رسائل حب ليست من هذا العصر: هل ثمة بعد مايقال؟| رشيد عبد الرحمن النجاب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

هل ثمة ما يمكن أن يقال بعد؟!، بعد كل هذا الاحتفاء بهذا العمل، وكل الإطراء، والإشهار، واستغاثات الصحف من تيار المقالات المتدفق حول هذا العمل المميز بالجرأة، الموسوم بالوفاء، والمنسق بعناية يندر توفرها لولا شغف العطاء الذي توفر للصديقة رنا أبوحنا فخرجت رسائل "قد تبدو عادية لقارىء عابر"، إلا إنها خرجت في أجمل صورة وأكثرها بهاء وتعبيرا عن صدق ما ضمته بين دفتيها، كيف لا وهي المدموغة بشهادة زيتونة الجليل الشاعر الراحل حنا أبو حنا، المعمدة بكلماته في صفحة الغلاف الثانية.

قدمت صاحبة هذا الكتاب السيدة رنا أبو حنا له في نحو خمس صفحات من القطع الكبير موضحة فكرته، شارحة للناس من عساه يكون "أنيس أبو حنا"؟ ومن هي "جوجو"؟ "وهما من باتا والديها" ولماذا أرادت لهذه الرسائل أن تنتشر ؟متسائلة بغير تردد عن أشكال ردود فعل الناس سيما الأقارب ومداها ، مقتنعة في عمق ذاتها بما أقدمت عليه، وفي طموحها أن تكون أسست لما يمكن أن يسمى بأدب الاعتراف والبوح أو أضافت إليه، ولم يكن ما باح به المحامي، والمفكر ، الأديب والشاعر أنيس أبو حنا لمعشوقته "جوجو" سوى تأسيس لمستقبل حياته العاطفية، يحدث أن يؤسس أحدهم لحياته المستقبلية المادية فيشتري منزلا أو قطعة أرض أملا ببناء مسكن العائلة، لكن أنيس أسس بدلا من ذلك لحياته العاطفية، ووضع "جوجو" نصب عينيه  وبعد أن أحكم شباكه انطلقا معا في مسيرة تأسيس الأسرة، الأمر الذي بدا وضحا في نموه عبر الأيام من خلال تتبع تواريخ الرسائل، بدت محبوبته مع بدايات الرسائل "الأخت" و "العزيزة"  ورافقها توقيع مستتر باسم اخته نادية، ثم راحت الألقاب تتضح فنراه يخاطبها بالحبيبة والخطيبة عندما اقترب الهدف من التحقق. وعندما ابتدأ الشاب بالتفكير في أمور البيت جاء تأسيس مكتبة في البيت في مقدمة اهتماماته ساعد في ذلك رحيل أحد المستشرقين الذي عاش في القدس في تلك الفترة ورغبته في شراء كتبه بثلاثين ليرة في ذلك الوقت.

اتسمت لغة أنيس أبو حنا من خلال الرسائل بالطابع المحافظ المتناسب مع ثقافة الفترة التي تنتمي إليها برغم عبارات الحب الصريحة التي سكنت في سطور هذذه الرسائل،  إلا إنها كانت ترسم لمستقبل مستقر، وحياة مستقبلية يملؤها الحب والوئام بين الشريكين. كان مفعما بالأمل، قادرا على تبديد مواطن الضعف والقلق لدى محبوبته، يعمل بمثابرة والتزام قل نظيرهما في سبيل تحقيق الهدف المتمثل في نيل الشهادة الجامعية، وفي نفس الوقت يؤدي متطلبات الوظيفة التي تمكنه من تغطية مصاريف الدراسة، وكان دوما معتزا بالإرث الثقافي والفكري الذي يميزه مع أخويه حنا أبو حنا، وأكرم أبو حنا، وقد تمكنت الكاتبة من أن تعكس هذا ومجموعة أخرى من الصفات من خلال الرسائل التي اختارتها بدقة، ولا يخفى على القارىء المتابع بدقة ما اتسم به أنيس أبو حنا من خفة الظل، ومن روح مرحة بدت واضحة في العديد من المواقف، إضافة إلى ما اتسم به من تنوع الثقافة وعمق الفكر الذي اتضح من خلال المقالات التي تضمن الكتاب نماذج منها.

لم ينحصر اهتمام العاشق الفذ بتوجيه عبارات الشوق والغزل، وما يصاحبها من أمل، أو قلق أو توق لمستقبل قريب تتحقق فيه الأحلام، فقد تضمنت الرسائل حديثا عن تقرير أعده أنيس أبو حنا عن دراسة الطلبة العرب في الجامعة العبرية، كما تضمنت الرسائل إشارات إلى أسعار البضائع والخدمات في الفترة التي غطتها الرسائل مثل رسوم التعليم، وأثمان الكتب والملابس كمؤشر للحياة الاقتصادية في تلك الفترة، ثم الشكوى من آفة المجتمع المتمثلة في الفقر نا هيك عن الحديث عن ملامح لعادات وتقاليد الناس في الأفراح والأتراح. وبهذا تكون السيدة رنا أبو حنا قد نجحت في توظيف هذه الرسائل للخروج من الشأن الخاص إلى الاهتمامات العامة

ولا يغيب عن القارىء الصور التي قدمها أنيس أبو حنا في شأن الثقافة، ولا يستطيع الشاعر الابتعاد عن الشعر ولو استعان بأشعار غيره، هو ذا يتحدث عن الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان وقصته مع معشوقته في بلدة كفر كنه ويورد بعض الأبيات التي نظمها طوقان حول محبوبته التي انتسبت إلى هذه البلدة، ومنها هذه الأبيات:

تمر علي ساعاتٌ         أشيعها بذكراكِ

         أخشى أن يرف           الجفن يحرمُني محياك 

     مررتِ وقالوا مر النا    سُ هل أبصرت إلاكِ؟

وهو وإن ضمن رسائله هذه الأبيات إنما سعى لتمرير مضامينها إلى محبوبته، وقد وثق بذلك لحكاية من الحكايات التي تتعلق بالشعر والشعراء في فلسطين، وإن كان بشكل غير مباشر، لنتأمل هذا الموقف الطريف الذي جمع الشاعر عبد الكريم الكرمي "أبو سلمى" بطوقان، فبعد أن توقف طوقان عن زيارة كفر كنا، نظم أبو سلمى أبياتا جاء في مطلعها

                                         يا صبايا كفر كنه     آه من أعينكن

والذي أنكره طوقان بدوره، ورده لأبي سلمى عاتبا عليه بأنه "نكأ الجراح" بتذكيره بمحبوبته التي رحلت. فقال في مطلع القصيدة: "هذه قصيدة لم أقل أبياتها".

عبر أنيس أبو حنا عن بعض أفكاره التي أرد تضمينها في الرسائل عن طريق الكتابة على شكل نقاط كأن يكتب فعلت كذا للأسباب 1، 2، 3 ولعل لدراسة القانون أثر في ذلك. وتكررت في رسائله سيما في السنوات الأخيرة من الفترة المشار إليها.

ولا بد من الإشادة باستخدام السيدة رنا ابو رنا للحواشي في التعريف بالأسماء التي وردت في الرسائل المختلفة ولا بد أن ذلك تطلب ىجهدا لا يستهان به.

وفي جميع الأحوال كانت قراءة هذا الكتاب المهدى من الصديقة رنا أبو حنا تجربة فريدة استمتعت بها، فشكرا للإهداء وشكرا لها لهذه المبادرة الجريئة.

عمان في 06/12/2024

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية