الشيوعية وحتى البعث الاشتراكي العربي .. ومن هؤلاء أحد كبار المستشرقين بروفسور الجامعة العبرية في القدس عمانوئيل سيفان الذي صرح «ان العودة إلى الإسلام تعود إلى تبديد جاذبية الشيوعية في سنوات الخمسين وإلى أن البعث لم يكن بديلا حيًّا ..» وأضاف «إنّ هذا الحماس الديني الإسلامي يعود إلى (أوهام العظمة القومية) ونمو الشعور بالإحباط الشخصي في التقدّم الاجتماعي والاقتصادي الذي انتشر بين الجماهير في الشرق الأوسط الإسلامي» (دافار 9 شباط 1979).
واستخلص أكثر البحاثة على أن ظاهرة الخميني أو «الثورة الإسلامية» في إيران، ظاهرة فريدة من المستبعد أن تتكرر في «الأقطار الإسلامية». ودللوا على ذلك بتوضيح الفروق بين أوضاع إيران وأوضاع مصر والسعودية. ومع هذا تحفظت من هذا الحسم المحاضرة لازاروس يافه فأعلنت أن من الممكن أن تحدث ظاهرة إيران إذا نشأت ظروف استغل فيها العلماء الجماهير الجاهلة فطرحوا الشعارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ذات المحتوى الديني الأساسي.
إنّ موضوع الصّدام بين الإسلام والغرب ليس جديدا وقد اتخذ بعد مرحلة الحروب الصليبية التي وقعت تحت شعار الصراع الإسلامي- المسيحي ! أشكالا شتى.
ولكن كما أنّ الحروب الصليبية لم تكن حروبًا دينية في جوهرها، بل حروبًا توسعية نجمت عن دوافع اقتصادية- سياسية وهدفت إلى حلّ أزمة الإقطاع الأوروبي وفتح طرق التجارة إلى الشرق .. كذلك كان الحديث عن الصّدام بين الإسلام والغرب غطاء لإخفاء حقيقة التوّسع الكولونيالي- الإمبريالي في الأقطار المشرقية التي يدين أهلها بالإسلام.
وعلى هذا الضوء يظهر واقع التضليل عند الحديث عن التصادم بين الإسلام والغرب .. فالتّصادم ليس دينيًا ودوافعه سياسية واقتصادية واجتماعية.. وعند هذا الحد علينا أن نوضح أمرين، هما من حقائق المرحلة التاريخية التي تمرّ فيها الإنسانية.
*الأول: إنّ الإمبريالية والرأسمالية والأوروبية والأمريكية حاولت استغلال الدين الإسلامي في مقاومة الشيوعية والتحريض على الإتحاد السوفييتي وجندت أقلام نفر من المسلمين وغير المسلمين لهذا الغرض خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية.
*الثاني: إنّ انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى في روسيا القيصرية وقيام الاتحاد السوفييتي على قاعدة احترام العقائد الدينية أثبت ممكنات التعايش بين الماركسية والأديان الإسلامية والمسيحية واليهودية .. وهذا يظهر في حرية العقيدة والعبادة التي يتمتع بها المسلمون في المناطق التي يعيشون فيها وبالتحديد في الجمهوريات السوفييتية في آسيا الوسطى.
والحديث حول المجابهة بين الإسلام والغرب هو محاولة يائسة لإخفاء حقائق المعركة التي تدور فعلا في المرحلة الراهنة من التاريخ الإنساني. وهذه المعركة تدور بين الشعوب العربية وغير العربية التي تدين بالإسلام .. وبين الإمبريالية والكولونيالية الجديدة التي تحاول استعباد هذه الشعوب أو منعها من تحقيق حريتها السياسية والاقتصادية.
وهذا يعني أنّ المعركة هي بين هذه الشعوب والقوى الرجعية التي تحاول منعها من التخلص من التخلف، الذي أصابها خلال قرون العبودية واللحاق بالموكب الحضاري الذي يعتمد على تغيير البنية الاجتماعية- الاقتصادية تغييرا جذريا بتغيير العلاقات غير المتكافئة في علاقاتها مع الدّول الإمبريالية- الرأسمالية المتطوّرة.
ومن هنا لا يصح الحديث عن الإسلام بصورة عامة كما يجري الآن، بل عن «الحركات الإسلامية» أو الحركات التي تحمل شعارات إسلامية. ومن المفارقات حقا أن تتحدث المحافل الإمبريالية والصهيونية والرجعية عن الإسلام ..
فقد نشرت وسائل الإعلام، بعد أن اتضح أن الإمبريالية الأمريكية والرجعية في «الأقطار الإسلامية» تنظم الثورة المضادة في أفغانستان، أن وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي، آي، ايه) أنشأت فرعًا إسلاميًا تنحصر مهمته في دراسة دور الدين الإسلامي في الحياة السياسية والاقتصادية في الأقطار الإسلامية، وتحديد أسلوب تغلغل رجال الوكالة في الحركات الإسلامية وتجنيد العملاء في سبيل استخدام الإسلام من أجل ضمان المصالح الإمبريالية الأمريكية في الصّراع مع الحركات الثورية في الأقطار الإسلامية خصوصا تلك التي تنتج النّفط الخام.
وأذاعت وكالة الأنباء السوفييتية نوفوستي أن اجتماعات سرية تمت في واشنطن وباكستان ضمت زعماء الثورة المضادة في أفغانستان ومسؤولين في وكالة المخابرات الأمريكية تقرر فيها دعم المتمردين الأفغان ومساندة القوات المصرية المرابطة في عمان لتقوم بمكافحة الشيوعية تحت شعار حماية الإسلام. ولم يعد خافيًا دور تنظيم «الأخوان المسلمين» في سوريا في هذه الأيام .. خصوصا بعد مذبحة عشرات الطلاب في أكاديمية الضباط في حلب وحوادث الاغتيالات التي قام به أعضاء «الأخوان» في مختلف أنحاء ذلك القطر العربي الصامد.
وقد أوضح الرئيس السوري حافظ الأسد طابعهم في مؤتمر حزب البعث القطري فقال أن «الأخوان المسلمين» هراطقة قتلوا العلماء ورجال الدين وطلبة المعاهد وبعضهم اعترف بصلاته مع الإمبرياليين والصهيونيين في إسرائيل (الوكالات 23-12-1979).

 

***

والواقع أن الحركات الإسلامية انقسمت منذ أن تقاسمت الدول الكولونيالية والإمبريالية الأقطار العربية وسائر الأقطار التي يدين سكانها بالإسلام إلى تيارين متناقضين:
*تيار تقدّمي ثوري أسهم في مكافحة الإمبريالية والكولونيالية ومن أجل التحرر القومي والاجتماعي.
*وتيار رجعي تعاون مع الإمبريالية وزودها بالأفكار الغيبية «الإسلامية» لإجهاض الكفاح القومي من أجل التحرر والتقدم الاجتماعي.
ومن المعروف أن رجال الدين الإسلامي المتنورين قاموا بدور كبير في الجزائر في صيانة اللغة العربية وتنمية الروح القومية العربية وتنظيم الكفاح الوطني التحرري .. بل لقد حوّلوا المساجد في النصف الأول من القرن العشرين إلى مدارس لتدريب المناضلين الثوريين وتشجيعهم على مكافحة الإمبريالية الفرنسية.
كذلك معروف تماما أن الإمبرياليين حاولوا استخدام الإسلام لإفشال المعركة القومية. وفي هذا الصدد كتب الكاتب المصري محمد عودة في معرض معالجته سياسة الإمبريالية الفرنسية في ممتلكاتها الإفريقية «ثم سمح (الاستعمار الفرنسي) بزوايا .. وتكايا إسلامية يقيمها مشعوذون ودجالون باسم الإسلام لتضليل وتسخير الجماهير الساذجة. وطبق هذه السياسة بأشكال ودرجات متفاوتة ومتباينة في كل مستعمرات الامبراطورية الفرنسية الإفريقية» (مقالة الإسلام .. والاستعمار روز اليوسف 13 آب 1979).
وعلى هذا الأساس نوافق على رأي الدكتور حسين مروة حول «ظاهرة الخميني» أو على الأصح حول الثورة الإيرانية.
قال في حديث نشرته النداء اللبنانية (14 تشرين الأول 1979): «برأيي أن الثورة القائمة في إيران لا تتجاوز الخط العام للثورات والانتفاضات المعاصرة التي تندرج في إطار ما نسميه حركات التحرر الوطني، ذلك لأن جوهر هذه الثورة الإيرانية هو الموقف من الإمبريالية العالمية والأمريكية خاصة والموقف من الدكتاتورية المحلية والنظام الاجتماعي لهذه الدكتاتورية أي نظام الشاهنشاه».
وأضاف «إن الثورة في هذا الإطار قاومت الإمبريالية والصهيونية ودعمت قضية الشعب العربي الفلسطيني».
وأبرز الدكتور مروة ضرورة التفريق بين القيادة والثورة .. «فالقيادة لا تعني الثورة تماما». ومن الواجب الالتفات إلى المطالب السياسية الاجتماعية التي سارت الجماهير تحت شعاراتها وأعربت عن طموحاتها.
وقرر أن الثورة الإيرانية برهنت على أن القيم الدينية الإسلامية لا تتعارض مع القيم الاجتماعية الثورية.
وهذا التوافق هو الذي أسهم إسهامًا حاسمًا في انتصار الثورة الإيرانية ... وهو الذي يؤكد كما أعلن الدكتور مروة أن القيم الإسلامية كمبادئ عامة لا تتعارض مع التوجيهات التقدمية الثورية لأية حركة تحررية.

 

***

ومن هنا نستطيع أن نحدد مكانة أولئك الذين يرفعون في بلادنا شعار مكافحة الشيوعية بذريعة الدفاع عن الإسلام. فهؤلاء إنما يخدمون سلطة الاضطهاد القومي والتفرقة العنصرية، هذه السلطة التي في سياستها الجوهرية تنفي حقوق الشعب العربي الفلسطيني وتنتهج خطا عدوانيا مغامرا إزاء سائر الشعوب العربية.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يقف حكام إسرائيل في متراس واحد مع كافة القوى الإمبريالية والرجعية التي تتآمر على الثورة الإيرانية بل أن يعرضوا البلاد لتكون قواعد عسكرية ينطلق منها التدخل الإمبريالي في إيران لإجهاض الثورة السياسية- الاجتماعية التي قامت بشعارات إسلامية ووفق قيم إسلامية.
كما أنه لم يكن من قبيل المصادفة في الوقت نفسه أن تشجع هذه السلطات الإسرائيلية أولئك «الأخوان» ! الذين يلوحون بشعارات معادية للشيوعية والاتحاد السوفييتي بحجة الدفاع عن الإسلام .. وتسهب وسائل إعلامها بالحديث عن «ألبعث الإسلامي» في المثلث.
ونستطيع أن نوافق على ما كتبه الكاتب محمد عودة في مقالة المذكور «وحينما يحرر كل شعب مسلم وطنه ويحرر عقله وروحه .. يكون الإسلام قد حقق رسالته». 

 

(نشرت في صحيفة «الاتحاد» العام 1979)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب