الرواية وآليّات تيّار الوعي
طغت الأحداث الداخليّة على فضاء الرواية، ممّا أوجب توظيف آليّات تيّار الوعي، كالاسترجاع، التداعيات، الأسئلة البلاغيّة، أحاديث النفس الداخليّة، خطاب الغائب، والتكرار البارز بصورة كبيرة كحديث البطلة المبالغ فيه عن الفراق وأثره، ممّا جعل الكاتبة تكلّف البطلة بمهمّة السرد بضمير المتكلّم، وفيما يلي التفصيل:
الأسئلة البلاغيّة
تزخر الرواية بالأسئلة البلاغيّة الصّادرة عن نفس معذّبة، فتصوّر مرّة عدم تصديقها لقرار حبيبها بالانفصال عنها، إذ تتساءل: "هل تريد إقناعي بأنّك أصبحت مكتفيًا بعلاقة صداقة معي، وأنّك لست بحاجة لحبّ امرأة تحاور الحلم في سريرك، تبسط يد النور من بلّورها، وكلّما التقت عيناكما دارت عقارب الحبّ عكس عقارب الساعة، ونبضت في قلبك شرارة الحبّ الأوّل؟"(27). تتكرّر مثل هذه التساؤلات لتعكس نفسيّة البطلة، مظهرةً عدم قناعتها بفضّ علاقته بها، فتقول: "لكن كيف يعقل أنْ أعيد له مفتاحه ويعيد لي قلبي؟ أيّ تكافؤ هذا؟ وأيّ إنصاف هذا؟ كيف تختزل مملكة الحبّ بمفتاح يمكن ألّا يلائم كوّة باب جديدة؟ كيف تتكافَأ عودة الأشياء بعدما أصبحت أشياؤنا جزءًا منّا، وقلب كلّ واحد منّا بين ضلوع الجسد الآخر؟"(86). تلمّح في بعض تساؤلاتها لبعض الأعراف الاجتماعيّة والتمييز اللاحق بالمرأة الّتي لا تبيح لها أن تشارك في جنازة حبيبها، فتقول: "لماذا لا يُسمح للنساء العاشقات أنْ يمشين في جنازات من يحببن... لماذا لا يستطعن أنْ يربّتنَ بأصابعهنّ المخمليّة على رفات من يحببن... أيّ إنصاف هذا ألّا أكون إلى جانبه وهو يحتضر"(104).ونحو ذلك من الأسئلة البلاغيّة التي تعكس نفسيّة البطلة المرهقة من جهة، وتوجّه من جهة أخرى نقدًا لمجتمعها الّذي يتدخّل أفراده فيما لا يعنيهم، كقولها: "أردت أن أقحم نفسي بتفاصيل الحادثة امتدادًا لثقافتي الشرقيّة، حيث نقحم أنوفنا بما لا يعنينا"(73- 74)، ومثل ذلك تعريضها بعدم استعداد أبناء مجتمعها للاعتذار، مشيرة لديواني محمود درويش "الجداريّة" و "لا تعتذر عمّا فعلت" فتقول: "وأنا لن أعتذر لك عن أيّ تصرّف فيه حبّ كبير، هذه هي ثقافتنا: ألّا نعتذر..."(121).
التكرار
يحضر أسلوب التكرار في الرواية بصورة مكثّفة، منذ بداية الرواية وحتّى نهايتها، ومعظمه يرتبط بقرار الحبيب في انفصاله عن حبيبته وفراقه لها، وما أن تخرج البطلة منه إلّا لتعود إليه الأمر الّذي يدلّ على تمسّكها به من ناحية، ويكشف ما جرّه ذلك القرار عليها من آلام وعذابات من ناحية أخرى، فحين يقرّر ذلك الحبيب فراقها، تترك رسالة نصيّة للمصمّمة الفرنسيّة تقول: "أريد فستان وداع. فكلّ حبّ مغادر عائد إلى السماء، علينا أن نودّعه بأرقى الملابس وأثمنها[...] وكلّما كان الحبّ أعمق احتجت إلى فستان غاية في الدقّة وفيه كلّ تفاصيل الوجع، لكي نودّعه وهو ينعكس في دواخلنا وتسقط عليه الدموع كحبّات كريستال لامعة في الليل"(19- 20). ثمّ تعود لتؤكّد وجعها لذلك الفراق قائلة: "كان موجعًا بالنسبة لي أنْ أفعل هذا، لكنّي أرمّم نفسي وألملم أشلائي بعد هذا الفراق القسريّ"(20). تقع البطلة في حيرة، فتقول: "والله لم أعد أدري إنْ كنت أكتبك لأكفّن هذا الحبّ بالورق، أم ألفّه كالرضيع وأضمّه إلى صدري"(29). في موضع آخر تكرّر موضوع الفراق عبر ما تثيره من أسئلة بلاغيّة، معبّرة عن عجزها في التأقلم مع الوضع الجديد، كقولها: "أنت على دراية أنّي عندما أكتب أقلّم الأوراق من دفاتري، أُسقط ما اصفرّ منها، فكيف سأجتثّ ورقتك المخضرّة في دمي، هل يتساقط الحبّ كما تتساقط الأوراق؟ حاولت أنْ أبثَّ فيك نسغًا يعيد الحياة لعروقك، لكنّك أغلقت مساماتك دوني"(37)، هكذا تواصل استحضار غيابه على مساحة الرواية لتقول في النهاية: "كنت أعرف منذ البداية أنّ هذا الحبّ إمّا أنْ يتحنّط بالورق، وإمّا أنْ يتخلّد على الورق، خفت أن يتحنّط قبل النهاية، وعلى ما يبدو، أثناء ما كانت تلك المخاوف تنتابني، كان باب السماء مفتوحًا، فتحقّقت هذه النبوءة دون سواها، ومع ذلك أحببتك وبقيت أعرف أنّي سأحترق"(119- 120).
الاسترجاع
تحضر تقنيّة الاسترجاع بصورة بارزة في الرواية، لتستعيد البطلة ماضيها الجميل معه فتخفّف من عذابها، ومن ذلك قولها: "كنتُ وبمجرّد أنْ أفتح عينيّ صباح كلّ يوم أفتح ألبوم صورك، أتأمّلها واحدة تلو أخرى، أقبّل عينيك، وأعيد الكرّة مرّات عدّة، أمضي أمسياتي معها، في سريري، مودّعة إيّاها قبل النوم، ولا أغمض عينيّ إلّا لأخبِّئك فيهما، لكنّ صورك لم تكن لتنوب عن وجودك الحقيقيّ مهما حملت لي كلماتك الّتي كنت تقولها لي، ولا عن لمسة أصابعك الحنونة وهي تكتب لي، ولا حتّى الشمس التي تُخرج الفجر إلى الأبديّة، يمكن أنْ يكون لها أثرٌ يحمل دفء همسك في قلبي بعبارة (صباح الخير)"(26). في موضع آخر تسترجع البطلة مكالمة هاتفيّة بينهما، "يردّ عليها بصوت خافت: أحبّكِ يا مجنونة، سأنهي عملي وأتصل بك. فتردف قائلة: "لم يسافر مرّة دون أن يكلّمني عشرات المرّات قبل أن يغلق هاتفه وتقلع الطائرة[...] لكنّي هذه المرّة اتّصلت ولم يردّ، فاتّصلت مرّة أخرى وأخرى وعشرات المرّات، لو كان مسافرًا لأخبرني، والهاتف لم يكن مغلقًا، كان يستجيب لاتّصالي، هو الّذي لم يكن يستجيب (لحركشتي الرقميّة) وهل يسافر العشّاق؟"( 99- 100). في هذا الاسترجاع ما يضيء الأمل في نفس البطلة التي تتذكّر تواصله معها عبر الهاتف أيضًا، وربّما يشعرها بالراحة، لكن مع نهايته تدرك أنّه هو الذي لا يريد التواصل معها، ممّا يعمّق من حزنها لغيابه.
أحاديث النفس الداخليّة
تنكفئ البطلة على ذاتها في عدّة مواضع من الرواية، لتغوص في أحاديث النفس الداخليّة، معبّرة عمّا يجيش في نفسها من أوجاع علاقتها بحبيبها، ومن ذلك قولها: "ولماذا الآن بالذات أولم أكتفِ من اجترار كلّ الذكريات، بكلّ ما فيها من أوجاع...أصل بها إلى النهاية، ثمّ أعود أدراجي نحو البداية وأعيد الكرّة، فأمرّ بها من جديد، وأعيش معها رحلة أوجاع جديدة، كما تمرّ عجلات القطار على سكّة الحديد! ثمّ أجدني واقفةً أتأمّلني في المرآة، أصرخ بملء قلبي: "كم عمرًا أحتاج لأحبّكَ دفعة واحدة؟"(51)، وفي هذا ما يكثّف من عذابها وآلامها وما ألحقت بها تلك العلاقة من متاعب.
تتكرّر مثل هذه الأحاديث الداخليّة في الرواية، وهي عائدة من زيارتها للقدس، لتفصح عن أثر ذلك الحدث في نفسها، فتقول: "هل من الممكن أن أوقف نبض العقارب في معصم الأبديّة، فأحتفظ بكلّ تفاصيل لقائي المقدّس، أشربها وأضخّها في مساماتي، أتوحّد مع السحر والقدسيّة، أتنفّس من رئة اللقاء الموصول بالحبّ، والمعجون بالرغبة، أعود ودعواتي المرفوعة إلى الله لا تردّ، وراياتي مرفرفة بيضاء وشفاهي حمراء لاهجة بالدعاء، أتمتّع بكلّ ركعة صلّيتها في قدس الأقصى وكلَ تنهيدة حرّرتها من قلبي المعقود بالشوق، أسترجع تفاصيل ذوباني حبرًا سائلًا على سطور اللقاء وكيف ولدتني العودة من رحم الانتظار، وكيف ولد المفتاح من رحم العودة"(60). توضّح هذه المناجاة سعادة البطلة في زيارتها لمدينة القدس وصلاتها في المسجد الأقصى، ممّا أتاح لها التحرّر من أعباء الحالة النفسيّة التي مرّت بها.
خطاب الغائب
تلجأ البطلة لمخاطبة حبيبها الغائب الّذي لا يعي شيئًا من عذابها فتبوح به لليلها، إلّا أنّها تحرّره من مسؤوليّته عن ذلك العذاب، ممّا يعكس مواقفها المتناقضة لما ألحق بها، فتقول: "عانيت وأنا أبوح لليلي، وأنت لست تدري شيئًا من معاناتي، كنت أكابر وأخفي كلّ ما بداخلي لأبدو طبيعيّة في نظر من يراني من الناس، أتحدّث وأضحك، إذ لم يكن من وسيلة أمامي إلّا أنْ أسافر عبر القطار كي أسحق وجعي وأسحق الذاكرة معي، ربّما لا ذنب لك في عذابي غير أنّ حماقتي المتوغّلة في الحبّ وقدسيّته جعلتني أقترف جريمة في حقّ القداسة وعذوبة الكلام"(85).
تلوم البطلة حبيبها لتركه إيّاها في مدينة غريبة، فتقول مخاطبة إيّاه: "لطالما رافقني صوتك في دروب الحياة ذهابًا وإيابًا، فأيّ قلب هذا الّذي أباح لك أن تتركني بمدينة غريبة؟ أعرف أنّك ما زلت هناك، في القدس، في شارع ما، وما زلت تكتب لي تلك الرسالة، لتعمِّد الحبّ، وأتخيّلك وأنت تمشي بعيدًا عن بندقيّة الجنديّ، لتفوِّت الفرصة على الرصاصة.."(117).
في موضع آخر تتحوّل إلى خطاب الموت، فتقول: "العشّاق عندنا، يا سيّدي الموت يستشهدون وهم في طريقهم إلى حبيباتهم، في محاولة منهم للتكفير عن الغياب، والنساء، يا سيّدي الموت، يحتفظن بالمفاتيح التي تنتظرها الأبواب، إنّها حكاية مجنونة، لن أكون أوّل ولا آخر من سيرويها، أليس عجيبًا أنْ تنتهي الحياة بتاء مربوطة، بينما ينتهي الموت بتاء مفتوحة...!"(104). في هذا المقام لا بدّ لنا أن نشير إلى قدرة الكاتبة اللّغويّة، فإذا كانت الحياة تنتهي بتاء مربوطة فلعلّها ترمي لنهاية الحياة، تلك الحياة التي لها آخر، أمّا الموت فينتهي بتاء مفتوحة، بمعنى أنّه لا يتوقّف، وسيواصل حصد الأرواح على اختلافها.
في موضع آخر تلجأ البطلة لمخاطبة المحيط قائلة: "أيّها المحيط أعطني يدك، أعطني موجك، ها أنا أمدّ إليك يدًا من ورق، فهلّا أشفقت عليّ وأخذتني نحو الغرق، ويدًا أخرى لأرسل بها سرًّا آخر، دعني أرحل مع الموج الثقيل"(90). في هذا الخطاب ما يشير إلى أنّ عذاب البطلة في حبّها الّذي بلغ مبلغًا لا تقوى على تحمّله، فتؤثر الموت على مواصلة الحياة، كما تعكس الأزمة النفسيّة الّتي تعاني منها، فتلجأ لمخاطبة أشياء غير مسؤولة عمّا حدث لها في علاقتها مع حبيبها.
تقنيّة التناصّ
يلتقي القارئ بمتناصّات كثيرة تستقيها الكاتبة من الموروث الدينيّ، والموروث الثقافيّ الغربيّ والعربيّ، ممّا يعكس سعة اطّلاعها على منجزات الدين، الأدب، والحضارة، فتذكر معراج الرسول محمّد (صلّى الله عليه وسلّم) في طريق البطلة إلى قبّة الصخرة، لعلّها تجد لدعواتها معرجًا إلى السماء، تعيد حبيبها إليها، فتقول: "عبر تلك الدروب الضيِّقة إلى قبّة الصخرة، كنت أرتجف كلّيًّا، كيف لا .. ومن هنا عرج محمّد عليه السلام إلى أعالي السماء؟ كذلك أنا أريد أن تعرج دعواتي إلى الله، بأن أعود إليه ويعود إليّ"(71)، كما تذكر حديثًا للرسول وهي تتضرّع لعزرائيل ألّا يقبض روحها، تقول: "لا تقبض روحي.. لا تقبض روحي.. اتركها لتعيش في جسده.. أرجوك يا سيّدي عزرائيل، رفقًا بالقوارير.. دع لي حبيبي أرجوك.."(103)، ويبدو أنّها مولعة بالموروث الديني الإسلاميّ، إذ تستحضر قصّة سليمان والملكة بلقيس الواردة في سورة النمل، مشبّهة ذاتها ببلقيس، تقول: "لقد كان عشاؤنا خبزًا وماء وعسلًا، والسرير عرش سليمان الّذي لا يُحفظ في الذاكرة البصريّة، ومشيت على الأرض أرفع فستاني مثل بلقيس في مملكة سليمان"(116).
تلتفت الكاتبة في متناصّاتها للموروث التاريخيّ العالميّ والعربيّ فتذكر حرق روما، إتلاف مكتبة بغداد في نهر الفرات، وغيرهما، تقول البطلة: "وبقيت أعرف أنّي سأحترق، كما احترقت روما، وكما غرق الفرات بحبر بغداد، عرفت أنّي سأصمت مثل أبو الهول، وأتظاهر بأسوديّتي وقوّتي"(120). ثمّ تستشهد بمقطع شعريّ لشكسبير من مسرحيّة هاملت، تورده باللغة الإنجليزيّة، في أثناء تخيّلها حبيبها وهو يردّده(120).
تُثبت الكاتبة بعض الكلمات الفرنسيّة مؤكّدة معرفتها لتلك اللّغة بعد خشيتها من سؤال السائق عمّا تعرف منها، فتقول: "فأجد نفسي مضطرة لأنْ أجيبه: بونجور، بونسوار، مسيو دوفاج، ليبغسيون، لافام فاتال، فيف لا فغونس، وجوتيم"(48)، مضيفة أنّها تقرأ لسيمون دي بوفوار، وتعشق هيغو، وقد زارت متحف اللوفر العظيم، وشاهدت الجيوكاندا، وأبحرت في نهر السين، ونحو ذلك(48).
تعنى الكاتبة أيضًا بالموروث الشعريّ العربيّ، فتورد بعضًا من أشعار نزار قبّاني والبطلة تتوسّل لعزرائيل أن يترك لها حبيبها، فيردّ عزرائيل قائلًا: "كان يكتب لك على هاتفه رسالة نصّيّة صباحيّة يقول لك فيها: "إذا مرّ يوم ولم أتذكّر به أنْ أقول صباحك سكّر فمعنى ذلك أنّي أحبّك أكثر"(103)، وفي هذا التناصّ ما يوضَح تعلّق الحبيب بحبيبته. تتعدّد المتناصّات من شعر نزار قبّاني ومحمود درويش، ممّا يوحي بإعجاب الكاتبة/ البطلة بشعرهما، فحين ينسرب الوقت سريعًا، تقول: "ترى كم بقي من الوقت للحبّ، عندها أتاني صوت محمود درويش: "ويا حبّ، يا من يُسَمُّونه الحبَّ، من أنت حتّى تعذّب هذا الهواءْ/ وتدفع سيّدة في الثلاثين من عمرها للجنون/ وتجعلني حارسًا للرخام الذي سال من قدميها سماءْ؟/ وما اسمك يا حبُّ، ما اسم البعيد المعلّق تحت جفوني/ وما اسم البلاد التي خيّمت في خطى امرأة جنّة للبكاء/ ومنْ أنت يا سيِّدي الحبّ حتى نُطيع نواياك أو نشتهي/ أنْ نكون ضحاياكَ"، وفي هذا ما يصوّر عناء تلك المرأة المتماثل مع عناء الكاتبة.
تقنيّة الاستطراد
يلاحظ القارئ أنّ معظم الاستطرادات في هذه الرواية موظّفة على الغالب في سرد الأحداث الخارجيّة، فحين يحاول الشيخ جميل السلحوت فتح باب سيّارته، توقف البطلة عمليّة السرد لتزويد القارئ ببعض المعلومات الإضافيّة عن السلحوت، فتقول: "وهو العائد حديثًا من أمريكا حيث كان قد سافر لحضور مراسم زفاف نجله من فتاة تونسيّة، فاجأني أنّ له خمسة إخوة وابنًا في أمريكا منذ ما يربو عن العشرين عامًا، وهو الوحيد الذي لم يعش ويستقرّ هناك"(54)، بذلك تستدرك البطلة نفسها مستحضرة بعض التفاصيل عن هذه الشخصيّة، فتلقي مزيدًا من الضوء عليها.
تتكرّر نماذج هذه الاستطرادات لتزويد القارئ بمعلومات إضافيّة، ممّا يوقف سيرورة السرد ويبعد القارئ عن الملل، ويشوّقه لمعرفة المزيد، ثمّ يعود السارد بعد الانتهاء من استطراده، فيواصل السرد بعيدًا عن الرتابة والملل، ومن ذلك تفاصيل حياة البطلة التي ترويها للسائق بعد سؤاله لها، وهو ينقلها إلى مكانها المنشود، وفي هذا الاستطراد يفهم القارئ أنّها من منطقة المثلّث، أمّها ذات أصول فرنسيّة، تعرّف إليها والدها أثناء دراسته في فرنسا، أحبّا بعضهما وتزوّجا، وهي حاليًّا تدرس الطب بتشجيع من خالها الجرّاح الّذي يعمل في أكبر مستشفيات فرنسا، وقد حضرت إلى القدس في ذلك اليوم لإجراء بعض الفحوصات الطبّيّة في المستشفى.(47).
تأتي هذه الاستطرادات بلغة تقريريّة مطعّمة في بعض المواضع بلغة مجازيّة، تقول البطلة: "توجّهت إلى القدس من جديد، هذه المرّة كانت للقاء السيّد وليام غرايسون من ولاية ميشيغن الّذي يقضي وقته بين الولايات المتّحدة والقدس، وهو مسؤول عن مؤسّسة تسامح الأديان، كي نخيط نسيجًا من التواصل بيننا نرفعه للعالم الثائر"(68). تعمد الكاتبة في التعريف بشخصيّات الرواية إلى أسلو ب الإخبار التقريري، فلا تصوّر الشخصيّة من خلال الحدث، إنّما تركّز معلوماتها عنها في فقرة واحدة بهدف التعريف بها، وتظهر معظم هذه الشخصيّات هامشيّة تدعم البطلة وتساعدها في كشف تفاصيل المكان والأشخاص لتقدّمها في تقريرها، كذكرها لرجاء، تلك الفتاة المقدسيّة لوزيّة القوام الّتي تجوب معها شوارع وحواري القدس لتوقفها على حقيقة ما يدور هناك(68)، وكذلك صديقتها رفيف التي تعتبرها أجمل فتيات مدينة القدس التاريخيّة، وهي الّتي بادرت لترتيب الأمسية في المسرح الوطني الفلسطينيّ، بعد زيارتها لها في بيتها، تعمل في قسم الثقافة، بيتها قريب من محطّة القطار، وهي تحفظ الطرق عن ظهر مقود"(55- 56)، وغيرها من الشخصيّات الأخرى المذكورة في الرواية.
تبقى بعض الملاحظات الّتي نأمل أنْ تتخطّاها الكاتبة مستقبلًا، كإسنادها الأفعال المضعّفة المزيدة لضمائر الرفع المتّصلة دون أن تفكّ الإدغام، مثل كلمة "استمرّيْتُ" (ص52)، "استغلّيْتُ"(ص74)، والأَوْلى أنْ تقول" استمْرَرْتُ"، و "استغْلَلْتُ، هذا علاوة على توظيفها أفعالًا عاديّةً على شاكلة أفعال الشكّ واليقين، وفيها يكون الفاعل والمفعول به واحدًا لضعفها، كقولها "لأقولَني" (ص27)، و "أنزعُني"(ص37)، وغيرهما، وفي هذا خرق لقواعد اللّغة، ولا أدري لِمَ ينهج الشعراء والكتّاب هذا النهج ولا مسوِّغَ لذلك.
وبعد؛ فإنّ رواية "ظلال الغياب" تُعَدُّ، في تصوِّرنا، على قصرها، فتحًا جديدًا في عالم الرواية الفلسطينيّة عامّة، والمحلِّيّة خاصّة، لما تنضح به من لغة أخّاذة تأسر العقول كما تأسر القلوب، وبما تعكس من شعريّة رفيعة المستوى على الصعيدين الثيماتيّ والأسلوبيّ، وتبشّر بمستقبل مشرق. (انتهى)







.png)


.jpeg)



.png)

