إرهاصات من زمن مضى لن يتكرر، زمن جميل يعكس هوية حارة وبلد وشعب
مهداة إلى روح أخي الراحل عرسان خطيب
رحل أخي...
رحل إلى سرمديته الأبديّة بهدوء كما عوّدنا دومًا يواجه نوائب الزمن والحياة... على جناحي حمامة من حمام وطننا الذي هجرته النكبة وجعلته تائهًا في مضارب هذا الوطن الجريح..
رحل الغالي أبو الأنيس وترك وراءه ذكرى عطرة وشريطًا من الذكريات الجميلة التي هي بحد ذاتها ذاكرة بلد وحارة وأهل ووطن... تجسّد روعة حلمنا في ذلك الزمن الجميل وطيب عطره وفحواه...
***
على ناصية أحد شوارع البلدة الرئيسة مقهى. بصدر المقهى عُلِّقت لافتة بخط غير مهني كتب عليها "مقهى أبو الانيس". انتشرت عدة طاولات بالمقهى جلس عليها بعض الزبائن.
البعض يلعب ورق الشدة والبعض الآخر يعاقر النرجيلة وهناك في أقصى الجهة الغربية جلس قاسم يداعب كانون النار وأمامه قطع اللحم والبصل وبطحة عرقه التي تلازمه دوًما.. أبو الأنيس يتنقّل بين طاولات المقهى يتحدّث إلى البعض ويقوم بتلبية طلبات الزبائن بهدوء ورويّة. تنبعث من راديو المقهى أصوات لمارشات عسكرية وأغانٍ وطنيّة تليق بزمن الناصريّة، وبصوت مطرب الثورة عبد الحليم حافظ.. حالة ترقّب من قبل الجميع. ومع مرور الوقت يدخل المزيد من الأهالي مع تسارع وتوتر حركة أبي الأنيس بترقّبه لدخول الزبائن...
تنبعث من المذياع أغنية
ناصر ناصر يا حريّة
يا روح الأمّة العربية
ناصر ناصر...
رويدًا مع اتساع حلقة المشاهدين والمترقبين للحدث الجلل خطاب الرئيس عبد الناصر، ومع تلاشي أصوات المارشات العسكرية وصوت عبد الحليم، يظهر المذيع على شاشة التلفاز ليزفّ بشرى انتظار سماع خطاب الرئيس عبد الناصر من خلف الثلّاجة.
وفي أقصى المقهى يراقب أبو الأنيس ما يبثّ من تعليق على الشاشة ولا يهتم لمن حوله من زبائن القهوة..
عليان: "وينك عمي أبو الانيس مش سامعنا مالك مش قد المقام يعني!؟"
أبو الانيس: ........
عليان: بدنا المشروب ع حساب اللعبة والله الليلة لننبسط ع حساب سالم هههههه
أبو الانيس: [وهو لا يلتفت إلى عليان!] طولة الروح يا عليان مش وقته اسا..!
عليان: " [يقترب من الثلّاجة حيث يقف أبو الانيس] "ما بدك ترد أنا باخذ لحالي بس سجّل ع حساب سالم...
أبو الأنيس [يقترب منه ممسكًا بيده في حالة غضب]: قلنالك مش وقته! ما في مشروب إسّا لبعد ما يخلص الخطاب..
عليان: [يتوجّه لمن يجلس معه على نفس الطاولة]": اسمعوا ها السمعة شو دخل المشروب بالخطاب!؟ بنفع نشرب كمان واحنا نسمع الخطاب..
-أبو الأنيس..........
وفجأة ينقطع البث، ويحدث تشويش على حالة البث وتختفي الصورة من على شاشة البث.
تبدو حالة من الانفعال على أبي الأنيس وبقيّة الزبائن ونرى أبا الأنيس يقترب من الباب الخلفي للمقهى
-أبو الانيس [بغضب وصراخ]: "علي.. يا علي.. قوام روح نادي على يوسف وقلّه أبو الأنيس بقلك تعال بسرعة.!؟
حالة من التوتر تبدو على حركات أبي الأنيس وبعض الزبائن، ويخرج البعض خارج القهوة لمراقبة عامود "أنتين" البث الذي يرتفع عاليًا فوق سطح القهوة. وفي هذا الأثناء يدخل يوسف، وهو شاب تبدو عليه سمات الرياضة وخفّة الحركة.
-أبو الأنيس يتنهّد: "بسرعة عمي يوسف الله يوفقك قرّبت كلمة الرئيس." يندفع يوسف إلى الخارج لكي يتسلّق السطح. ويبدأ تسلّق عامود البث الذي يرتفع عاليًا فوق القاعة..
حمزة يقف على ناصية المقهى من الخارج وأبو الأنيس، ومعه أبو علي بالداخل ويبدأ يوسف بتحريك دفة "أنتين" البث
-حمزة: "كيف اسا تحسن"؟
-أبو الأنيس: لا بعدو نفس الشي خلي يوخذو عا اليمين نشوف اه هيك كمان شوي أكثر ع اليمين.
حمزة بالخارج ينقل الى يوسف ما يقوله أبو الانيس، وفجأة يصرخ أبو الانيس:
"خلص عال خليه هيك خلص اجت صورة هيك ذهب خليه ينزل خلص". وفي هذه الأثناء يكون موكب الرئيس قد اقترب من ساحة الاجتماع تصدح أصوات أغاني عبد الحليم الوطنية.
-أبو الأنيس [يقترب من زبائن المحل على الطاولات]: خلص خلصنا يا جماعة بعد الخطاب بعدين بنكمل.
-عليان [يلتفت إليه]: "أمّا سمعة شو دخل الخطاب باللعب بنلعب ونسمع!!
-أبو الانيس [يقترب منه ويجمع أوراق اللعب عن الطاولة]: "قلنا خلصنا مش عاجبك روح كمل لعب بداركو...".
في هذه الأثناء يكون الرئيس قد اقترب من ميكروفون المنصة..
الرئيس: أيها الإخوة المواطنون أبناء شعب مصر العظيم
إننا نواجه في هذه الأيّام العصيبة حالة من الهجوم والتآمر الإمبريالي على ثورة شعبنا الخالدة، هذا الهجوم الذي يهدف إلى القضاء على الثورة، والقضاء على ما حققته مكاسب الثورة لأبناء شعب مصر والأمّة العربيّة.
نقول لقوى الاستعمار وكل أعوانه بالمنطقة إن شعب مصر العظيم الذي أنجب هذه الثورة الخالدة لن يتنازل عن أي شبر من إنجازات هذه الثورة لأنّها أصبحت أمانة في أعناقنا جميعًا، ولن نتنازل عنها مهما بلغت التضحيات.
تبدأ الهتافات تتعالي من قاعة الاجتماع ومعها أيضًا في داخل المقهى حالة من الفرح، ويقوم أبو الأنيس بمعانقة زبائن المحل.
-حمزة [بصراخ]: هاي الحكي الّي بنسمع ينصر دينك يا جمال يعيش عبد الناصر ويردد وراءه الحضور.
عاش عاش عبد الناصر وتبدأ الإضاءة بالتلاشي مع صوت عبد الحليم ناصر ناصر يا حرية
يا روح الأمة العربيّة
يا ناصر ناصر... ناصر






.png)



