إيلي عمير كاتب يهودي عربي بغدادي وُلد عام 1937 ، استُقدِم إلى البلاد مع آلاف العراقيّين عام 1950 ، اسمه الكامل كان: نوري/فؤاد إلياس ناصح بن سليم خلاصجي، المُشْتَقّ مِن خلاصة الذهب، والجدّ الأوّل كان صائغًا محترفًا. عدد صفحات كتابه فتى البُسكْليت 624 ،حجم متوسّط،دار النّشر:(عام عوفيد)/شعب عامل،صدرت في أواخر 2018 ،وهي رواية/ سيرة ذاتيّة،عُبْرِنَ اسم الكاتب هنا فأصبح إيلي عمير، رغم الرّخاء،العِزّ،الرّفاهيّة، اليُسْر و... في عاصمة الرّشيد كما يُسمّيها،وضفاف دجلة، إلاّ أنّ الدّعايات الصّهيونيّة المُغرضة، خاصّة بعد أحداث الفرهود والاعتداء على الأحياء اليهوديّة هناك، وَدَبِّ الذُّعْر والقلق في أوساط اليهود العراقيّين وغيرهم، وبعضهم كان قد انخرط في النّشاط الصهيوني والحزبي، وتواطؤ حكومة دافيد بن جوريون مع حكومة نوري السّعيد، وضْع المُتفجّرات في بعض الكُنُس هناك،ومن قِبَل الأجهزة الإسرائيليّة بالذّات،حدث البركان ، وَحِمَمُهُ النّارية،وقطارٌ جوّيٌّ من إيران الشّاه إلى مطار الّلد،حكاية وسيرة من حكايات ألف ليلة وليلة، تدور أحداثها في عدّة محاور: بغداد، المعبرة، قرية العميان قُرب جديرة (جدرة)، كيبوتس مشمار هعيمك (بلدة أبوشوشة)، القدس، ومرسال على البُسُكْليت في مكتب رئيس الحكومة.

نوري، إخوته ووالداه لا يتنازلون عن لغتهم العربيّة العراقيّة فنسمعهم يقولون: نحن يهود عرب موسويّون.

نترك الكاتب مع غراميّاته، نزواته،غزواته،طيشه وبقيّة خصوصيّاته وَوَلْدناته، ونحاول التّركيز على الأمور الحياتيّة، المعيشة، المُعاناة هنا في الجنّة الموعودة، التي تبدو له جهنّم الحمرا، بعد التّهجير القسري، وظلّت بغداد سِتّ البلاد ، والبصرة خلّت في قلوبهم حسرة.

**صُور ومشاهد متناقضة

من بين المظالم ، التّعسّف والتّمييز ضدّ الشّرقيّين هنا بالذّات يُشير الكاتب إلى: حشرات البَقّ التي تلازم فراشهم، رغم الرّش بالمبيدات الحشريّة وتشميس الفراش نهارًا وَكَتُّهُ يوميًّا، فقر وجوع وحرمان، كآبة وحنين إلى ماضٍ قريب، وتمييز عرقي صارخ واستعلاء، ابن سِتّ عشرة سنة مراهق يمارس الأشغال الشّاقّة، لعلّه يخفّف من وطأة الحِمل على والدَيه اللذَين يحافظان على زيّيهما العراقيّين.

من بين المواضيع التي يطرقها الرّاوي: الاحتكاك والحسّاسيّة بين اليهود الشّرقيّين والغربيّين/الشكناز/الفوزفوز،المؤسّسة الحاكمة تفضّل الغربيّين على الشّرقيّين، زَجّ معظم الشّرقيين( 90 %منهم/ 225000 نسمة) في مخيّمات ومعابر بدون المرافق الأوّليّة والخدمات الآنيّة، نظام التّقنين والتّقطير أو النّقاط، مصادرة اللغة والحضارة والتّراث والعِزّة والكرامة، الوالدان يُرزقان بمولود جديد هنا ، يُسمّيانه هرسل، لعلّ الإسم يشفع لهما لدى المؤسّسات، وكأنّ الله جازاهم فكان الولد مشلولًا، نظام الوساطة والحكم العسكري ، العيون والمخابرات، زرع الشّك بين المواطنين.

الفقر يُجْبرهم للتّطاول على اسم الجلالة وإبراهيم واسحاق، يعقوب وموسى وابن جريون، التّحَسّر على كافّة المرافق والرّفاهيّات في العراق: كهرباء، منافع، ساحات،دور سينما مسارح وملاهٍ، هنا الاستحمام بالمياه الباردة ، أو تسخين الماء على بريموس أبو فتيلة، أكثر ما يتيسّر للغذاء: رغيف خبز أسود، كسرتا خبز مدهونتان بالمرجرينا يتوسّطهما شُقْح بندورة لكلّ فرد، وفي أحسن الحالات شريحة صغيرة من السّردين، مع صحن مرقة من مسحوق الدّجاج، العداوة بين حزبَي مباي الحاكم وحيروت المُعارض شديدة، من لا يملك بطاقة حمراء يعيش مهمّشًا، على الجميع التّسبيح والتّهليل لخليفة اليهود ابن جريون، أبناء الذّوات يترفهون في النّعيم وعامّة الشعب في الجحيم، أخوا نوري:ناظم/موشي وصباح/يتسحاك، العمر 12 و10 سنوات يُضطرّان على ممارسة الزراعة لِسَدّ رمق الأسرة.

**عَيِّنات واقتباسات

نطوف معًا مع مختارات من كلمات،جُمَل، تعابير عربيّة ومُعبرنة متفرّقة،هنا وهناك داخل النَّصّ،لعلّها تعطينا صورة مُصغّرة عمّا عاناهُ اليهود في أرض الميعاد:

في ذهاب أبي لمكتب التّشغيل في المعبرة هنا، ساعة جيبه مربوطة بسنسال ذهّبيّ في جيب جاكيته، مُتعطّر بكريم بريليانط كريم، بدلة رسميّة عراقيّة، ربطة عنق فراشة، الموظّف المتعجرف يقول له: من يأتينا بهذا الزّي لا يحقّ له عمل عندنا، كي يرتاح الأهل من همّي أنا البِكْر، ارسلوني لمعسكر الشّبيبة في كيبوتس مشمار هعيمك، المقام على أراضي البلدات المُهجّرة: أبو شوشة، روبية الفوقا وروبية التّحتا في تخوم مرج بن عامر،كانت للقرى علاقات جيرة حسنة مع الكيبوتس قبل التّهجير، حين يشاهد أبي معالم هذه القرى، يتذكّر بلدته جفلة العراقيّة وبغداد وحنين إلى العراق، لا هنا ليس بغداد، ولا مُتَنَزّه سعدون باشا، أنا في الكيبوتس وقلبي في بغداد، الله أكبر الله أكبر! فواكه أبوشوشة ، الخوخ، الكريب فروت ( ثمار الجنّة/ ن ن)، عنب، مشمش لها طعم ومنظر خاصّ، ثمار الكيبوتس طعمها تافه بالنّسبة لثمار القرى المهجّرة، كلب ما زال يجوح وينوح على صاحبه العربي،أحِنُّ إلى الكُبّة العراقيّة، طعام الكيبوتس لا يروق لي، إن شا الله أدخل يدَيْكِ واقعد بقلبِك، تفتحيها لعينيكي وَيّاي وتنامي، تلك معبرة المنسي، الإشارة إلى (بلدة المنسي المُهجّرة/ن ن)، أجلينو لَطولَك فرّج قلبي، مكتبتي هنا كلّها عربيّة، يا أمّي أجا إبنِك، حضّريلو أكلة عروق بْسَمَك، على بريموس أبو فتيلة، هذا الجار عزيز الضرير مع قانونه/ 78وترًا، وكمنجته وتقاسيمه ومقاماته والعزف الحزين، أبي يضربني هنا، هناك في بغداد عمرو ما رفع إيدو عليّ ولو مرّة واحدة، لعنة الله على :هرتسل، إبن جوريون وفايتسمان، يتسابق نوري وإخوته على قِحاطة الطّنجرة، تُصبحون على خير، صباح: إذا كانت هذه هي أرض إسرائيل فلنهرب منها سريعًا، في بغداد كنتُ سيّدًا وهنا أنا مهاجر عربي يهودي مُحْتَقَر! بغداد وهذه البلاد عالمان مختلفان،جولده مئير هي عزرائيل، ملاك الموت، بدّوقة بنت بداديق، تساوي عشرة رجال، الأمّ هنا تَشُكُّ قلائد الفول، البامية، البندورة والفلفل، تشتري الدّجاج العربي البيّاض، تلعنُ الغبار كما تلعن الصّهيونيّين الذين شطفوا دماغهم، كانت تتصدّق هناك خفية على المعوزين ، وهنا فقر مُدقع، تسعة أنفار يتقاسمون سمكة واحدة أسبوعيًّا، تتذكّر القيمر ومربّى الصّفرجل ، تستعين بببّور الكاز وتنقب رأسه بالإبرة، نسيتْ ما ألحقه بهم بعض المسلمين وحنّتْ إلى بلد الرشيد، الوالد يعتزّ بكتبه العربيّة التي جلبها من هناك، الخال عزرا كان زميل عبد الكريم قاسم في صف واحد، وكان عندنا ابن بيت، تعلّم لهجتنا وأمّي أحبّته كثيرًا، تتفاقم الأوضاع السياسيّة وتتكدّر الأحوال، عبد الكريم قاسم ينصح عزرا بالرّحيل خوفًا على حياته، ثم تعود الأمّ وتطالب بالعودة إلى بغداد مهما كانت الأحوال، وْهونْ تساوَتْ القَرعة وْإمّ الشّعر، الحداد العراقي7الأعمى كان يعرف كافّة المعادن باللمس، شيعي يصرخ على جدّه: يهودي نَجِسْ، بَتْذَكّر براميل الجبنة في بغداد والمُعقّدات/ المعقودات المختلفة، المسلمات واليهوديّات تبادلن ترضيع الأطفال، الجارة المسلمة خيريّة أنقذتنا من أحداث الفرهود، الأمّ هنا ترقع ملابس أولادها وتستعين بماكنة سِنْجِر، عمّو نوري كان شيوعيًّا، كان اختطاف بنات يهوديّات في العراق، الأولاد والبنات لعبوا لعبات: الْإكْس، القفز على الحبلة، ودحرجة العجال، الأخوات غُيّرت اسماؤهنّ، فوزيّة صارت شوشنة، كلاريس صارت أريئيلة، إقبال صارت روتي، البيع والشّراءهنا بالتّقنين/ النّقاط طبقًا لسياسة وزير التّقنين: دوف يوسف،البقّال الروماني غشّاش، هكذا يلفظ يهود العراق هنا أسماء القادة: هِرْسِل، ويزْمَن، ابن غريون والزّيونوت( الصهيونيّة ن ن) يقول اليهودي العراقي المُستقدَم ساخرًا : كُسّ إمّكو وْإمّ إمّكو ودولتكو ص75 ، في بغداد كانت مدارس لتأهيل المعاقين، نقضي أوقاتنا في ملهى الجواهري، نستمع إلى الحفلة الشّهريّة لِأمّ كلثوم، عبد الوهاب قال بلسانو لَعزيزفي بغداد: إنتو اليهود بوركتوا بالمواهب، مكث في بغداد شهرًا كاملًا، استمعنا له ليليًّا،طربنا لأغنية أمّ كلثوم: غنّيلي شْوَيّ شْوَيّ/غنّيلي وْخوذ عينَي، المغنى حياة الرّوح/ يسمعها العليل تِشْفيه، الإمّ في بغداد مسلمين وْهون مسلمين، بعد عشرين سنة لوين بدّنا نروح! يا الله ! يا ساتر!جالسنا رياض السّنباطي في بغداد واستمعنا إليه،مغنّيات يهوديّات عراقيّات: سليمة مراد، عفيفة اسكندر، زكيّة جورج،نرجس شوقي. حاول اليهود هنا التّمسّك بهويّتهم وحضارتهم ،حُكم عسكري،نوري وأبوه: نحن ضحايا الثّورة الصّهيونيّة ص94 ، طعم الحلويات العراقيّة ما زال تحت ألسننا، خاصّة: البَعْبَع/الكعك،الإخوة والأخوات يخاطبون أخاهم البِكر ساخرين : راح الوزير، أجا الوزير، حين يشاهدون أمرًا غريبًا يقولون: الله أكبر! يقول أحدهم له ذاكَ مشفى شَعَري صيدِكْ، فيتذكّر مشفى مئير إلياس في بغداد،هذا دكّان أبو الخير المقدسي! لا هذا أبو الخير البغدادي، الأب مُدْمِن على استعمال : الزّعوط، يحدّثونه عن مجزرة دير ياسين وتقسيم القدس، الخالة نونا المقدسيّة كانت فاطمة،تعيش في كوخ/قَبْوٍ حقير مقدسي، بلكاد ترى النّور، رغم قدومها قبلهم بعشرين سنة ،ملابس البغداديّات محتشمة،تُجيبُ ابنَ أختها : على عيني وراسي يا نوري!دِيرْ بالَكْ إنتي هون في جهنّم مش في بغداد.

في حانوت الكتب سطيماتسكي كان يتصفّح جريدة الاتّحاد، عرب هذه البلاد كعرب بغداد، كتب توفيق طوبي ص 270: لن يكون سلام بلا دولة فلسطينيّة! هذه المدرسة لا تشبه مدرستنا الوطنيّة في بغداد، حزب مباي يحقد على الشّيوعيين ومبام، ويتجاهل الحضارة العربيّة،

 

**حقائق ووقائع

بغداد سِتّ البلاد، هذا ما يقوله العراقيّون ، أمّا نوري فيتذكّر بغداد دائمًا،يأتي ذِكرها في النّص أكثر من مِئتَيّ مرّة، لسان حاله يقول: شوارع بغداد أمامي،، شارع الرّشيد،لَفَّة الكباب، البيض المسلوق، رفع الآذان،رنين أجراس الكنائس ما كانا ليقلقانه، ظلّت بغداد مثله الأعلى بالمقارنة مع القدس، وجودي في القدس كعصفور في قفص، عدا عن عويل: يا الله بيتار! يا الله، لا مجال للمقارنة بين مكتَبَي وزارة الخارجيّة هنا وفي بغداد، لو بقينا هناك لاشْترى أبي لي كل ما ترنو له نفسي،حديقة إخوته في بلدة العميان، اسمها الرّسمي: أوريئيل/ نور الله/ مزدانة بالخضروات: لوبية، بامية، باذنجان،بطاطا، شمندر، لِفْت، فول، بقدونس، كُزْبرة، رشاد، كوسا، عُطرة، نعنع، حَبَق، بصل ،عنزة حلوب، والحاجة أمّ الاختراع، الكاهن اليمني هنا يسرق دجاجة الأهل ويعترف لهم، والله مِن القِلّة والجوع، هذا مطعم طرابلس في القدس،عرب عراقيّون، عربوش ، عَرْبَرْبَرِيّين، أنا أتجوّل في القدس وأتخيّل نفسي في بغداد، أحد سلاطين بني عثمان عيّن جدّي حارسًا على قبر النبي حزقيل،حتى حبيبته ميخال تعاتبه: أنتَ هنا وإحساسك في بغداد، يتحسّر على القهوة العربيّة سُكّر زيادة، تُلِحّ عليه ميخال : هل كنتَ في خارج البلاد؟ نعم كنتُ في بغداد وفي ساحة هارون الرشيد! صادروا هنا كرامتنا وشهامتنا، الأمّ تندب سوء حظّها وبؤسها بعد جنّة بغداد، وتحلم في بيت عربي أنيق هنا! الأبناء يسطون على مزرعة الموشاب من الجوع ، يسرقون بطّيخة ويرقصون حولها طربًا ،منذ قدومنا هنا لم نذُق طعم البطّيخ،هناك ليليًّا أكلنا البطّيخ بالجبنة، ينهرهم الأب: ما هذا هل أصبحنا حراميّة! كلّو من العَوَز يابا! حُمّص هذه البلاد عبارة عن رَمْل وَزَيْت! توجيه أبناء المعابر للمدارس المهنيّة فقط كي يكونوا بنّائين وحدّادين، برّاكيّات الزينكو أتون صيفًا وثلاّجة شتاءً، الخيام تطير مع الرّيح، حين تواجههم مشكلة يردّدون، يا الله عليك المُتّكل، أحداث الفرهود الأليمة في بغداد ص 232 ، وليالي العزّ هناك: سهرات،مقامات، تقاسيم، الليالي، العتابا، الطّقطوقة، الغنّيّة، القصيدة، المسرح، السّينما، واقتلاع قسري!نوري يسنأجر غرفة في القدس، تُذَكّره بمغارة علي بابا والأربعين حرامي،عمّو عزيز أُصيبَ بالعمى ثلاث مرّات: الأولى مِن الله، الثانية من الصّهيونيّين، والثالثة في قرية العميان(اوريئيل)نور الله!

**حنين وأنين

ترديد وغناء مع أمّ كلثوم: على بلد المحبوب ودّيني/طال شوقي والبُعد كاويني/، الفوزفوز يلعن أبوهم يعتقدون أنّنا عرب!حَيّ الشيخ بَدْر المقدسي بُنِيَت على أنقاضه الكنيست السّلطة التشريعيّة! بن جوريون هو خليفة اليهود، يشجّع اليهوديّات على كثرة التّناسل، مَن تُنجب عشرة أولاد تحصل على منحة ألف ليرة! اسحاق نافون سكرتير خليفة اليهود يقول ص318 بن جوريون يُشَكّك بمصداقيّة التّوراة،، هو ومناحم بيجن شاعران من عصر الجاهليّة، الشّرطة تُرغم القادمين على النزول من الشّاحنات، نوري يتخيّل نفسه عضو كنيست كهارون الرشيد في بغداد، وكي يحقّق أمنيته قَدِرَ على شراء رغيف فلافل كاملًا! في حانوت الكتب سطيماتسكي كان يتصفّح جريدة الاتّحاد، عرب هذه البلاد كعرب بغداد، كتب توفيق طوبي ص 270: لن يكون سلام بلا دولة فلسطينيّة! هذه المدرسة لا تشبه مدرستنا الوطنيّة في بغداد، حزب مباي يحقد على الشّيوعيين ومبام، ويتجاهل الحضارة العربيّة، في بغداد كانت مواصلات عامّة لتسفير الطّلاّب، أسواق القدس لا تضاهي أسواق بغداد،بغداد والكباب كالفلافل في البلاد، نوري وزبولون يشتريان رغيفّي عيش تنّور، يقترب زبولون من أصحاب منقل يشوون الكباب، يفتح رغيفًيّ الخبز ويُعَبّئُهما بدخان المنقل ورائحة الكباب، يلتهمان الرغيفَين بنهم، ومن هنا صار لقب زبولون أبو الكباب ص 307، صوت اسرائيل يشطف دماغ العرب، مئير خال نوري كان في بغداد محرّر صحيفة عبريّة يوميّة، حُلم موشي شاريت : عقد اتفاقية سلام مع العرب،ولهذا أبعده بن جوريون عن وزارة الخارجيّة، الاعتداء على عرب البلاد أمر طبيعي، بعض القادمين يتبنَّون الفكر الصّهيوني التّوسّعي، يهود المشرق كانوا في الطّليعة هناك وفي المؤخّرة هنا، هنا عبرنوا أسماءنا وهناك شوينا السّمك على ضفاف دجلة، مدرسة فرانك عيني في بغداد أحسن من مدارس هذه البلاد، وهذا دكان ناوي العراقي في القدس، لم أجد لي وظيفة هنا،فاقترحوا عليّ تعليم العربيّة في جهنّم/ الجليل،مشروع جابوتنسكي خمس ميمات: مأكل، مَلبَس، منزل، مُعلّم وَمُطَبِّب، أين نحن من هذا؟.

-كان عندكو مسرح في بغداد؟

-وكان لنا دور كبير به! ونافون طالَبَني بالمحافظة على لهجتي العراقيّة!

-وَأين تعمل؟

-في مكتب وحيد عصره الذي يحثّ على الترجمة من لغات العالم ما عدا العربيّة! رجال الفكر سكتوا هنا وسكنوا في فيلات الطّالبيّة العربيّة المسيحيّة ص 418 ، سوق العراقيّة في القدس يذكّرني بأسواق بغداد، حين يطلب نوري من أبيه عبرنة الأسماء ص 425 :

-يا ابني أسماؤنا كمسبحة بها 99 خرزة أصيلة، نحن لسنا في السّوق ، شو بِخَصّ إبن جوريون بأسامينا! يريدوننا أن نكون يهودًا جُددًا! مين هو الله خالق الكون!أنا عربي موسوي!

**الأسى ما بْيِنْتَسى

أكاد أتخيّل نفسي مع إحسان عبد القدّوس وروايته: في بيتنا رجل، أو مع( المُعَذَّبون في الأرض) لطه حسين،وإن شئتم مع يوسف إدريس، أو ثلاثيّة نجيب محفوظ،،أو يوميّات توفيق الحكيم، يجول أمام ناظرَيَّ كتاب: كي لا تحرثوا في البحر لخالد محمد خالد! وأحلّق مع الكتّاب اللبنانيّين والسّوريين ميخائيل نعيمة وجبران،حنّا مينا، أحمد تقيّ الدّين،مارون عبّود،سلام الرّاسي وغادة السّمّان! أطمئن نفسي، هذا يهودي ابن عرب! ما نسي حليبَي أمّه وخالته المسلمة خيريّة، فأتابع جولتي معه منجرفًا مع تيارات دجلة والفرات والخابور، يقول نوري: ابي ينهار هنا من هول الصّدمة وخيبة الأمل، أمّي تزداد عصبيّة، طلبوا عرضها على طبيب نفسيّ فَأبَتْ! الصّدأ يأكل جذور أسرتي، أتظاهر بالعمى، الطّرَش والخَرَس ص426 ،ظلّت حياة والدتي مُتشَبّثة بضفاف دجلة، تخاطبني بألم: يا نوري دم المُرضعة المسلمة يسري في عروقكَ! كمان إنتي بدّك تغيّر اسماءنا!

-الأب: أنا وأمّك لن نغيّر اسمَينا، وتخطر على البال قصة اليهودي الذي مثل أمام القاضي: ما اسمكَ؟ اسمي داوود! واسم أبيك؟ سليم، وَجَدّكَ؟ سلمان! وأبي جدّكَ؟ باروخ! قال القاضي خرج العَفّن! ص 428 . صاحب المطعم هنا هو زعرورة وليس عازوري! اذا كان البعض اعتدى علينا في بغداد، لماذا هنا كذلك! يحدّثوننا عن الكرامة؟ أيّة كرامة بقيت لنا هنا! وعبد النّاصر يبحث عن كرامته في جولة ثانية بعد العدوان الثلاثي على مصر 1956 !ص 434 ، هنا يُؤطّروننا طبقًا لبلادنا:

- كردي راسو يابس حجر.

-عربي عراقي بيجاما.

- روماني حرامي.

- مرّوكي سِكّين.

- بولوني نَتِن.

- فارسي بخيل!

ويعيّروننا كذلك: استقدمناكم، حرّرناكم،آويناكم، حوّلناكم لِبَشَر.... وكذلك هتكوا عرضنا،والله يهتك عرض امّهاتهم!( لم أنقل الكلمات الجارحة ن ن)

-عمّو بركات: نحن الحمير والبولونيّون هم الحمّارين!

نوري الشّاب آمَن بالشّيوعيّة ثمّ تحوّل للإشتراكيّة، والآن يقدّس وثيقة الاستقلال! جابوتنسكي يُهدّد: إن لم تتقيّأوا المَهْجَرَ، فهو الذي سيتقيّأكم! نوري يتذكّر فلفل المصري ويغنّي معه:كُلّو بالتّقسيط/ كلّ الرّاتب للدكان/ آي آي بالتقسيط!.هنا يشترون قلوب زعماء افريقيا بواسطة الفتيات الاسرائيليّات في الأوتيلات، الرّجال المقدسيّون عمى عليهم، الخوف من عرب البلاد، يدّعون أنّنا أخذنا بلادهم، موشي برعم رئيس مجلس عمّال القدس هو موسى كليم الله!

-هل احتفلتم بعيد العمّال في بغداد؟هناك الاحتفال بيوم عاشوراء مقتل الحسين بن علي! بن جوريون هيك وهيك لإمّو وْلَإمّ إمو (تشقيعة من الوزن الثّقيل ن ن)، هو الملك المُخلّص، أبو الدّولة، وحيد عصره، مُذَلّل العقبات، يُمْطِر صيفًا،أخي صباح يُدَرْدِغ أكواز الصّبر بأوراق التّين، وكُثر النّقار بيورّث الفقار!، حكايتنا كحكاية الغراب الذي أراد تقليد مشية الحجل، عزيز الموسيقي الضرير يُضْطَر لتغيير كلمات التّوراة: على أنهار بابل جلسنا وبكينا...فيقول: على رمال قرية العميان جلسنا وبكينا حين تذكّرنا بابل!

كَم كنّا نودّ كذلك أن يحدّثنا هذا البغدادي الأصيل عن شعر: الرّصافي، الجواهري، النّوّاب،السّيّاب، نازك الملائكة، وعن شعوره حين اجتاح برابرة الغرب والشّرق بلاد الرّافدَين، لتدميرها وسلب خيراتها وحضارتها، وهو هنا غائب حاضر!!

 

*أدب وطرب

*يعود بنا نوري/إيلي ص 554 إلى قصيدة الصّبا والجمال، شعر بشارة الخوري وغناء عبد الوهاب، يترجم كلماتها إلى العبريّة،ويبقى الأصل:

الصِّبا والجمالُ مُلْكُ يَدَيْكِ أيُّ تاجٍ أعَزُّ مِن تاجَيْكِ

نَصَبَ الحُسْنُ عرشَهُ، فسألنا مَن تراها لَهُ، فَدَلَّ عليكِ

فاسْكُبي روحَكِ الحنون عليه كانْسكاب السّماء في عينَيكِ

كُلّما نافَس الصّبا بجمالٍ عبقريٍّ، السّنا نماهُ إلَيْكِ

ما تَغَنّى الهزار إلاّ لِيُلقي زفراتِ الغرام في أذُنَيْكِ

سَكِرَ الرّوضُ سَكْرةً صَرَعتْهُ عندَ مجرى العبير مِن نَهْدَيْكِ

وللقصيدة تتمّة من أجمل عيون الغزل.

*يعود بنا الرّاوي إلى الشّاعر أحمد رامي 1892 -1981 ص574 وقصيدة: أذْكُريني: أذكريني كلّما الفجرُ بدا/ناشرًا في الأفق أعلامَ الضّياء/ يبعثُ الأطيارَ مِن أوكارها/ فَتُحَيّيهِ بِترديد الغناء/ قد سَهِرْتُ الليلَ وحدي/ بينَ آلامي وَسُهْدي.... ... هذا النّوري ومتاعبه لها بداية لكن بلا نهاية، وكما نقول في مثلنا الشّعبي: تيتي تيتي مثل ما رُحتي جيتي، ومواعيد عرقوب، مثل مُقْليع الطّسَ، كلّما تغلّب على عقبة فُتحت أمامه عقبات كأداء ، حتّى الحارس اليهودي السّوري أمام المكتب يتمقطع عليه بفظاظة،كاثوليكي أكثر من البابا، كأنّ عداوة لدودة بينهما منذ الطّوفان، ويسخر نوري من تبجّحات زكي المختار عن بلاد السّمن والعسل ، فيقول له: لماذا لا تتحدّث عن البطالة والفقر! وما هذه الدّعايات الهزيلة لحزب مباي الحاكم! ولماذا التّحريض على أحزاب: حيروت، الشّيوعي ومبام!

حُلُمُ وَهْمٍ

نافون الموظّفات وفاعلو الخير عملوا المستحيل لمساعدة نوري وأسرته، عدا عن الاسترحامات والاستجداءات،وصلته موافقة الحصول على شقّة لأسرته في القدس، طار فرحًا إجِتْ والله جابها! وينِك يا يمّا تعالي عايني الشّقّة في القدس في حيّ قطمون، تجرجر الأمّ أذيالها، من باص إلى آخر، عدا عن المشي على المسارب وبين الصّخور والأشواك،تُصْدَم من هول المنظر:هذا ما قَدرتَ عليه! هاي محاليل الغول سكّان المقابر في العراق ما بدّي هيك شيكون، ردّوني عالعراق، تجلس الأمّ على الدّرج، تنوح وتلطم خدَّيها، دموعها مدرارة، كأنّها في أيّام حداد على فقيد غالٍ، ما بدّي أسكن في علبة سردين،أنا وأولادي نتناول وجباتنا في وَرْدِيَّتَين، كما في المعبرة!، تشمّ رائحة القرية العربيّة المجاورة(بيت صفافا)، بدّي بيت حجر هناك،تشاهد نساء كرديّات عن كثب، تخاطبهنّ باللهجة الكرديّة ، تتذكّر بيتها الأنيق في حيَ المعظّم البغدادي: هالسّع إحنا في جهنّم وليس في بلاد السّمن والعسل! ما هذا التّسوّل في الشّوارع، سقى الله ع َ أيّام زمان!.

إختار إيلي اسم بطل روايته/سيرته: نوري والبطلة ميخال والاسمان بهما الكثير من الإيحاءات والتّوريات، فإذا كان البطل نوري بصيغته العربيّة،فقد يكون نسبة إلى النّوَر/ الغَجَرالفقراء الذين كانوا يجوبون بلادنا، وهم لا يلوون على شيء، اللهمّ سوى الشّحادة من البيوت(زيّ كولك النّوري، زيّ النّوريّة بلا لباس)، وقد يكون من النّور/الضّوء، لينير الطّريق لِأسرته في غياهب ظلمات الأرض الموعودة، وإذا كان الإسم نوري بصيغته العبريّة من الاسم (نور) فهو يعني الضّوء أو النّار في عتمة هذه الدّيار،بعد الأمل الضّائع في بلاد الرّافدَين، وهذا ينطبق على العربيّة المهمّشة في ديارنا، أمّا البطلة (ميخال) فهذا اسم لابنة الملك شاؤول،وأختها ميراب، وميخال في العبريّة اليوم نوع من المندلينة الحلوة، سهلة التّقشير والازدراد، وهذا ما حدث له مع حبيبته عشيقته الثّريّة النّغنوشة والتي عَشِقَتْهُ رغم فقره، وكان لوالديها الشّكناز دور(من وراء الكواليس) لنقل أسْرته الى القدس،وميخال كذلك تعني الحاوية أو البرميل الذي يستوعب مختلف الأشياء،وميخال كان لها دور في هذا، وحين عرف نافون وبقيّة تلاميذ بن جوريون بقصّة غرامه مع الأشكنازيّة، طاروا فرحًا وقالوا هذا ما نطمح إليه، في صهر طوائف شعبنا في بوتقة واحدة، لتكون قدوة يُحتذى بها.

 

** هون حَطّنا الجمّال

ليس من نافلة القول، بل بالجزم والتّأكيد: إنّ نفس الأشخاص، الجهاز، المؤسّسة والحركة هي المسؤولة المباشرة عن تهجير واقتلاع عرب الدّاخل ويهود المشرق، وبالتّنسيق مع بعض القيادات المهزوزة ،لقتل القتلى والمشي في جنازاتهم حتى يومنا هذا،وتبدو جليًّا معالم الصّورة المُزَيّفة،وينكشف القناع،حين يخطب موشي شاريت مساءً في اجتماع عام في إحدى المعابر وبلغة عربيّة: أخرجناكم من أرض الظّلم والظلمات إلى أرض النّور! فيجيبه عراقي على الفور: ولكنّكَ تخاطبنا على ضوء قنديل كازيّ !

قد نختلف مع الكاتب المُبدع في بعض الطّروحات والتّعابير،وهذا من حقّه وحقّنا، واختلاف الرّأي لا يُغيّر من جوهر الرّواية / السّيرة، نتأبّط البذور ونترك القشور،تُرجمت بعض إصدارات إيلي إلى العربيّة في مصر والعراق، حبّذا لو تبنّت إحدى مؤسّساتنا العربيّة الفاعلة ترجمةَ هذا العمل الإبداعي، والكثيرون من عربنا هنا يجيدون التّعامل مع اللغتَين الشقيقتَين،وخير البِرّ عاجله!

يزيّن إيلي روايته بقيض من العبارات العربيّة الدّارجة هناك، وهذا ما يضيف إليها أصالته وواقعيّته، ثمّ يُعبرنها لمقتضاة الحال، كما أنّه يستعمل مصطلحات عديدة من لغة الإيدش، ولو لم يترجمها، لكُنّا بحاجة إلى مُترجم خاصّ، هوّنها علينا!

نترك نوري/فؤاد والأسرة الكريمة يتحسّسون طريقهم نحو ضالّتهم المنشودة وشقّ طريق جديد في قطمون التي أصبحت رسميًّا( جوننيم) المُدافعون، وقسّموها إلى ستّة أحياء: مُدافِع أوّل حتى مدافع ستّة، ويبقى السؤال: عَمَّن يدافعون! .

نتذكّر الإخوة اليهود العرب الذين نعرفهم عن كثب وبيننا وبينهم خبز/عيش وملح، نشدّ على أيدي: سامي ميخائيل، لطيف دوري، ساسون سوميخ، جاكلين شعشوع... والحلبي السّوري أمنون شموش،والمغربي إيرز بيطون، وبقيّة الإخوة ونترحّم على ارواح الرّاحلين. ونحيّي نوري/إيلي متمنّين له ولأسرته عمرًا مديدًا وحياة سعيدة، وإلى مزيد من الإبداع في يراع لا ينصاع إلاّ للضمير والإقناع دون قِناع ونزاع! ونهدي إيلي والأسرة والأخ موشي/ناظم، تيمّنًا بالمرحوم ناظم الغزالي، قرين الفنانة سليمة مراد (العراقيّة)، وليس ليلى مراد المصريّة، ما شداهُ ناظم حزنًا وألمًا:

عيّرتني بالشّيب وهو وقارُ ليْتها عَيَّرْتْ بما هو عارُ

إنْ تَكُنْ شابَتِ الذّوائبُ مِنّي فالّليالي تُزينُها الأقمارُ

دموعي بيوم فَقْد الوِلِف ليلى وْرِدِتْ عيني يُمُرها النّوم ليلى

تُعَيّرني عجب بالشّيب ليلى وَخير ثْنينا نْشيب ليلى

مَيْحانا ميحانا وْغابت شمسنا،الحلو ما جانا

حيّاكْ! حياك بابا حياك هَذول العَذّبوني هذول المَرمروني

وْعلى جِسْر المْسَيَّبْ سَيّبوني!

حيّاكْ، حيّاك بابا حيّاك ألْف رحمة على بّيّكْ

كَم كنّا نودّ كذلك أن يحدّثنا هذا البغدادي الأصيل عن شعر: الرّصافي، الجواهري، النّوّاب،السّيّاب، نازك الملائكة، وعن شعوره حين اجتاح برابرة الغرب والشّرق بلاد الرّافدَين، لتدميرها وسلب خيراتها وحضارتها، وهو هنا غائب حاضر!!

 

 

 

 

;