ريثما تنتهي الحرب| سامر خير

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

(1)

 

.. حزينًا إلى آخِر الحُزنِ
يستنجدُ الحزنُ بي: كَفاكَ!
فقد نَفَدَ الحزنُ فوق العوالمْ
أقولُ له يا صديقي
لقد متُّ حتّى بكى الموتُ
من حُزنِهِ، ويئستُ كظالِمْ
وما أنا ظالمْ

أَخَطْفُ الطُّيورِ انتصارٌ؟
وصيدُ الأنامِ كصيدِ البهائِمْ؟
وَحَرْقُ العُشوشِ على ساكنيها:
مَنِ استيقظوا فزعينَ
وَمَن ظلّ في حُلْمِهِ نصفَ نائمْ؟
فَماذا يكونُ الظّلامُ إذًا؟
وماذا تكونُ الجرائمْ؟

.. حزينًا إلى آخِر الحُزنِ
لكنّني لا أزالُ هنا واقفًا
في انتظارِ الشموسِ التي غَرِقَتْ
في الدماءِ. أراها أراها أراها
وَقَد أشْرَقَتْ
من رَمادِ الجماجِمْ 

 

(2)

 

نحنُ جميعًا
في هذي الحربِ خُطِفْنا
وقُصِفنا حتى الموتِ كبارًا
وصغارا
.. مَن لم تقتلْهُ قنبلةٌ
أرداهُ الكابوسُ المُرعِبُ ليلًا
ونهارا

في ذاك اليومِ
الأسبوعِ
الشهرِ
العامِ
إلى الأبدِ.. ذُبحنا وخُطِفنا
وقُصفْنا حتى الموتْ
في ذاك اليومِ
وَفي كل الوقتْ

 

(3)

 

شُكرًا لكُم
لأنّكُم مِن قبلِ أنْ
تُدمِّروا بيتي وتقتلوني
حذّرْتُموني

شُكرًا لكم
لأنّكُم لم تخدعوني

شُكرًا لكم
لأنكم علّمتُموني
الفرقَ بين الوحشِ والإنسانِ
في عصرِ الجُنونِ

شُكرًا لكم
مِن كُلّ قلبي
وَهْوَ خالٍ مِن دَمي
مِن قَدَمي حتّى جَبيني

شُكرًا لكم
واللهِ..
قد أخجلتموني!

 

(4)

 

لم يعُد للكلامْ
أيُّ نارٍ ومعنى
في حُضور الظلامْ 

 

(5)

 

ريثما تنتهي الحرب
ها أنا أنتف ريش الحمام عن القذائف،
ها أنا أغرس أغصان الزيتون
في جراح الأطفال،
ها أنا أقرأ سونيتات شكسبير،
ها أنا أدندن لحنًا هادئًا
أعلى من صوت الانفجارات،
ها أنا أغلقُ أذنيّ مثل فم أَسيرِ حرب
وأغلق فمي مثل عينيْ أُمِّهِ العاجزة عن النوم،
ها أنا يسقطُ من يدي كوز رمان
وأنا أشاهد على الشاشة رأسًا مهشّمًا،
ها أنا أتسامر مع أربعين طفلاً
قُتلوا في يوم واحدٍ لن ينقضي من الوقْتِ أبدًا
كأنّه جثة دُفِنَتْ في جليد القطب الشماليّ،
ها أنا ألعب معهم كأنني والدُهم
وأوزّع عليهم الهدايا كأنها قطراتُ مطر
تسقط على قبورهم الطريّة،
ها أنا أحاول أن أشرب كأس نبيذ أحمر
رغمَ جداول الدم،
ها أنا أنتظر شروق الشمس على ليل الخراب
ها هنا
ريثما تنتهي الحرب

 

(6)

 

يسألُ طفلٌ دُمْيَتَهُ
أين اللهُ؟

لكنّ الدُّميةَ تبقى صامتةً
كَاللهِ
غائبةً في الصَّمْتِ اللامُتَناهي

                وبلا صاروخٍ
                تتفجّرُ هذي الْهَدْأَه
                حينَ تسيلُ دموعٌ
                مِن عينيها فَجْأَه

حتّى الدميةُ تبكي
يا أللهُ!
والدميةُ كادت تحكي
يا أللهُ!
لكنّ الدُّميةَ لا تعرفُ
يا أللهُ
                 كيف تُجيبُ الطفلَ المُلقى
                 فوق جثامينِ أبيهِ وأخوتِهِ
                 وهو يسائلُها: أين اللهُ؟

 

(7)

 

في هذه اللحظة
هنالك ما يخيفني
أكثر بكثير
من هذا الحاضر المُرعِب:
إنه المستقبل.

عندما تُشرق شمسُه الدمويّة
فلا تنسَوا أن تذكروا
تلك اللحظةَ التي هي الآن

 

(8)

 

كُلَّ يومٍ نقولُ غدًا
سوفَ يأتي البعيدُ
ثُمَّ يأتي غدٌ
فنقولُ غدًا
سوفَ يأتي البعيدُ

لا نَمَلُّ.. وَلا نستفيدُ
مُنذُ دهرٍ
نقولُ غدًا ونقولُ غدًا.. ونُعيدُ

إنّهُ الِانتظارُ هوايتُنا
وَبِهِ كُلُّ وقتٍ حزينٍ سعيدُ!

 

(9)

 

بعدَ أن باعَ كُلَّ بِضاعَتِهِ
مِن حَديدٍ ونارٍ
وَمِن أَسْلِحَة
...
أقفَلَ التاجرُ المذبحة!

 

(10)

 

كأسَكَ يا صاحِ
فلا أحدٌ يفهمُ ما يجري
واحذَرْ
أن يختلطَ الدمُّ بهذي الخمرِ
ولتشربْها صافيةً. لا جدوى
في أن تجهلَ أو أن تدري
ما كانَ يدلُّ على ما كانَ
وأمّا ما سيكونُ
فقد يشبهُ إفشاءَ السِّرِّ
كأسَكَ يا صاحِ
فلا أحدٌ يفهمُ ما يجري
كُلٌّ يرفعُ أجنحةَ النُّورِ
فكيفَ إذًا بلغَ الدمُّ ضفافَ النهرِ؟
كُلٌّ يَعِدُ الناسَ بِنَصْرٍ.. فلماذا
لا يجني الناسُ جميعًا غيرَ الخُسْرِ؟
كأسَكَ يا صاحِ إذًا
كأسَكَ يا صاحِ
فلا أحدٌ يفهمُ ما يجري
ولنثملْ حتى آخرِ هذي الحربِ
عَسانا في آخرِ هذي الدربِ
نفيقُ لأمْرِ 

 

(المغار ، أكتوبر – ديسمبر /2023)

 

في الصورة: درس تعليمي فلسطيني في رفح رغم التهجير الإسرائيلي الوحشي

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية

featured
عمر فارسع
عمر فارس
·2026-01-04 07:08:18

من سيأتي ضحية ترامب بعد فنزويلا؟

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة