// الياس خليل نصرالله
التعريف بقس بن ساعدة :
هو من قبيلة إياد، أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم، قبل الاسلام. لم تصلنا معلومات عن حياته الشخصية، ويُذكر انه مات في بداية القرن السابع ميلادي. حضوره في كتب التاريخ القديمة يكاد يكون نادرا. الا اننا نلحظ بعض الاهتمام به في دائرة كتب التراجم مثل كتاب "الاصابة" لابن حجر، و"أسد الغاب "لابن الاثير (والذي اكتفى بذكره بسطر واحد )، بينما قام بنقل المعلومات عنه من كتب الجاحظ.
نلاحظ بعض الاهتمام بشأنه في المصادر ذات الطبيعة الإخبارية مثل مُصنّفات ابن قتيبة، ابي هلال العسكري، المسعودي، ابن حبيب، ابن الكلبي، وابن سعيد الاندلسي. فاهتمام ابن قتيبة انحصر بالأساس في فقرته عنه في موضوع الحديث والصلة بينه وبين الرسول محمد. اما اليعقوبي فتطرق اليه باشارة عابرة بأنه كان من حكماء العرب.
ان هذا التهميش في المصادر القديمة، لم يكن محض صدفة انما ارتبط بأسباب ومحركات تحتاج دراسة موضوعية ومتعمقة. تذكر الاخبار انه كان خطيبا بارعا، ومن حكماء العرب وشاعرا. ولقد خصص الأب لويس شيخو فصلا عنه في كتابه "شعراء النصرانية" قبل الاسلام، جمع فيه بعض اخباره وشعره. وذكره في قصائدهم كل من لبيد، طرفة والاعشى حيث اشادوا فيها بحكمته. و تذكر المصادر، انه كان قارئا كاتبا مطلعا على كتب اهل الكتاب. ويؤكد كل من المؤرخين احمد امين ومحمد حسين هيكل ان ادباء العرب ذكروا انه كان نصرانيا وقس نجران، في حين أشار المستشرق الفرنسي "بلاشير" انه كان حنيفيا. وتذكر الاخبار انه كان يذهب الى قيصر الروم زائرا في قصره، فيحترمه ويعظمه. كما شاهده الرسول محمد وهو يخطب في سوق عكاظ. نسبوا له أنه اول من خطب متكئا على عصا او سيف، واول من كتب عبارة من "فلان الى فلان" وعبارة " اما بعد"، واول من قال "البينة على من ادعى واليمين على من انكر". ونسبوا إليه ايضا قوله : "كلا، بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود". ومن مقولاته الحكيمة : "إذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاصدق، ولا تستودعن سرك أحدا، فإنك إن فعلت لم تزل وجلا"... "ومن عيّرك شيئا ففيه مثله ومن ظلمك وجد من يظلمه، واذا انهيت عن شيء فابدأ بنفسك، ولا تشاور مشغولا، ولو كان حازما، ولا جائعا ان كان فهيما، ولا مذعورا إن كان ناصحا".
يستهل القس خطبته بعبارة هامة "ايها الناس اسمعوا وعوا". والوعي هي كلمةٌ تعبّر عن حالة والعقل خلال عملية الإدراك، وتواصله المباشر مع المحيط الخارجي عن طريق نوافذ الوعي المتمثلة بشكل عام بحواس الإنسان الخمس. كما ان الوعي بالعقل والحالة العقليّة للإنسان، تتميز بملَكات المحاكمة المنطقيّة الذاتيّة، والقدرة على الإدراك الحسّي للعلاقة التي تربط الكيان الشخصي بمحيطه الطبيعي. فقد استهل قس خطبته بتوظيف هذه العناصر، بدعوته سامعيه إلى الاتعاظ والأخذ بسبل العقل والتأمل. ان استهلال خطابه بالصيغة الادراكية الطلبية والأمرية، جاءت مؤسسة ومتناسقة وفق ترتيب منطقي، حيث يطالب فيه اولا بالسمع، ثم الانتباه والاعتبار، وبعدها وجوب التأمل، فالتأرجح بين الشك واليقين، وبعدها الوعي الادراك والاستيعاب، المقارنة والاستدلال، ليصل المتلقي بعدها الى حقائق اساسية جوهرية وتذويت قيم ومفاهيم انسانية تبشر بفجر جديد بل بعضها قد يكون سابقا لعصره. يطرح في بداية خطبته الاشكالية الميتافيزيقية للحياة والموت ولغز مصير الانسان بعد الموت. ولا شّك أن حيرة العقل الإنساني أمام الموت فكرة قديمة.
فعليه تكون مناقشاته المتسائلة والحائرة لهذه المعضلة هي قضية انسانية كونية، شغلت الفكر البشري منذ فجر التاريخ، وما زالت موضع التأرجح بين الشك واليقين حتى يومنا هذا، بل ستبقى موضوع توتر وارتباك، بشكل خاص في منظور العلمانيين الى دهر الدهور. ومما يستحق التطرق له في هذا الشأن بان كل انجازات البشرية الزخمة والهائلة والمُذهِلة في كافة حقول المعرفة والابحاث في العقدين الاخيرين لم تنجح بتوفير الحل المقنع للعلمانيين للغُز المصير بعد الموت. ان هذا الموضوع كما طرحه في خطبته" ان من عاش مات" وكل آتٍ آت" ما لي ارى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا....... " هي تساؤلات شرعية، كانت وما زالت وستبقى قضية آنية ساخنة ومقلقة وبدون حلْ لدى الكثيرين في عالمنا المعاصر.
انها برأيي ستبقى الشيفرة اللا مُفسرة بشكل قاطع لدى الكثير من البشر. ولقد تطرق وعالج افلاطون هذه القضية في فلسفته بفرضية منطقية تقول: إن القوة الالهية هي العقل الاكبر والانسان هو العقل الأصغر، وبرأيه من المستحيل ان يتمكن العقل الاصغر معرفة كل شيء عن العقل الاكبر، فاذا اقتنعنا بفرضيته هذه ستسلم جدلا، اننا لن نتمكن الى الأبد معرفة كُنْه مصير الانسان بعد موته. اما البُعد الاجتماعي- السياسي في خطبته والذي يتطرق فيه لقضايا كانت وما زالت موضوع تصدع وصراع مرير بين الظالمين والمظلومين. وقس في خطابه يناصر ويتماهى مع قضايا العدل، ومناصرة المسحوقين المقهورين، ومقارعة وتذكير كل جبار متغطرس، جشِع، مهما تمادى في جبروته وطغيانه، فلن يمنع ذلك حتمية ارادة الموت والفناء من قهره والانتصار عليه. وتعكس مواقفه الانسانية والاخلاقية في توجهه هذا بديهية راسخة لكل زمان ومكان، ان كل انسان مهما تمادى في جبروته ورفل في ثروته، وبالغ في التفاخر والاستعلاء وتبخيس الآخر، فمصيره الموت والفناء. ولذا يطالبه قبل فوات الاوان ان يتعظ ويتحلى بالقيم الانسانية السامية. وينقل لنا موقفه هذا في خطبته عندما يتوجه الى جمهور سامعيه "أين الفراعنة الشداد أين من بنى وشيد وزخرف وغرَّه المال والولد، أين من بغى وطغى وجمع، فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى، ألم يكونوا أكثر منكم أموالا وأطول منكم آجالا وأبعد منكم آمالا، طحنهم الثرى بكلكله"
اذًا تؤكد هذه العبارات والمضامين رسالة خطبته، وهي التزامه الراسخ والصادق بهموم مجتمعه وتبليغه الصريح لمجتمعه بوجوب الاتعاظ الوعي والصحوة لواقعهم الأليم. ان فساد وتدهور مجتمعه كان له التأثير القاطع في بلورة وتشكيل وجدانه وفلسفته الحياتية، الامر الذي ساهم في تحويله شخصية متمرِدة على هذا الواقع المأساوي المُفجِع، داعيا لطرح وتطبيق منظومة بديلة لمسيرة التغيير. فنجده يحض افراد مجتمعه على الاتعاظ" بالسیر في الفلوات والنظر في القبور لكي یدركوا ما سیؤولون اليه"، هادفا بذلك ايقاظ كل نفس مُغفلَة او اسيرة غطرستها لمراجعة ذاتها وعزفها المعاصي ودروب الشر والإثم، محذرا من سوء المصير اذا لم ترتدع عن غيها.
كان اسلوبه لتعصيف العقل بالتأمل والتفكیر العمیق، الاعتماد والانطلاق من عنصر التناقض والتضاد، وهذا ما تتطرق له قوانين جدلية الحياة بكل تناقضاتها، تراكماتها وتحولاتها وانتقالها نحو الافضل. وينجح قس بن ساعدة بتوظيف صراع الاضداد، بتأكيده صيرورة الحياة والموت، النور والظلمة.. وهذا يُثبت أن عقلیة قس كانت تتسم بتكاملیتها واستيفائها، بنجاحها إحضار الشيء ونقیضه لكي تكتمل الصورة أمام أبصار سامعيه.
وعلينا ان نتساءل! ماهي العوامل التي ادت لتميز فكره، بالشك، والبحث الدؤوب عن جوهر العدل والاستقامة؟ يربط الكثير من المحللين ذلك بفعل تأثير معايشته مرحلة اتسمت بالحيرة والبحث، والتي عكست واقعا تقّلصت فيه إمكانية "اعتناق توحيد جاهز "في أشكاله المتداولة والمعروفة في بلاد الشام، ومناطق من شبه الجزيرة العربية كرد فِعل على مرارة الخيبة من فشل التجارب مع العرب، الفرس، بيزنطية واليهودية لتجاوز ازمات التحولات في المجتمع، بل دفعت لزيادتها تعقيدا وتأزما. فكان من الحتمي ان يفرز هذا الواقع المأزوم براعم تغيرات في دائرة الانتماء للقبيلة، في القرن السادس. وكان من ابرز مظاهرها الإرهاصات لمشروع سياسي-اجتماعي يمكِّن الفرد ان يحيا فيه باعتباره فردا وليس جزءًا من مجموعة قبيلته. ولقد نجح قس بفكره الحصيف وبتحليله العميق ان يبلور، مواقفه الحائرة والمتأرجحة بين الشك واليقين ليستوعب وينقل بدايات هذا التحول والحِراك. ولذا علينا تحليل فكره كتعبير صادق لتفاعله مع متطلبات التغيير في عصره، وان ننبذ مواقف التحيز ضده والتغييب القصدي للدور التاريخي لفكره. وان نرفض كل توجه مقولب، مُشكِّك ومؤدلج حول مصداقية مسيرته، أقواله وافعالهّ. ومن الادلة لصدق ما ينسب اليه، ان إيمانه بالله لم يكن إيمانا يقينيا بل مصحوبا بحيرة، وتساؤلات كبيرة حول الموت والعالم الآخر. لا يمكن في نظري أن يكون هذا العنصر، المتمثل في الطابع المتأرجح والحائر ليقينه، مفتعلا ومنسوبا إليه. لأن الرواية لو كانت مفتعلة او منحولة لاخذت اتجاه التأكيد بوجود الله. وتأكيد آخر لأصالة ما ابدعه، ان الافكار المنسوبة له افرزتها سنونو النزعة نحو الفردية في عصره، لأننا نجد احد محاور ما اكده وشدد عليه في دعوته، هو مناشدة وحث الفرد ليعي ويدرك مسؤوليته ومصيره الشخصي.
وفي الختام نقلت لنا خطبته الخالدة في سوق عكاظ والتي هناك إجماع بأنها من روائع الخطب العالمية، فلسفة حياتية ستبقى معانيها ومدلولاتها واسقاطاتها لغزا لكل انسان على وجه البسيطة في كل زمان ومكان. وتستمد اهميتها لكونها بوصلة ومِعْيارا لترشيدنا لنبذ كل تصرف غير انساني و اخلاقي. ولأن سطورها مشحونة بعُصارة فلسفة حياتية يُسلم بها المؤمن والُملحد، لتأكيده فيها بديهيات أزلية الوجود، وميتافيزيقية ما بعد الموت، بكل تناقضاته وتعقيداته، والتي كانت وستبقى لشرائح مختلفة، لغزا، يستحيل سبر أغواره وتفكيك وكشف مكنوناته. كما تطرح فكرا انسانيا تقَدميا وثوريا، يدعو الى نبذ الغطرسة السلطوية والجشع اللامحدود لتكديس الثروات، والذي من المؤسف ما زال في طليعة ما يتنكر له انظمتنا العربية.
(شفاعمرو)