news-details
ملحق الجمعة

 

  1. حبكة الرواية

تدور أحداث  رواية "أنا استثناء ... فاحذر" للكاتبة أريج عسّاف داموني حول قصّة حبّ بين فتاة في العشرين من عمرها تدعى رغد وشاب ثلاثينيّ  يدعى رجوان، جمعت بينهما حادثة طرق عند إشارة ضوئيّة إذ صدم رجوان مؤخرة سيّارة رغد، تبادلا التفاصيل اللازمة وذهب كلّ منهما في طريقه، بعد أن أعرب رجوان عن إعجابه بجمالها، لكنّ الأحداث لم تتوقّف عند ذلك، بل تطوّرت العلاقة بينهما من خلال الاتّصالات الهاتفيّة التي بادر إليها رجوان، ليلتقيا بعد ذلك في أحد مطاعم مدينة حيفا، وهناك يتجاذبان أطراف الحديث ويحتسيان النبيذ الذي أشعر رغد بدوار، يأبى رجوان أن تسوق رغد سيّارتها وهي تحت تأثير النبيذ، ويتّجهان إلى غرفة قريبة كان قد استأجرها من قبل، تبادر رغد إلى مداعبة رجوان و ويبادلها الأمر حتّى يعرّي أحدهما الآخر، ويتناوب كلّ منهما على تأمّل جسد الآخر ، وهو يقف أمامه عاريًا، ثمّ يغرقان معًا في المداعبة وتبادل القبل، وعندما يهمّ رجوان بممارسة جنسيّة تامّة، تعتذر رغد، غيرَ صادقةٍ، بحجة حيضها. لقد تعمّدت الهرب منه خشية على نفسها، إذ اعترف لها أنّه رجل متزوّج ينتظر مولوده البكر، وهي فتاة عزباء، غير مستعدّة بعد لمثل هذه التجربة.

تقرّر رغد قطع علاقتها برجوان ليعيش لزوجته وابنه المنتظر، رافضةً أن تكون سببا في تعاسة امرأة أخرى. ثمّ تتزوّج من مهندس يدعى "حبيب" بعد أن اجتمعت به في نفس المطعم الذي جمعها برجوان، تعجب به وبأفكاره التي تعكس اهتمامه بسعادتها وراحتها، لكنّ علاقتها بزوجها تتعكّر بعد مضيّ سنتين على زواجهما الذي استمرّ  ستّ سنوات، وشرعت تفكّر بطلاقها منه. في هذه المرحلة تفاجأ رغد باتّصال رجوان بها هاتفيًّا وسؤاله عن زواجها وأحوالها، ويخبرها عن طلاقه زوجته منذ سنتين، تسترسل معه في حديثهما الهاتفيّ حتّى تقطعه عليهما زيارة صديقتها حنان. تخبرها حنان أنّ رجوان رجل شبق وزير نساء، يغيّر نساءه كما يغيّر ربطات عنقه، وأنّه لا يستحق تضحيتها بحياتها الزوجيّة مع حبيب، وعندما تصرّ  رغد على معرفة سبب تحاملها على رجوان تخبرها حنان أنّها كانت إحدى ضحاياه، وهو لا يأبه لتحطيم قلب كلّ فتاة ليثبت لنفسه أنّه رجل مطلوب. عندها تقرّر رغد أن تمحو رجوان من حياتها إلى الأبد، وترمّم علاقتها بزوجها الذي نأت عنه فترة طويلة وكادت تدمّر حياتها الزوجيّة بسبب رجوان الذي تلتقيه عند الإشارة الضوئيّة مرّة أخرى، وتخبره أنّها أنهت علاقتها به منذ ستّ سنوات، وتعود إلى مواصلة حياتها مع زوجها حبيب شاعرة أنّها أنثى استثنائيّة، وقد تحرّرت من سلطة العاطفة مُغلّبةً سلطةَ العقل، ومتمثّلة قول شولز: "في النهاية سيكونُ معَك مَنْ يُحِبُّكَ، وليسَ مَنْ تُحِبُّه"(109).

 

2. الفكر النِّسْويّ في الرواية

لا يغرب عن ذهن أيّ قارئ عاديّ انتماء هذه الرواية إلى عالم الرواية النِّسْويّة؛ إذ تتبنّى الكاتبة الأيديولوجيا النِّسْويّة على المستويين المضمونيّ والأسلوبيّ، وهي أيديولوجيا ترفض كلّ الأعراف الاجتماعيّة والأدبيّة التي أرسى قواعدها الرجل؛ لما فيها من تحقير للمرأة، تهميشها وعزلها عن مجالات الحياة المختلفة، لتبقى في إطار وظيفتها التقليديّة التي أقرّها المجتمع الذكوريّ، وفي المقابل تؤسّس هذه الأيديولوجيا إلى نهج آخر يعزّز من قيمة المرأة وينادي بضرورة جعلها شريكة تامّة تمارس كلَّ حقوقها غيرَ منقوصة كالرجل تماما، فما عاد الرجل هو الأوّل وهي الآخر على حدّ تعبير "سيمون دي بوفوار"، ومنهنّ من يبالغن في دعوتهنّ إلى جعل المرأة لا الرجل في مركز الحياة بعد أن أثبت الرجل عجزه في بناء حياة آمنة سعيدة، فملأ الدنيا دمًا ودمارًا!

 

  1. 2. هيمنة المرأة على عالم النصّ– صور مثيرة للمرأة

يبدو جليًّا تكثيف حضور الذات الأنثويّة في فضاء الرواية؛ فالمبدعة امرأة، والراوية امرأة، والشخصيّة المركزيّة امرأة، إضافة لشخصيّات نسائيّة أخرى تعزّز من حضور المرأة، بذلك تهيمن المرأة على عالم النصّ حتّى لا يمكن تطوّر الأحداث إلّا مع حركة وفاعليّة المرأة البطلة، وهي إستراتيجيّة تنسحب على مستوى المضمون والآليّات الفنّيّة الموظّفة في الرواية.

تقدّم الرواية صورة جديدة ومثيرة للمرأة تتجلّى في شخصيّة البطلة رغد التي تتكشّف صفاتها لا وفق سلوكها فحسب، إنّما اعتمادًا على ما تصرّح به، إذ تقول: "لم أعتد الهروب مطلقًا، بل اعتدت المواجهة دومًا لدرجة أن صديقاتي ينعتنني (بأمّ مدفع)"(الرواية: ص9)، تؤمن رغد أنّ من حقّها أن تكون مغرورة بنفسها، فهي فتاة عزباء، جميلة، تحبّ أن تكون ذاتها، فتقول: "يحقّ لي أن أكون أنا، فعندما تطأ رجلاي الأرض تهتزّ انتصابًا"(ص12). وهي امرأة غير قابلة للكسر، تميل كالسنابل أمام الريح حتّى لا تكسر. تعترف رغد حتّى بصفاتها السلبيّة فتقول: "أعرف أنّي حادّة الطبع، غريبة التفكير، منطلقة، مندفعة، قويّة، وأعرف كيف أحبّ، لكنّي وإن فشلت أفشل في اختيار الحبيب لا الحبّ"(13). وهي تؤمن أن "لا مكان للخوف في الحبّ ولا مكان للاستسلام، ولا مجال للقلق والكآبة، من يحبّ سيواجه ولن يستسلم لأيّ نوع من أنواع الاحتلال"(14). أمّا حبيبها رجوان فيراها امرأة قويّة ومسيطرة، إذ يقول: "أحببت فكرة أن أقف أمام امرأة صاحبة جبروت وسيطرة، تديرني هي، وتسوق فيّ حيث يشاء هواها"(19). 

إنّها امرأة لا تصدر إلّا عن ذاتها، خطواتها محسوبة بجدّيّة، تفكّر في كل موقف تتّخذه كما تشاء، وفي ذلك تقول: "أجيد خلق البدايات ونقش النهايات بتخطيط مسبق ومتعمَّد، فعندما قرّرت الانفصال عنه، كنت قد لوّنت النهاية في يديّ، ورسمتُ نهاية جديدة بعيدة عن قطاره المتدفّق بخيبات الأمل وبجنونه!"(19).

تظهر رغد امرأة جريئة تجاهر بعلاقتها الغراميّة؛ لأنّها لا تتّخذ إلّا ما تؤمن به من مواقف، وقلّ أن يقنعها إنسان ما بشيء ترفضه، فهي تستجيب للقاء رجوان في حيفا،ولا تخشى من المجاهرة بحبّها، تسير معه، وهي تتأبّط ذراعه، ممّا يُشعرُها بالسيطرة عليه وعلى دقّات قلبها(35). وممّا قد يثير الدهشة أو النفور من سلوكها جرأتُها في المبادرة إلى ممارسة جنسيّة مع رجوان، ثمّ تنكّبها عن متابعة تلك الممارسة؛ لأنّها كانت تخشى على نفسها من التجربة الأولى مع رجل متزوّج ينتظر مولوده البكر. وفي هذا المقام يعنّ أمام القارئ السؤال التالي: ما الذي أرادته رغد من تواصلها الجنسيّ المنقوص مع رجوان، ولماذا لم تذهب معه حتّى نهاية الشوط؟! تجيب رغد قائلة: "أردت أن أعلّمه أنّ هناك نساءً يعرفن كيف يعشن الحبّ ولو لليلة واحدة... أردت له ليلة لا يمكن له أن ينساها! ألم يقل عندما لمحني من النظرة الأولى أحببت كونك رقيقة؟ وأنا سأقتله برقّتي هذه الليلة لتبقى له في الذاكرة ميعادًا عند لقائه بأيّ امرأة أخرى سواي. حتما سيتذكّرني... ويتحسّر! هكذا أكون قد انتقمت لضعفي بضعفه"(53 – 54).

إنّ هذه السلوكيّات الصادرة عن رغد والصفات التي تتميّز بها تعكس الفكر الذي تتبنّاه المرأة،فما يحقّ للرجل يحقّ للمرأة أيضًا، وتؤكّد من ناحية أخرى التغيير الواضح الذي طرأ على صورة المرأة، فهي لم تعد خاضعة لإملاءات الرجل في أيّ مجال، بل أضحت قائدة، فاعلة،ومبادرة  حتّى في علاقتها الجنسيّة، وهي التي تقرّر أتسترسل في تجربتها الجنسيّة أم تتنكّب عن الأمر، وذلك وفق ما ينسجم مع فكرها، أو ما تجده مناسبًا لها.

تعلن رغد ابتداءً من العنوان أنّها امرأة استثنائيّة، ويتّضح ذلك الأمر في مواقفها العديدة التي تتّخذها، فهي ما عادت ترضى الذلّ والمهانة، وتحتجّ بصرامةعلى نعتها وزميلاتها بلفظة "ساقطات" من قبل المسؤول عن الانتظام خلال فترة التدريب المهنيّ؛ لأنّهن عدن من الاستراحة متأخّرات، وتصرّ على أن يعتذر عمّا تفوّه به، فيوضّح لها أنّه قصد راسبات، فاعتبرت توضيحه اعتذارًا وتراجعًا عمّا قال(45 – 47). وحينما تكتشف رغد حقيقة كون رجوان زير نساء، وأنّها ليست الوحيدة التي سقطت في شباكه بل كثيرات أمثال صديقتها حنان، تخبره، عندما أصرّ على أن تفتح زجاج نافذة سيّارتها حيث التقته عند الإشارة الضوئيّة، أنّها أنهت علاقتها به منذ ستّ سنوات، وتجرّدت من كلّ المشاعر نحوه، لقد أضحى رجلًا غيرَ مرئيّ بالنسبة لها، ولا يهمّها ما يحدث معه، وفي ذلك تقول: "بدت مشاعري واضحةً أكثرَ من أيّ وقت مضى، هي مشاعر مختلفة حقًّا... لم أشعر بأنّي أنثى استثنائيّة قبل الآن!"(108).

توظّف الرواية صورة أخرى للمرأة متمثّلة بشخصيّة حنان، صديقة الراوية، التي تشاطر البطلة في كثير من مميّزاتها، فهي جامعيّة وعاملة اجتماعيّة متألّقة وإعلاميّة متمرّسة، شاطرت رغد حياتها في مختلف مراحلها حتّى الجامعة، ابتكرتا لغة غريبة خاصّة بهما، لغة الرموز التي لا يفهما سواهما حتّى غدت كلّ منهما كتابًا مفتوحًا أمام الأخرى، وهي على معرفة تامّة بعلاقة صديقتها رغد برجوان، ورغم ذلك استطاع  رجوان إغواء حنان لتكون ضحيّة أخرى من ضحاياه ، لقد وقعت في شباكه، أحبّته مثل حبّ رغد له، لكنّها وَأَدَتْذلك الحبّ عندما وقفت على حقيقتهواكتشفت حقارته وسعيه وراء إشباع غريزته الجنسيّة دون أن يبالي لتهشيم وتحطيم قلب أيّ فتاة ليثبت أنّه رجل مطلوب، وحذّرت رغد منه حتّى تشفى منه كما شفيت هي(83).

صورة أخرى للمرأة الحازمة نجدها في شخصيّة أمّ البطلة، فهي امرأة صارمة، حنونة جدًّا، معطاءة، عندما تحبّ أحدًا تُفْتَحُ له طاقةُ الفرج الإلهيّة، وتهلّ خيرات العالم والمعالم عليه، أمّا إذا لم يرق لها، فيا حسرة من ولدته عليه. هي امرأة لا تسمح بالخطأ لأكثر من مرّة إلّا لرغد حتّى تتعلّم وتجيد الاختيار. تعتني ببناء كلّ شيء بدقّة ولو استغرق سنواتٍ عديدةً، لكنّها قد تهدم كلّ ما بنته في ثانية واحدة! تزوّجت بوالد رغد بعد قصّة حبّ عميق لكنّها لم تتقبّل خيانته لها، فمحته كلّيًّا من حياتها(67 – 68).

تقدّم الرواية صورة للمرأة التقليديّة السليطة اللسان والجريئة التي لا تسمح لأحد أن يقلق راحتها، متمثّلة في شخصيّة "أمّ سميح"، جارة البطلة وأكثر نساء الحارة رجولة. فحين تسمع جارها "أبو محمود" يردّد "لاجعل طلاقك أهون ما يكونا"، فيخرجها من طقوس وحدتها واختلائها بنفسها، تشرع في شتمه مذكّرة إيّاه كيف كانت زوجته تلحقه بالشبشب لأتفه الأسباب، وتطلب منه التوقّف عن الغناء مهدّدة بقولها: "ولَك "أبو محمود" بلاش أبلِّش فيك، ضُبّ حالك وضُبّ أغانيك خلّيني أعرف أخود قيلولتي! قبل ما أخلّي الله يوخدك"(8)، فينصاع لأوامرها ويصمت. تستحضر البطلة هذه الشخصيّة كشخصيّة مساعدة في كلّ موقف تشعر فيه أنّها بحاجة إلىسلاطة لسانها، مثل تردّدها في الردّ على مكالمة رجوان بعد انقطاعه عنها ستّ سنوات، فتقول: "كنت سأترك لها حرّيّة الردّ عليه دون أن أتلفّظ بكلمة"(21)، ومثل ذلك تفعل عندما ينعتها وزميلاتِها مسؤولُ الانتظام خلال فترة تدريبهنّ على العمل بلفظة "ساقطات"، عندها تستحضر صورة أمّ سميح وتستجمع شجاعتها لتردّ عليه بجرأة ولا تتركه حتّى يقدِّم اعتذاره(46 – 47).

إنّ هذه الصور النِّسْويّة الموظّفة في الرواية تعكس التطوّر الكبير الذي طرأ على مكانة المرأة في المجتمع نظرًا لعوامل عديدة أبرزها ثقافتها الأكاديميّة، استقلالها الاقتصاديّ، وانفتاحها على مجالات الحياة المختلفة عالميًّا وعربيًّا؛ ممّا جعلها امرأة واثقة بنفسها، جريئة في المطالبة بحقّها، لا تقبل الظلم وتتصدّى له مهما كلّفها، رغم ما نجد من سلبيّة في بعض الصور التي لا تنسجم  مع الواقع الذي تعيشه المرأة، فتبدو المرأة غير مقنعة في مثل هذه السلوكيّات، كالمجاهرة على الملأ بالحبّ، أو وصف ممارسة جنسيّة بالضمير الأوّل دون خشية أو وجل.

2.2. .صورة الرجل في الرواية– مؤسّسة الزواج

تظهر صورة الرجل في الرواية منفّرة لما تتّسم به من صفات سلبيّة كثيرة تتجسّد في سلوك معظم النماذج الذكوريّة الموظّفة في الرواية، أبرزها صورة رجوان التي تُفَصّلُها صديقتها حنان خَلْقًا وخُلُقًا؛ فهو رجل وهميّ من ورق، خائن، خان زوجته، خطّط لإقامة علاقة جنسيّة مع رغد منذ لقائهما الأوّل، إذ استأجر غرفة ليحقّق فيها رغبته. إنّه مريض جنسيًّا ونفسيًّا كرّر هذه اللعبة مع عشرات من النساء، يستغلّ شهرته ووساخة حضوره، ملامحه قاسية جدًّا، وهذه القسوة مقتنصة من قلبه، أنفه غليظ لا يتناسب مع تقاسيمه العارية، صوته كخروف مقبل على الذبح(73 -74).إنّه رجل لا يعرف الحبّ، خان زوجته ثمّ طلّقها، ولن يمنعه شيء من خيانة رغد أو غيرها، أهمّ ما يفكّر به هو "ذيله الأماميّ"، وهذا ما تعلّمه عن الرجولة في مجتمعه الذكوريّ. إنّه رجل وقح يعلم أنّ رغد متزوّجة فلا يردعه شيء عن العودة إليها، وهو مخادع غير صادق فيما يدّعيه من الحبّ، ولو كان محبًّا ما غاب عن حبيبته كلّ تلك المدّة، أو لما طلب منها ألّا تتصل به، بل هو سيفعل عندما يتمكّن، حتّى لا يفتضح أمره، ويبدو رجوان متذلّلًا مخادعًا في تعليله لغيابه، فقد تكالبت عليه الحياة، على حدّ قوله، وخسر كلّ شيء؛ عمله، بيته، ونفسه، وأضحى طريح الكآبة ينتقل من طبيب نفسيّ لآخر(23)، هكذا يحاول رجوان استعطاف رغد لتتيح إمكانية استئناف علاقتهما، إلّا أنّها تقرّر مَحْوَهُ من حياتها حسبما تشير الكاتبة في العنوان الفرعيّ للرواية.

لا تقتصر الخيانة على رجوان فقط، بل يلتقي القارئ بنماذج أخرى للرجل الخائن كوالد الراوية الذي خان زوجته رغم الحبّ العميق الذي جمع بينهما، تقول الراوية: "لم تستطع أمّي أن تتقبّل خيانة أبي لها! محته من حياتها كلّيًّا، ما بين ليلة وأخرى. لكنّني واثقة تمام الثقة أنّها لم تنجح بمحوه من قلبها إطلاقًا"(68).  ويلتقي القارئ بصورة سلبيّة أخرى للرجل، هي صورة الرجل القاسي في تعامله مع المرأة متمثِّلةً في تعامل صاحب الدكان الذي دخلته رغد لتشتري زجاجة ماء، فسمعته يصرخ بأعلى صوته على زوجته، ولمّا لمح الراوية قادمة أمسك زوجته بهمجيّة، ووضع يده على عنقها واليد الأخرى على فمها دون أن يردعه عن الفعل صراخ طفلهما المتواصل(30 -31).

تلتفت الراوية البطلة لصور الرجل الإيجابيّة التي تتمثّل في شخصيّة زوجها حبيب، فهو إنسان يُحسن معاملة المرأة ويُشعرها بقيمتها، ولا يفرض نفسه عليها، ويترك لها الخيار في أن تواصل الحياة معه أو  تقطع علاقتها به إذا ما شعرت برغبة في الانطلاق بعيدًا عنه، يريد حبيب للمرأة أن تكون على طبيعتها دون استخدام مستحضرات التجميل، إنّه رجل صادق، يخلص للمرأة التي يعيش معها، وهو رجل ذكيّ يعرف كيف يجذب المرأة ويبقيها بجانبه، وهو محبّ لزوجته يبكي لأجلها عندما سقطت أرضًا وأغمي عليها، وفي ذلك تقول: "هل يُعقل ألّا يُحبَّ رجلٌ مثله"( 102)، إلّا أنّه ينشغل عن زوجته ويقل اهتمامه بها لكثرة أعماله فتسوء العلاقة بينهما لدرجة تجعل رغد تفكّر بالانفصال عنه، رغم أنّه كان يخصّص نهاية كلّ أسبوع للبقاء مع زوجته، وتعترف رغد أنّها كانت تفتعل المشاكل مع زوجها بسبب شوقها لحبيبها رجوان،إنّه سبَبُ توتّر علاقتها بزوجها، ولمّا تأكّدت من عدم استحقاق رجوان لكلّ تلك التضحية نبذته وعادت لتعيش آمنة مطمئنّة مع زوجها الذي يظهر اهتمامه بها ويغدق عليها بحنانه، تقول: "فنحن النساء نحتاج الاهتمام والحنان أكثر من الحبّ أحيانًا"(109).

تلمّح الرواية لمؤسّسة الزواج وما تمنحه هذه المؤسّسة من سلطة للرجل على المرأة التي تتّضح في علاقة صاحب الدكّان بزوجته، فهو رجل مستبد قاسٍ، لا يتحدّث مع زوجته إلّا بالصراخ، يحاول خنقها عندما تهمّ بالحديث ولا يسمح لها بمناقشته، ممّا يثير حفيظة البطلة لتقول: "المؤسّسة الزوجيّة تحتاج لرجل... ولا مكان فيها لأشباه الرجال"(32). في موضع آخر من الرواية توجّه الراوية نقدًا لاذعًا للحياة الجنسيّة بين الزوجين دون أن يجمع بينهما الحبّ، وتعتبر  هذه الممارسة الجنسيّة المجرّدة من الحبّ زنا، أو طلاقًا عاطفيًّا قبل أن يكون جسديًّا، بل هو مشهد شرعيّ لمُغتصِبٍ ومُغتَصَبٍ تحت وثيقة الزواج، وهو مشهد يتكرّر كثيرًا داخل مؤسّسة الزواج(32- 33). في نهاية الرواية تستشهد الراوية بمقولة "جون غراي" في كتابه "النساء من الزُّهرة والرجال من المريخ" تفيد أنّ "50% من الذين يبقون متزوّجين يبقون نتيجة للولاء والالتزام أو نتيجة الخوف من البدء من جديد"، الأمر الذي يشير إلى أنّ مؤسّسة الزواج هي مؤسّسة فاشلة برأيه، نقده لمن يبقى في هذه المؤسّسة للأسباب المذكورة، دعوته إلى بدء حياة زوجيّة أكثر  سعادة وانسجامًا، كما نلمح فيها تشجيعًا أو تثويرًا لكلٍّ من الرجل والمرأة للخروج من هذه المؤسّسة الفاشلة رغم ما يعكسه التخلّي عنها من تمرّد على الشرائع الدينيّة والاجتماعيّة.

 

2.3. ثيمات عامّة

تخرج الراوية عن مناقشة ثيمات خاصّة بالمرأة لتستعرض موضوعات عامّة تشغل الإنسان العربيّ عامّة والفلسطينيّ خاصّة، سياسيّةً كانت أم اجتماعيّة، أو وطنيّة، مؤكّدة بذلك أنّها غير منعزلة عن قضايا شعبها وأمّتها، لكنّها لا تتعمّق كثيرًا فيها بل تذكرها من خلال ما دار من حديث هاتفيّ بين البطلة وحبيبها رجوان؛ كوصف الأوضاع السياسيّة في إسرائيل، التضييقات على الإنسان العربيّ، العنصريّة، والتّهجّم، سياسة التصفيات، مظاهر العنف والقتل في المجتمع العربيّ، ممارسات الاحتلال الفظيعة ضدّ الإنسان الفلسطينيّ التي ما زالت البطلة تشهدها في اجتياح الجيش الإسرائيليّ لغزّة خلال عمليّة "عمود عنان" إذ أمطروا غزّة بوابل من الصواريخ التي خلّفت دمارًا كبيرًا، وأتت على حياة الكثيرين من أهلها، وتنتهز البطلة الفرصة لتردّ على مقولة "جولدا مئير" (المقولة في الأصل لدافيد بن غوريون): "الكبار سيموتون والصغار سينسون" معقّبة عليها بقولها: "مؤكّد أنّ "السيّدة مئير" لم تتخيّل حتّى في أحلامها بأنّ ذاكرة الاحتلال والوجع لدينا تنتقل بالوراثة، فنحن نرث الأرض عن أجدادنا ونرضع الحبّ من ذات الأرض، ونرث الذاكرة عنهم كوحدة واحدة لا تفترق، نحن هو الجيل الذي لن ينسى"(26 – 27).

(يتبع)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب