دولة إسرائيل في مرآة سجونها

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تحت عنوان "ظروف الاعتقال والسجن في منشئات السجون التابعة لسلطة السجون في السنتين 2017-2018"، نشر قسم "الدفاع العام" في وزارة القضاء، تقريرا جديدا حول ظروف الاحتجاز القاسية في 29 منشأة سجن واعتقال تابعة لسلطة للسجون، و13 منشأة اعتقال في داخل المحاكم.

يقول هذا القسم القضائي في تقريره الموسع إنه يُجري زيارات رسمية للسجون والمعتقلات المختلفة في إسرائيل منذ العام 1999. يتوقّف أولا عند سياسة عزل وفصل سجناء عن سواهم. ويتضح من المعطيات أن قسما كبيرا من المشاكل التي سبقت الإشارة إليها في هذا الصدد ضمن تقارير وتوصيات سابقة، لم توجد حلول لها بعد. في قسم كبير من الحالات تم احتجاز سجناء بسبب وضعهم النفسي الصعب أي أن "الحل" الذي وفرته السجون كان بمثابة مفاقمة للمشكلة.

الأمر يصبح أكثر تعقيدا حين يتعلق بقاصرين وهو ما يمارَس فعلا بسجن "أوفك" وهو السجن المركزي للقاصرين. فالضرر المترتب على العزل في حالة القاصرين هو أكبر بشكل ملموس. بعض الشهادات من سجناء قاصرين دلت على ظروف احتجاز شبيهة بالعزل، أحد القاصرين قال أنه قد حكم عليه بالعزل مرات عديدة إحداها مثلا لأنه طرق نافذة خلية السجن أو سكب ماء في داخلها. في إحدى المرات وُضع في العزل لمدة 6 أيام ولم يُسمح له حتى بإدخال ثياب للتبديل، التهوئة لم تُشغل ونافذة خلية العزل كانت مغلقة. وقد وصف شعوره هناك كأنه شعور رهيب بالاختناق. قاصر آخر تحدث عن ظروف مشابهه ولم تتوفر لديه حتى فرشة واضطر مع معتقل آخر للنوم على سرير حديدي.

الإكتظاظ يخالف المعايير الدولية

يصف التقرير زيارة لسجين تم احتجازه في العزل على خلفية وضعه النفسي في انتظار إجراء فحص من قبل أخصائي نفسي. قيل لممثلي القسم القضائي إن السجين يمكث هناك منذ أسبوع ولكن من غير المعروف متى سيُجرى الفحص النفساني له. والسبب هو أن الأخصائية النفسية التي تعمل في هذا السجن تزوره مرة في الاسبوع فقط، ولا تتمكن لكثرة عدد الحالات وضيق الوقت من لقاء جميع السجناء ممن يحتاجون للفحص. لقد كانت خلية العزل في وضع متدنٍ جدًا الجدران متقشرة وأرضيّة بلاط المسطبة مكسرة وملوّثة. وعانى المكان من إهمال قاس حيث كانت بقايا الطعام متناثرة والمرحاض ملوث. واتضح من سجلات القسم أنه لم يسمَح للسجين بالخروج طيلة ساعات اليوم ولم يخرج لجولة يومية في باحة السجن.

مسألة خطيرة أخرى تميّز وضع السجون هي الاكتظاظ العالي الذي تؤكده تقارير الدفاع العام مرة تلو الأخرى. يقتبس التقرير قرارا للمحكمة العليا من العام 2017 جاء فيه: "إن مساحة العيش المادي للسجين تشكل إحدى احتياجاته الأكثر أساسية والأكثر وجودية. من الضروري في جميع الجوانب أن تتوفر مساحة للسجين يتمكن فيها من ممارسة حياته ضمن المحدوديات النابعة من سجنه. هذه المسألة تقع في قلب كرامة الإنسان وفي بذرة حقه".

أما الواقع فهو مختلف تماما. وفقا لتقارير سلطة السجون فإن مساحة العيش المتوسطة المتوفرة للسجين هي 3 أمتار مربعة فقط. وهو أمر يخالف جميع المعايير المكتوبة في الكثير من الأنظمة التي تأمر بألا تقل عن 4,5 متر مربع. على سبيل المقارنة مع الدول التي تحب دولة إسرائيل أن تقارَن بها "بوصفها ديمقراطية"، فإن الحد الأدنى للمساحة المخصصة للسجين في منشئات السجن الإسرائيلية بعيدة جدا عن المعيار المعمول به في تلك الدول الغربية. إذ أن المساحة التي توفرها تلك الدول للسجين والمعتقل في منشئاتها تتراوح ما بين 6-12 مترا مربعا، وبالمعدل فالمساحة المخصصة للسجين هي قرابة 9 أمتار مربعة.

يؤكد تقرير الدفاع العام أن الاكتظاظ في السجون الإسرائيلية يشكل مساسا قاسيا وخطيرا بحقوق السجناء. لقد نقل ممثلو الدفاع العام أنهم عادوا من 16 منشأة سجن واعتقال إسرائيلية بانطباع مفاده أن حالة وظروف الاكتظاظ قاسية بل خطيرة في عدد من الأقسام. وأقسى ظروف الاكتظاظ "كانت في السجون التي يقبع فيها سجناء جرت إدانتهم بمخالفات أمنية" يقول التقرير حرفيًا.

حشرات وجرذان وبق وصراصير!

هناك شكاوى عن نقص في عدد الأطباء وعن معاملة سيئة يتلقاها السجناء في بعض العيادات، هناك أدوار قليلة لتلقي علاجات مختلفة، إجراء العلاج الذي يبدأ بمُسعف يقرّر تحويل عدد محدود جدا فقط من الحالات لعيادة متخصصة او مستشفى خارجي، هناك تأخير طويل في توفير أدوار لإجراء فحوصات أولية (مثل فحوصات دم وبول)، وتوجد فترات انتظار تفوق 3 أشهر في بعض الحالات لتلقي نظارات طبية بعد أن كانت جهات طبية قد قررت وجود مشاكل نظر لدى السجناء. أحد السجناء اضطر لانتظار 9 أشهر حتى بدأ بتلقي علاج لمشاكل وأوجاع ظهر مبرحة ("ديسك"). هناك خلل عام في كل ما يتعلق بتوفير رعاية وعلاجات لسجناء وسجينات يعانون من مشاكل نفسية. في بعض السجون وُجد أن غرفة الانتظار الملحقة بالعيادة مكشوف للبرد شتاء وللقيظ صيفا، علمًا أن السجناء كثيرا ما يضطرون للانتظار لأوقات طويلة.

من ناحية الغذاء، في 5 منشئات احتجاز، معظمها معتقلات، سُمعت شكاوى حول نوعية الطعام المقدم للمعتقلين وكميته وتقديمه باردًا، خصوصا وجبات الفطور. بعض السجناء شكوا من مشاكل واوجاع في جهاز الهضم جراء ذلك. وكذلك نقل سجناء شكاوى عن عدم توفير ماء بارد في أشهر الطقس الحار.

من حيث توفير تجهيزات التدفئة والتبريد وجد مراقبو قسم الدفاع العام مشاكل ونواقص في 19 منشأة احتجاز. غالبية غرف السجن ليست مزودة بأي تكييف مما يجعل الحر لا يُطاق، وفي أفضل الأحوال هناك "هوّايات" ليس بمقدورها توفير حل حقيقي. وفي حالات كثيرة يترافق الأمر مع تجهيزات تهوئة سيئة واكتظاظ كبير مما يضاعف معاناة السجناء.

فيما يتعلق بشروط النظافة والصيانة، وجد الدفاع العام "أوضاعًا مزرية" في 19 منشأة احتجاز كما قال التقرير. يشمل هذا: التلوّث والجدران المتقشّرة والبلاط المكسّر وشبكات الماء المعطوبة والتجهيزات الكهربائية التي تشمل أسلاكا ومقابس مكشوفة بما يشكل خطرًا على السجناء. في بعض المواقع، وخصوصا الأقسام المغلقة المخصصة للعزل والفصل والرقابة، سُمعت شكاوى من سجناء عن وجود حشرات وجرذان وبق وصراصير. ونقل المراقبون في بعض الحالات أنهم شاهدوا بأعينهم أقسامًا وغرفًا تزحف فيها الصراصير. لهذا وصفوا عددا من تلك المواقع على أنها "لا تليق بمكوث البشر فيها".

معايير كونية لحماية السجين وكرامته

ليست حقوق السجناء مسألة تحددها الدول وفقا لأهوائها فقط. هناك مواثيق ومعاهدات دولية ملزمة بهذا الخصوص، يجب على الدول التي وقعتها وأقرتها أن تلتزم بها. إقرار معايير كونية لحماية السجين وكرامته جاء إقرارا بكون السجين إنسانا حتى لو خالف القوانين ومهما بلغت خطورة ذلك، ويبقى من واجب الدول تطبيق هذه المعايير بحيث تكون الحياة في السجون أقرب قدر المتاح للحياة الحرة – كما تصف الأمر وثائق أممية ذات صلة.

بالمقابل، يقول قسم الدفاع العام في ملخص نشره على موقعه، إنه "ما زالت تتم في إسرائيل انتهاكات قاسية لحقوق السجناء. ألوف السجناء محتجزون في ظروف عيش غير لائقة، في منشئات قديمة بعضها لا تصلح لإقامة البشر فيها وفي ظروف صحيّة متدنية. الكثير من السجناء وخصوصا القاصرين منهم، معرضون لسياسة مشددة من العقوبات المهينة  بواسطة العزل والفصل، والاستخدام غير النسبي للتقييد". ويؤكد القسم إن "المستخلص الأكثر إثارة للقلق يتضح من التعامل مع السجناء الذين يعانون مشاكل نفسية، ويتم في حالات كثيرة احتجازهم تحت ظروف الفصل والرقابة التي لا توفر حلولا لأوضاعهم – بل من شأنها مفاقمتها. ففي بعض الأحيان تمارس ضدهم أساليب زجر بشكل غير نسبي وخلافًا لموقف الجهات المهنية في المجال، أي جهاز العلاجات النفسية".

أخيرًا، يقتبس التقرير قرارا صادرًا عن المحكمة العليا عام 1986 كتبه رئيس المحكمة السابق آنذاك أهرون براك وجاء فيه: "فعلا، إن الاحتجاز يفرض بحكم جوهره، سلبًا للحرية، ولكن ليس من شأن هذا إضفاء شرعية على انتهاك كرامة الإنسان. يمكن إجراء احتجاز يحافظ على كرامة الإنسان لدى السجين. لا يفترض بجدران السجون أن تفصل بين السجين وبين صورته الإنسانية... من المحظور أن تتحول غرفة السجن الى قفص... لن نكون إنسانيين ما لم نضمن مستوى إنسانيًا للسجون لدينا. من المحظور تحقيق غايات العقاب بواسطة إهانة كرامة السجين وإنسانيته".

إن هذا الموقف القضائي النظري النقيّ الذي اتخذته أعلى هيئة قضائية اسرائيلية قبل أكثر من 3 عقود، يتناقض تمامًا مع وضع مستمر يعاني فيه سجناء من العزل والتقييد ونقص الرعاية الطبية والاكتظاظ والتلوّث والجرذان والصراصير! لا مبالغة في القول إن درجة تطوّر نُظم الدول وسلامتها وديمقراطيتها يجب أن تُقاس أيضًا وفقًا لوضع سجونها واحترام  كرامة سجنائها.

من المسائل الخطيرة التي تميّز وضع السجون هي الاكتظاظ العالي الذي تؤكده تقارير الدفاع العام مرة تلو الأخرى. يقتبس التقرير قرارا للمحكمة العليا من العام 2017 جاء فيه: "إن مساحة العيش المادي للسجين تشكل إحدى احتياجاته الأكثر أساسية والأكثر وجودية. من الضروري في جميع الجوانب أن تتوفر مساحة للسجين يتمكن فيها من ممارسة حياته ضمن المحدوديات النابعة من سجنه. هذه المسألة تقع في قلب كرامة الإنسان وفي بذرة حقه".

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية