دروسٌ من القائد والمؤرخ الشيوعي الرفيق اميل توما

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الكتابة عن قامة وشخصية مميزة مثل الرفيق اميل توما مهمة صعبة قياسا بما يستحقه هذا الانسان المتميز في انسانيته ومبدئيته وأمميته وصدقه في التعامل مع الناس بشكل عام ومع رفاقه واصدقائه بشكل خاص - وهذه هي الصفات التي ميزته.

عرفت إميل توما أولا من خلال مقالاته في جريدة الاتحاد منذ اوائل خمسينات القرن وشدّني عمق تحليلاته السياسية والفكرية، ولم اعرفه شخصيا الا بعد عدة سنوات وانضمامي الى صفوف الشبيبه الشيوعية، حيث انهيت دراستي الابتدائية عام 1954 ونزلت الى سوق العمل في مدينة حيفا وهناك تعرفت على رفيقين هما عباس زين الدين ونعيم عبيد الذين اخذاني الى نادي الشبيبة الشيوعية في حيفا وفيما بعد الى مكاتب جريدة الاتحاد وهناك تعرفت على شخص الرفيق اميل توما.

في نيسان 1962 صدر كتاب الرفيق اميل توما الاول "العرب والتطور التاريخي في الشرق الاوسط" عن مطبعة الاتحاد التعاونية، وكان واجبا على رفاق الحزب توزيعه بين الجماهير في مختلف مدننا وقرانا العربية، وكنت احد الرفاق الذين حملوه لتوزيعه في عرابة البطوف. وبعد فترة وإذ ببعض العملاء والمغرضين يشنون حملة على الشيوعين وعلى اميل توما بحجة ان اميل توما يهاجم الاسلام، وقد انجر وراء هذا التحريض مجموعة من الناس الطيبين وكان من الواجب الرد على هذه الحملة المغرضة، والتي قامت الحملة بسبب جملة اقتبسها الرفيق اميل عن انجلس وكان الرفيق اميل قد رد على انجلس بنفسه وقال: "من المؤسف ان انجلس الذي اراد دراسة تاريخ الاسلام لم يتسع له الوقت لمعرفة هذا التاريخ". وخلال نقاشي مع لم استطع اقناعهم انه لا يوجد أي تحريض على الاسلام بل هناك دفاع عن الاسلام، وهنا سالتهم هل تقبلون ان يكون الحكم بيننا الشيخ عيسى رحمه الله؟ وهذا كان شيخا ورعا صادقا ومحترما جدا اذا تكلم لا يقول الى الحق.

حملنا الكتب ودخلنا الى غرفة هذا الشيخ الجليل وتوجهت له بكل محبة واحترام ان يقرا هذه الفقرة من الكتاب ويفسرها لنا فقرأها بتمعن ونظر الينا وقال: "لا يا سيدي" وهذه جملة كان يرددها هذا الشيخ المحترم للجميع واضاف: "ان هذا الانسان بالرغم من انه مسيحي فهو في الواقع يدافع عن الاسلام". وهذا الجواب وضع حدا للهجوم.

في نفس السنة كنت قد رافقت الرفيق اميل توما الى هلسنكي عاصمة فنلندا لحضور مهرجان الشباب العالمي. وكان هو المسؤول الحزبي الذي رافق الوفد بالاضافة الى ييير صبان الذي كان السكرتير العام للشبيبة الشيوعية والرفيق نمر مرقص الذي كان عضوا في سكرتاريا اللجنة المركزية للشبيبة الشيوعية. خلال هذه الرحلة حدثت الرفيق اميل عن الهجوم الذي شن ضده وضد الكتاب والشيوعية، وما فعلته، فتفاجأ لكنه اعجب من ان الشيخ هو الحكم وقال لي: كيف كنت تعرف ان هذا الشيخ سيحكم بهذا الشكل؟ فقلت انا اعرفه جيدا، هذا الشيخ صادق جدا ولا بد ان يكون حكمه صادقا وعادلا. ومنذ ذلك الوقت عرفته عن قرب اكثر وعرفت ايضا مدى احترام هذا الرفيق لرفاقه كبارا كانوا او صغارا.

ازددت معرفة بالرفيق اميل حين سافرت في اواخر سنة 1969 الى موسكو للدراسة في معهد لينين لمدة سنتين، وكان الرفيق اميل قد سبقنا الى هناك للعمل على تحضير رسالة الدكتوراة في موضوع تاريخ الشرق الاوسط. كان الرفيق اميل يتردد على المعهد لمساعدتنا والاطلاع على سير عملنا ودراستنا، وكنت اتردد على الدار التي سكنها في موسكو مع زوجته طيبة الذكر الرفيقة حايا توما، فتعرفت أكثر فيه على الانسان المتواضع والخلوق والقائد الحكيم والهادئ عميق المعرفة الفكرية والسياسية والاجتماعية والتاريخية.

بالاضافة لكل ذلك، هناك شئ هام جدا تعلمته منه، فعندما كنا نجلس في بيته انا والرفيق طيب الذكر تيسير العروري الذي كان يدرس معي في معهد لينين وكان عضوا في الحزب الشيوعي الاردني، قلت امام الرفيق اميل "الشعب اليهودي"، فردّ: لا يا رفيق توفيق من حيث المفهوم الماركسي للشعب او الامة او القومية لا يوجد شيء اسمه الشعب اليهودي او القومية اليهودية بل هناك شئ اسمه الديانة اليهودية. والحركة الصهيونية هي بالذات التي تريد ان تعمل من يهود العالم قومية يهودية وان تعمل منها شعبا. كان هذا درسا هاما في تعريف القومية والشعب.

كان الرفيق اميل احد القادة الاوائل للشيوعين العرب في فلسطين وله علاقات خاصة ومميزة وواسعة مع الاحزاب الشيوعية العالمية عموما ومع الاحزاب الشيوعية العربية خصوصا، وعن طريقه وبفضله التقيت مع قامات كبيرة وهامة من قادة الاحزاب الشيوعية العربية مثل الرفيق طيب الذكر فؤاد نصار الذي كان احد قادة عصبة التحرر الوطني في فلسطين وفي ذلك الوقت كان السكرتير العام للحزب الشيوعي الاردني. وفي احد الايام دعاني لاذهب معه لزيارة الرفيق حسين مروة في مستشفى اللجنة المركزية في موسكو حيث كان يعالج هناك وكان ايضا متواجدا في موسكو لاعداد دراسته الهامة حول "النزاعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية". وان يتعرف شاب مثلي في ذلك الوقت على مثل هذه القامات الكبيرة والهامة كان شيئا كبيرا وهاما.

لم اسمع من أي رفيق ملاحظة انتقادية حول الرفيق اميل لانه كان صاحب المهمات الصعبة هو والرفاق طيبو الذكر حنا نقارة وصليبا خميس حيث القي على عاتقهم في سنة 1958 مهمة اقامة الجبهة الشبعية بعد احداث ايار 1958 وكذلك اقامة لجنة دفاع عن الاراضي. وتحمل الرفيق اميل مسؤولية قيادة الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة بعد اقامتها في سنة 1977 وتحمل ايضا مسؤولية التحضير لمؤتمر الجماهير العربية في سنة 1980 هذا المؤتمر الذي منع عقده وزير الأمن الاسرائيلي في ذلك الوقت مناحم بيجن الذي كان ايضا رئيسا للوزراء في اسرائيل.

بالرغم من الفارق بالعمر كانت تربطنا علاقات رفاقية قوية وكنت دائما ازور الرفيق اميل في مكتبه، وفي احدى الزيارات طرحت عليه فكرة ان اخرج الى موسكو لمدة سنة لدراسة العمل الجبهوي في معهد لينين فتحمس للفكرة وطرحها في المكتب السياسي واتخذ قراقر في هذا الشان، ولكن الرفيق سليم القاسم الذي كان سكرتيرا لمنطقة الناصرة للحزب لم يكن حاضرا في اجتماع المكتب السياسي وعندما علم بهذا القرار رفضه تماما وقال: كيف تبحثون امر رفيق من منطقتي بغيابي انا لا اقبل هذا لانني في هذه المرحلة لا استغني عنه في عمل المنطقة. حاولت اقناع الرفيق سليم فقال لي برفاقية: "انضب واسكت" انت عملك هنا في التنظيم والفروع وهذا ما كان في النهاية.

ان امثال الرفيق اميل توما قلائل جدا لانه كان قائدا متميزا بكل ما للكلمة من معنى. ورغم رحله فهو باق من خلال إرثه في ضمير رفاقه ومكملي طريقه التي عبدها مع رفاقه الاوائل الذين نكن لهم ولتاريخهم كل الاحترام والتقدير. اننا اذ نحيي هذه الذكرى المئوية نذكّر الاجيال الشابه بهؤلاء الرفاق الاوائل من اجل العودة الى تراثهم الغني والى ما واجهوه  في اصعب الظروف بعد نكبة شعبنا في سنة 1948 حيث عملوا بحنكة سياسية وفكرية ومبدئية ووطنية من اجل المحافظة على جماهيرنا العربية الفلسيطينية التي بقيت في وطنها، حسب مقولة الرفيق اميل توما "هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه".

(عرابة البطوف)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية