حيفا في ذاكرة برهوم، كي لا تُنسى.. (1)

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

قبل أن تخونَه الذَّاكرةُ، الخؤونة، كعادتها مع أبناء وبنات آدم، من المتقدِّمين في السِّنِّ،ويذهب كلُّ ما في مخزونه العلويِّ من ذكريات وأحداث عاشها وعايشها أدراج الرِّياح وأندمُ، ساعة لا ينفعني النَّدم، على ما كان باستطاعتي عمله معه ولم انفِّذه، لأنَّه حينها لن تُفيدَني حسرةٌ ولا لوعةٌ، ولن اسامح نفسي على ذلك، وسأقعُ ما بين كرٍّ وفرٍّ بين الأمنية وتحقيقها، وما بين الرَّغبة والخيبة والهيبة والإثبات، مجدَّدًا، بديهيَّة وجودنا على هذه الأرض التي ليس لنا سواها، ولا نريد سواها ولا نُفكِّر في أيِّ وطنٍ بديلٍ سواه، لذلك فنحن لن نرحل، حتَّى لو كُتِب لنا ذلك، عن "سيِّدة الأرض" لأنَّها "أمُّ البدايات أمُّ النِّهايات"..

هذه الأرض هي لشعبٍ وُجد فيها منذ بزوع فجر التَّاريخ، والشَّعب لهذه الأرض منذ انبلاج فلَق التَّاريخ منذ الأزل، وسيبقى فيها إلى تلك السَّاعة التي تحين ساعتها، إلى الأبد، وإلى ما شاء لها الخالق أن تكون، ومن أتاها مهاجرًا او حاجًّا أو ساكنًا أو زائرًا أو هاربًا أو لاجئًا أو مستغيثًا أو مستنجِدًا يطلب الحماية تحميه وتذود عنه وتقيه من النَّوائب والأنواء، وتُحسِن وفادته وتُعِزُّه فهي الأرض المقدَّسة تحمي من عليها، هي أرضٌ لشعبٍ، لشعبٍ له الأرض ولشعبٍ يُحقِّق المستحيل..

فالأرض تعشقُ من يعشقها وتحمي من يحميها بين رموشها وأهدابها، بين صخورها وأنهارها ووديانها وأخاديدها وبين حقولها وأحراشها وغاباتها وفي اعماق جبالها وهضابها وتلالها ومغاورها وأغوارها وكهوفها، وعندما يُنهي الإنسان مَهمَّته على الأرض تحضُنُه في عمقها وتحتضنُه بذراعيها، قريبًا لقلبها، وتُخبِّئه في رحمها وتُسقيه من عليائها ماءً فراتًا سَلسَبيلاً، ﴿..بردًا وسلامًا﴾، تُغسِله كما غسَلها بعرق تعبه ودم قلبه، فيُصبح نظيفًا طاهرًا ويغدو زاهرًا مُزهرًا وترويه ليكون عطِرًا معطَّرًا، مسكًا وريحانًا، عنبرًا وطيُّونًا، وتُمطر على زرعه وتحيطه بدفئ شمسها، حنانًا وليانًا وإحسانًا وبِرًّا، وتُعطي من يُعطيها زهورًا ووردًا جوريًّا واقحوانًا ونرجسًا،برقوقًا وزهرًا حنُّونًا وزنبقًا وزيتونًا وبرتقالاً وقمحًا وعشبًا أخضر وزعترًا، ذهبًا ومرجانًا وعنبرًا ولؤلؤًا وعقيقًا وتبادل الحبَّ مع من يُحبُّها وتُكرِمهوتُكرِّمهوتشفعُ له، هي الأرض شفيعتنا..

﴿..وَجَعَلَ لَكُم مِنَ الجِبالِ أَكْنَانًا..﴾

وتعرف أيضًا لفظَ من يكرهها، وتُعاقب من لا يحافظ عليها ويحميها ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، ومِن مَن لا يؤتمن على عِرضها ومِن مَن لا يحافظ على شرفها،فقد قالت عائشة الحُرَّة، يوم سقوط الأندلس، بأيدي الملك فرناندو وزوجته إيزابيلا، في أواسط القرن الخامس عشر، في زفرة العربيِّ الأخيرة، لإبنها إبي عبد الله محمَّد الثَّاني عشر، الذي لم يعرف كيف يحافظ على مملكته وعلى حضارتها العريقة من علمٍ وفنٍّ وثقافةٍ وتقدُّمٍ وتطوُّرٍ وتنوُّرٍ، لم تصله أوروبا بعد، "إبكِ كالنِّساء مُلكًا لم تحافظ عليه كالرِّجال" وضاعت منَّا حضارة الأندلس، وما زال شعبنا يفتِّش عنها في أجزاء الوطن العربيِّ الكبير المُجزَّأ ..

لذلك سنبقى لها أوفياء ما دام الدَّم الحُرُّ الزَّكيُّ في عروقنا جارٍ، ولن نرحل عنها ولن نتركها ما دام النَّبض في الفؤاد عازفًا الحان الوطن الحبيب.

هي الأرض أمُّنا..

وبقرارنا البقاء فوق ارضنا، نكون قد اخبرناها، مُطَمْئنينها،عن مدى محبَّتِنا لها واعتزازنا بها، هذا البقاء الذي لن يكون له مثيل ولا نظير له ولا شبيه، فالأرض بقاء وانتماء وهويَّة وديمومة ووجود، وهي أرض الجدود، لا حدود لحبِّها إلى أبد الآبدين وإلى دهر الدُّهور،باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَوَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾..

لن نترك سيِّدتَنا، أمَّنا، إلى يومِ الحقِّ، حين نكون في ذمَّة الرَّحمن..

وقبل ان يخونَ القلبُ والدي كما هي عادة القلب في كلِّ الأجيال ويخون العِشرة الطيِّبة والحياة المشتركة بينهما، وينسى أنَّ عليه ضخَّ الدِّمَ الزَّكيَّ إلى أعضاء جسمه، أو أنَّه تعِب وملَّمن العمل المتواصل والرَّتيب، فيتوقَّف نبضه ويعجز لسانه، فيذهب كلُّ ما في فؤاده من حقائق ووقائع وذكريات،أراد أن يقصَّها لي ويحدِّثني إيَّاها، معه عندما يُوارى الثَّرى هناك تحت سفوح الكرمل الأشمِّ على شاطئ حيفا..

فعندما تخطفه يدُ المنون، القادرة على تنفيذ ما تشاء حين تشاء وحيث تشاء، وتحتضنه بدفئ الرَّاحة الأبديَّة، حيث لا وجعٌ ولا ألمٌ ولا حزنٌ ولا معاناةٌ،فتُدفَنُ معه تحت التُّراب ذكرياته دون أن ترى النُّورَ وتنتعش في سطور على ورق في كتاب ودون ان تُنعِشَ قلوب القارئين الذين احبُّهم، ويسكنون قلبي منتظرين حديثي وكتابي، فيتبدَّدُ حلُمي في فضاء نقمة النِّسيان..

هناك من يعتبرُ النِّسيان نعمة من نِعم الله، وهناك من يعتبرها نقمة من نِقم الله، وإن أكَلنا النِّسيانُ وطوانا في داخله بين طيَّاته،فندخلُ في غفلة وغفوة وغيبة يريدونها لنا، منذ أن سكنوا بين ظهرانينا، فيكون لنا النِّسيان نقمة، ونسبح تائهين بين نِقَمه ونِعَمه نفتِّش عن برِّ الأمان..

لا يستطيعُ أيُّ نسيانٍ أن يُنسينا أحداثَ نيسان وأيَّار في عام النَّكبة. ولا يقدرُ أيُّ إنسانٍ أن يُخفي عنَّا، بين طيَّاتهِ، الحقيقةَ الجليَّة، ولن يقوَى على هزيمةِ ذاكرتِنا، التي تعيشُ بين تلافيفِ دماغِنا، والتي تلُفُّ ذكرياتِنا وحنينَنا وتاريخَنا لفًّا، لتحفظَها وتصونها، كما لَفَّت العِمامةُ رأسَ النَّاصرِ صلاح الدِّين الأيُّوبي مُحرِّرِ بيتِ المقدس، مرتاحة على  رأسِه في معركة حطِّين الفاصلة والمفصليَّة لأهل بلاد الشَّام، لتُعيد الأرض لأهلها، ولتحفظَ فينا الشَّيء الذي نعتزُّ به، ذاكرتَنا وحقَّنا في موطنِنا، كي لا يذهب مع الرِّيح كما الرِّيشة التي تذهب في مهبِّ الرِّيح، وحتَّى يطيرَ الطَّيرُ الواقف على رأسِ من يحلو له ان يبقى خانعًا أو قانطًا أو متجاهلاً ومتناسيًا "وَكَأنَّ عَلَى رُؤوسِهِم الطَّيرَ"، فالكتمان والنِّسيان سيَّان..

لن ننسى، سأكفرُ بهذه النِّعمة، لن أحدِّث بهذه النِّعمة..

إذ كيف لي أن أطوي صفحة رجلٍ عاش مآسي أكلت كثيرًا من بعضه، ومن بعض شعبه، وعاثَت ببعضه وببيته وببلده خرابًا، وعايش كلَّ أحداث تلك الفترة اللعينة، النَّكبة، التي فقدنا فيها أرضنا ووطننا ومديتنا وقريتنا وحيَّنا وشارعنا وأهلنا وجيراننا واصدقاءنا وأحبابنا، فقدنا فيها ذاتنا وهُويَّتنا، وشرعنا نُفتِّش عن مأوى نسكنُه، وعن سقف يقي رؤوسنا من عاتيات الزَّمن وعن شجرة نستظلُّ بها وأرضٍ نفترشها لنرتاح ونُريح عظامنا من شدَّة التَّعب، ما بين السَّماء والغبراء، حتَّى شجرة السِّدرة، درعنا الواقي من أحقاد أحفاد مسيلمة الكذَّاب، في البلدة بظلالها الوارفة الواسعة، التي كانت كما يعتقد النَّاس، تحميهم وتستجيب لدعائهم وطلباتهم وامنياتهم، لم تشفع لهم، ولم ترحمهم العطايا والهدايا ولا شرائط الأقمشة النَّفيسة، بألوانِها الزَّاهية، التي كانوا يضعونها على فننها وعلى أغصانها من رأسها إلى جذعها، ولا حتَّى أرواح الصَّالحين الأتقياء والصِّدِّقين النُّجباء التي تعيش عليها وعلى فننها وتحت كنفها وفي محيطها، لم تقوَ على الدِّفاع عنهم في ساعة محنتهم، بعد أن كانوا يُحافظون عليها وعلى سلامتها، بل وقفت تراقب وتشاهد مأساتهم دون أن تُحرِّك ساكنًا، ترى نزوحهم دون أن تسيل دمعة من مآقيها، فقد كان سكَّان البلدة يُحافظون عليها وعلى ما عليها من أعشاش طيور وعصافير وحمام، وجُحور حيوانات كانت تختبئ بها تحت الأرض، خوفًا من سطوة الصَّيَّادين والحيوانات المفترسة، لأنَّ هذه الكائنات الحيَّة كانت طنيبة على هذه الشَّجرة المقدَّسة، ولم يجرؤ أولاد البلدة على الاقتراب من هذه الأعشاش لأخذ الفراخ والزَّغاليل منها، لخوفهم من عقابها وجزائها، لكنَّ سدرة البلد أدارت ظهرها  لحُماتها، كعُرفة الموآبيَّة في سِفر راعوث من الكتاب المقدَّس، العهد القديم،التي تركت حَماتها نُعمي وسلفتها راعوث بعد أن ثكلت نُعمي ولديها (زوج راعوث وزوج عُرفة) "فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا، وَأَمَّا رَاعُوثُ فَلَصِقَتْ بِهَا"، غادرتها ولم تُساندها في بقيَّة حياتها...

(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية