ذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيف فردا
هذه هي اللازمة الني فرضت نفسها على نشيد الحزن. وهذا هو البدّ الذي لا بدّ منه والذي يأبى إلا أن يفجعنا بأعزّ من نحب مستغلًا قدرته الاستثنائية الخارقة في لعبة غير متكافئة لتسديد الضربة تلو الضربة لأحبة أدماهم عشق هذه الأرض ولم يرفعوا الراية البيضاء.
في ذلك المساء الرمادي، كنّا على موعد. كان عليّ أن ألبّي دعوته وأزوّده بكتابين للجاحظ "المحاسن والأضداد" و"البيان والتبيين" وكتاب "رنات المثالث والمثاني" ومقال عن النكبة لنشره في "الاتحاد".
وفي صباح ذلك اليوم وقعت عيني على الإطار الأسود، فصعقت وأصابني ما أصاب المتنبي، عندما جاءه نبأ رحيل أخت سيف الدولة الحمداني، ولم تكن لديّ القدرة على استيعاب النبأ، فلجأت فيه بآمالي إلى الكذب، وتمثلت ما قاله الفتى الدمشقي نزار قباني:
أمات أبوك؟
ضلال أنا لا يموت أبي
ففي البيت منه روائح رب وذكرى نبي
ولكنها الحقيقة الجارحة المُرة والصدمة التي لا نملك القدرة على استيعابها.
لقد حملت صليبك على كتفيك
لقد عرفت يا حبيبنا كيف تنحاز إلى الحياة في المعركة الضارية ضد أعداء الحياة. عرفت كيف تسير في ركب الذين وضعوا دماءهم على أكفّهم ونذروا شبابهم لانتزاع الورد من غابات الشوك وتقديمه باقات باقات إلى المعذبين في هذا الوطن.
لقد حملت صليبك على كتفيك ورحت تبحث عمّن يصلبك عليه. وركبت البحر واحترفت ترويض العواصف لاجتراح أجمل الشواطئ.. ففي هذا الزمن العبثي الذي سميته بالزمن العكرتي، توالى سقوط الأقنعة.. وتوالى سقوط أوراق التوت عن عورات تنابل العواصم الذين توهموا أنهم عمالقة زمانهم...
ورغم العواصف العاتية في هذا الزمن المشاكس، ظللت قابضًا على الجمرة، وأشرعت الصواري واحترفت ترويض العواصف.
ففي هذا الزمن الذي فيه صار شوقي أبا علي وأصبحت فيه بعض المخلوقات سادة هذا العصر، ينتفض إبراهيم طوقان وينطلق صوته مدويًا:
"المناتيك" سادة؟ عبر الدهر تفلق.
ولكم أن تغوصوا في بحار البلاغة وتتخيلوا التصحيف في "المناتيك"!!
مغامرات فواز النشاز
إزاء هذا المشهد العبثي الذي اختلطت فيه الأوراق، يمتشق إدوار سيف السخرية وحوله كتيبة من عمالقة الأدب الساخر، ويكون أصدقاؤه الجاحظ ومارون عبود وفولتير وبرناردشو، وينضم إليهم غلابى الأدب العربي وصعاليكه الذين سبحوا ضد التيار الرسمي المهيمن، فيبحر في رحلة تراثية ويكون بحارته عروة الصعاليك وتأبط شرًّا والشنفرى الأزدي وغيرهم من شعراء الرفض على امتداد العصور الأدبية.
ومن شباك هؤلاء يلتقط اللآلئ ويقدم لنا وليمة أسبوعية شهية تغصّ بالكثير الكثير ممّا يفرح قلب الإنسان، ويزودنا بشحنة تراثية تغذّي مسيرتنا وتشدّ خطانا على درب الآلام.
لقد حملت الرسالة وأخلصت للبوصلة السياسية
لقد قدمت لنا يا حبيبنا هذه الوليمة الأسبوعية الساخرة بأبجدية مغروفة من قاع الدست الفولكلوري بلغة محكية مميزة تضوع عطرًا ونتنشق نسائمها عن بعد ألف ميل، فتسقط على قلوبنا سقوط الندى على ربوع هذا الوطن الجميل.
يا حبيبنا.. لقد أحببت شعبك فأحبك شعبك.
وحملت الرسالة وأخلصت للبوصلة السياسية.. فأخلصت لك.
وأحببت حيفا وأدمنت عشقها، فأحبتك حيفا بناسها وبحرها وكرملها وواديها ودحبورها. وكنت حارسًا لعيونها العربية الكحيلة.
تكون سهرة من العمر! وتعرف كيف تترك بصماتها الخضراء على تاريخ العلاقة الحميمة بين الأصدقاء..رفاق الدرب الواحد.
يلتئم شمل الأصدقاء..فتحفل الأمسية بالدردشات التي لا تخلو من نميمة الأدباء..وتسهر مع أمسياتها..فيقول الخيام..نحن على موعد مع نجمة الصبح..
فما أطال النوم عمرًا ولا قصّر في الأعمار طول السهر..
**
لقد صنت يا حبيبنا برمش عينيك فرن والد أحمد دحبور.. وصلّيت في تلك البقعة المقدسة التي ألقى فيها أحمد عصا الترحال.. مقبّلًا تلك الأرض.. وممرّغًا وجهه في ترابها.. وساقيها دموعًا حرّى صاعدة من أعماق القلب.. لقد قتله الحنين إليها وحملها في قلبه خمسين عامًا وما بدّل تبديلًا.
في زمن القفز من المراكب..بقيت ثابتًا قابضًا على الجمرة
فيا حبيبنا..
كنت رمزًا للطيبة والتواضع ونكران الذات..
وكنت ثابتًا قابضًا على الجمرة في زمن كثر فيه القفز من المراكب بحثًا عن أطواق النجاة وصولًا إلى "شواطئ الأمان"!
وكنت ذلك الاشتراكي الصوفي في زمن الجشع المادي.
وكنت الصادق الوفيّ في زمن تفشّت فيه الشعوذات السياسية وانتشرت حلقات الزار في مواقع شتى على امتداد خارطة الوطن.
وكنت السمكة الحمراء الجميلة في هذا البحر الذي يغصّ بأسماك القرش الرمادية.
هذا أنت يا حبيبنا إدوار. يا معانقًا كبرياء الجرمق..وحارس العطر في أطلال بيتنا في صفد.
فيا حبيبنا..لقد كنت بارعًا وأتقنت اللعبة..
عرفت كيف تختفي عن خشبة المسرح دون استئذان ودون كلمة وداع.
لقد تركتني وحيدًا أحترف الانتظار على أرصفة الغربة!
ووجدت نفسي أستحضر الشاعر العباسي الشريف الرضي..فيتلفّت القلبان:
"وتلفّتت عيني فمُذ خفيت عنّي الطلول تلفّت القلبُ"
ويبدو لي أن أبا تمام قد عناك حين قال:
عليك سَلامُ اللهِ وَقفًا فإنَّني رأيت الكريم الحرّ ليس له عُمرُ
فسلام عليك يوم ولدتَ
وسلام عليك يوم متَّ
وسلام عليك ما دمتَ حيًّا في ذاكرة شعبنا
(ألقيت الكلمة في حفل التأبين الذي أقيم في كنيسة مار مارون في قرية الجش في شهر حزيران عام 1998. شارك في التأبين عدد كبير من محبّي إدوار ورفاقه من القيادات الأدبية والسياسية والاجتماعية وبرز من بينهم حضور الشاعر الفلسطيني الراحل الباقي أحمد دحبور. أشكر العزيزين هيلانة سمعان ومارون الياس اللذين وفّرا لي الفيديو واستحضرا كلمة التأبين التي كانت ضائعة في غابات الذاكرة منذ أكثر من عشرين عامًا وكان العثور عليها ضربًا من المستحيل).
رسالة من الفنان التشكيلي مارون الياس
يقول الفنان التشكيلي مارون الياس عن أخيه إدوار: هو من مواليد مدينة حيفا عام 1944 حيث كان يسكن أبي بسبب توفر العمل هنالك. وبعد نكبة شعبنا عام 1948 أخذت والدتي إخوتي إلى مسقط رأسها قرية الجش. ومن ثم بقوا في الجش وتعلم الابتدائية في مدرسة القرية حتى الصف الثامن، وبعدها أنهى دراسته الثانوية في قرية الرامة الجليلية، وكان أحد معلميه الأستاذ غطاس غطاس. وبعدها بسنة عمل معلمًا في مدرسة التيراسنطة في عكا. ومن ثَم ذهب إلى تشيكوسلوفاكيا وواصل دراسته ونال شهادة الدكتوراه في الفلسفة الماركسية. بعد عودته إلى البلاد حاول الحصول على عمل في إحدى الجامعات الإسرائيلية وفي جامعة بير زيت، ورفض بسبب شيوعيته. وبعدها انضم إلى طاقم تحرير صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية وبدأ العمل فيها عام 1980. كتب مقالاته الواقعية الساخرة في الملحق الثقافي لـ"الاتحاد" وصدرت في كتاب تحت عنوان "مغامرات فواز النشاز". توفي في حيفا بتاريخ 9-5-1998




.png)




.jpeg)


