سيّارة الأجرة تسير بنا من المطار، والشوارع تنقلنا إليها؛ إلى مدينةٍ تحمل ذكريات ماضٍ مرّ عليها وتركها بنايات شاهقة لا لون لها ولا شكل، يخنقني اللامتوقّع، أفتحُ نافذة السيّارة.. أشمّ رائحةً أعرفها، رائحةً أميّزها دائمًا، يا الله، إنّها رائحةُ المدنِ الحزينة، رائحةٌ تشبه تلك التي تشمّها من الأقفاص الخشبيّة المتراكمة عند بائع الخضار، قد فرغت من النكهة وفُرّغَت من أصلها الشجريّ، وبقيت مجرّد علبة.. البيوت كالعلب، تتعبُ من النظر إلى قباحتها.. أين التراكم الحضاريّ؟ والجمال الذي يُمتّع النظر؟ لماذا بنوها دون تصميم معماريّ؟ هل كان هناك تصميم على قتلِ النزعة الجماليّة الإنسانيّة؟ والأسئلةُ تلحّ عليّ، والقلق يساورني فبعد ساعات سأقدّم، مع صديقتي، محاضرةً في الجامعة... محاضرة نحمل فيها أدبَنا إلى العالَم ونبرهن أنّ شعراءَنا محمود وسميح كسرا علّاقة المجاز ورغم ذلك تفوّقا حين أوجدا البدائل في العلاقات الغيابيّة بين الكلمات... لكنّ قلقي ممّا أراه حولي، كان أكبر بكثير من قلقي بتقديم الجديد الذي جاءا به ومحاولة إثبات جدارته..

كم أكره العواصم حين تئنّ تحت وطأة التاريخ...

سائق سيّارة الأجرة لا تهزّه المناظر، يبدو عليه التعب في هذا الفجر البارد... سألتُه إذا كان يتحدّث الإنجليزيّة، فأومأ بما يشبه السلب المخلوط بالإيجاب..لم أفهم عليه، أظنّه من بقايا النظام البائد، كبير في العمر، منهَك، لا قريحةَ له للكلامِ.. لكنّني لا أقوى على الصّمتِ أمام هول المفاجأة، كيف يمكن لعاصمةٍ أن تكون بهذه اللامبالاة؟ هل سأجد أشياء أجمل حين نصل قلب العاصمة؟ نحن نقترب والمناظر لا تتغيّر، والسّائق يستمع ربّما لنشرة الأخبار ويمتعض، والمدينة بدأت تستفيق على نهارٍ بارد...

  • هل كنتَ تعيش هنا زمن النظام الاشتراكيّ؟

رمقني بالمرآة التي تتوسّط مقدّمة السيّارة بنظرةٍ نصف غافية، من الجائز أنّه لم يفهمني، ربّما أحادثه بالبلغاريّة؟ ربّما بالألمانيّة؟ باللّغة العربيّة لن أحاول، أو ربّما بالعبريّة، فالبلد مليئ بالمواطنين اليهود هنا... كرّرتُ سؤالي بالإنجليزيّة، لن أفضح له لا هويّتي ولا أفكاري، فليكن، بالإنجليزيّة بصيغة ثانية:

  • هل كنتَ في المدينة زمن حاكمها الاشتراكيّ المشهور؟ كيف غاب اسمه عن بالي؟ ما اسمه؟ وله برلمان كبير باسمه؟
  • برلمان؟ تريدون الذهاب للبرلمان؟
  • لا، أقصد الرئيس، الرئيس، الذي كان مرّة رئيسكم، تشاوشيسكو، تذكّرته. هل كنتَ تعيش في العاصمة بفترة رئاسته؟

وكأنّه امتعض منّي ومن سؤالي، ولربّما امتعض من المذكور؛ ما لي ولهم ولرئيسهم ولنظامهم؟ لمَ أُكثِر من الأسئلة؟ وصديقتي قربي تخزني بيدها وتبتسم لي ابتسامة أنْ مرّري السفرة بسلام وبدون أسئلتك "الاستراتيجيّة"، ضحكتُ وإيّاها، فإذا بالسائق ينظر نحونا وبوجهٍ لا تُفسَّر ملامحه يقول لي:

  • نعم.
  • نعم؟ قلتُ مسرورةً؛ وهل كانت الحياة أفضل حينها؟
  • كانت أسهل...

لم يستيقظ بعد، لا تساعده مفرداته القليلة على رواء غليلي، إجاباته مختصرة، وأنا أريد أن أعرف..

  • أسهل؟ سألتُه مستغربة.
  • نعم. لم نكن نعمل ليل نهار من أجل لقمة العيش.. كنّا نشعر بإنسانيّتنا.

 

صفعتْني إجابته، تعبه المتراكم فوق الجفون بدا واضحًا لي بشدّة الآن، وشيب شعره أصبح باهتًا مع انعكاس الشمس من النافذة... ها هي الشمس قد بدأتْ بإطلالتها الخجولة.. لكنّ البرد قارس في هذا الربيع الذي نسي رزنامته على طاولةِ الذكريات... ومعالِم العولمة بدت واضحةً فهذا مبنى كبير لــ"إيكيا" عن يميننا، آه منكِ يا بريسترويكا.. كم أنتِ جميلة وغبيّة، تكرّرين نفس المشاهد ونفس الماركات ونفس الحوانيت في كلّ عواصم العالَم وتفقدينَها جمال عذريّتها... كيف كان مرتاحًا هذا السائق بهذا الرماديّ المنتشر حوله؟

 

وصلنا الفندق، للسياحةِ رائحةٌ نفّاذة وألوان حمراء ولوحات كبيرة على الجدر، وابتساماتٌ من موظّف الاستقبال، والسفرة المنهكةُ هي تلك التي لم تترك لنا مجالًا للاحتفاء، كنّا نريد حمّامًا ساخنًا وتجهيز أنفسنا قبل الانطلاق إلى الجامعة لحضور المؤتمر...

في انتظار دوري للماء الساخن، وبينما تجهّز رفيقتي نفسها، فتحتُ النافذةَ على مدينةٍ تتثاءَب، شمسها خجلى من فضحِ معالِمِها، وربيعها شتائيّ وناسها نيام، وسطوح البيوت متّشحة بالرماديّ...

في طريقنا إلى الجامعة كانت الأفكار تتقاذفني هنا وهناك، لن أسأل ثانيةً، وما الذي يُشغل بالي؟ ولماذا أسأل الناس أصلُا؟ فلأقرأ في كتب علم الاجتماع، فالإجابات هناك، لا! الإجابات هناك حسب أفكار كاتبيها، فلا حياد في السياسة والاجتماعيّات.. لكنّ الناس أذواق، فمنهم من يرى الجمال الآن، ومنهم مَن يتحسّر على أيّامٍ مضت وأنظمة سقطت، ومنهم مَن يدافع بصمتٍ عن عقيدته التي أفلتت من بين أصابع التاريخ.. وأنا أُشغل نفسي بهم؟ أشغل نفسي بكم؟ فلأنقّي دماغي لأستعدّ لمحاضرتي.. صديقتي مستمتعة بما تراه، تقرأ وتبحث عن الشارع المؤدّي للجامعة، وتسأل، ولا تُشغِل بالها باهتماماتي...

لن أسأل.

سأعيش اللحظةَ مثل صديقتي وأتمتّع بالموجود، لن أسأل!

في قاعة المحاضرات تبسّمَتْ لي، تحدّثنا بلغةٍ مشتركة، سألَتني من أين لي بالبلغاريّة؟ قلتُ لها تعلّمتُ في صوفيا، وتركتُها زمن الانقلاب، حين كانت الشوارع تغصّ بالمظاهرات وتنادي مع غورباتشوف بالانفتاح، وألحّ عليَّ السؤال، سأسأل.. لن أسأل.. سأسألها فهي مثقّفة وجامعيّة وستعطيني الإجابة... لن أسألها، فلأهتمّ بأوراقي ومحاضرتي..

  • كانت أيّامًا جميلة؟
  • أيّامُكِ في صوفيا؟ سأَلَتني.
  • لا، أقصد.. أيّامك، أقصد الأيّام التي عشتِها في صوفيا زمن الاشتراكيّة، كانت أجمل من اليوم؟

سألتُ، سألتُ، لم أستطع أن أصمت...

تبسّمت ابتسامةً صفراء وقالت بحزم:

  • طبعًا لا.
  • لا؟ لم تكن أفضل؟
  • وكيف ستكون أفضل وكنّا لا نقرأ إلّا ما يريدون، والكتب محدودة والتواصل محدود؟ أنا اليوم أقرأ ما أشاء، وأكتب ما أشاء، لا أحد يتحكّم لا بقراءتي ولا حتّى بحياتي الزوجيّة...

صفعَتْني على الجهة الثانية.. وراء المباني ما وراءَها.. تحدّثْنا عن دورنا في المؤتمر وعن محاضراتنا.. وبالي كان مشغولًا... فلأتمتّع مع الحضور ولأكفّ عن الالتفاتِ إلى المبنى الذي يُشغلني بعراقته، والمكتبة التي ربّما، هي أيضًا، لم تحتوِ كلّ الكتب..

كان نهارًا طويلًا وصعبًا، سأنسى كلّ ذلك خلفي.. وأترك هواجسي.. فللمعدة حقٌّ علينا، وصديقتي تريد أن تتذوّق الطعام الرومانيّ.. تسأل وتسأل حتّى اهتدت لاسمِ مطعمٍ، قالوا لها هناك ستتمتّعين بالمأكولات الرومانيّة، هناك في "لاماما"..

  • "لاماما"؟ اسم المطعم؟
  • نعم، يمكن أن تكون هذه أل التعريف مع كلمة ماما.
  • ويمكن أن تكون من ل، م، م.

ضحكنا من محاولاتنا اللّغويّة، وحثّثْنا الخطى لإسكات معدتنا، وكنّا نأمل أن يدفّئنا المشي السريع في هذا البرد الربيعيّ غير المتوقّع..

  • كيف لم نُحضر معنا ملابس شتويّة؟
  • ومِن أين كنّا سنخمّن أنّ ربيعهم ماطر وبارد؟

ودون أن نتّفق أخذنا نسرع لأنّ الهواء البارد يلفح الوجوه.. وفجأة توقّفتُ.. سحبَتْني صديقتي.. لكنّني توقّفتُ، وصديقتي تحثّني:

  • هيّا! ما بكِ؟ ومعدتك؟ والبرد؟

لكنّ المنظر استوقفني دون حراك، امرأة في الستّينيّات من عمرها خلعت جاكيت الفرو الجميل الناعم ووضعت يديه في يديها بصورة معاكسة، تعرضه للبيع.

تعرضه للبيع وتساوم سائحةً متبجّحةً تنهرها، وتقول لها هل الجاكيت مستعمل؟ يد ثانية؟ أم جديد ونظيف؟

والمرأة الستينيّة لا تفهم السؤال، والسائحة تكرّره، وتلك تجيبها وتقول لها 100.

وهذه السائحة تسخرُ وتسأل: 100 ليي، أو 100 يورو؟

والستينيّة يقرصها البرد، وجهها أصفر، تحضن الفرو تحت رقبتها، وتقول لها 100، والسائحة تساومها: بخمسين.

خمسون؟ ودمعة عالقة في عينها ترفّ...

سأذهب وأوبّخ تلك السائحة المتغابية، وصديقتي تشدّني من يدي.. والستينيّة تشدّني من شغاف قلبي، والسائحةُ المتغابية سأوبّخها.. سأوبّخها..

ولا أدري ما حصل في تلك الثواني التي كنت مشغولةً فيها بقراراتي.. صاحت الستينيّة في وجه السائحة بجملةٍ ما زالت تهدهد أصداؤها ولا تصمت، صاحت بها قائلةً:

  • أتساومينني على ذكرياتي؟ ذكرياتي التي تدفّئني في هذا البرد الرماديّ!

يا إلهي، أتتني الإجابة دون سؤال؛ سأتنازل عن "لاماما"، وأعطي الستينيّة ثمن وجبتي وأتركُ لها جاكيتها ودفء ذكرياتها، التمّ الناس حول المتصايحتَيْن وشدّتني صديقتي من يدي وتابعنا طريقنا والبرد ينهشنا.. ومن لحظتها قرّرت ألّا أسأل.

  • هل أسألُ ثانيةً؟

نظرتُ إلى صديقتي، فقالت لي وصلنا، لا حاجة إلى السؤال.

 

 

;