[وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ] [القرآن الكريم
السّاعة الآن هي الحادية عشْرة والرّبع ضُحًى بتوقيت غزّة؛ فهل من بقعة في الأرض، بعد اليوم، أجدر منها بأن يُضبَط توقيت الدُّنيا بتوقيتها؛ وهي أسطورة وأيقونة وقِبلة، تعلن كلّ يوم، كلّ ساعة، عند خاصرة البحر هناك، احتفالها بالحياة، وسط محرقة القرن ووسط إخوة عرب أشقياء، لا شرعيّين ولا أشقّاء [بخصوص السّبب لا بعموم اللّفظ؛ فمن غير تعميم، طبعًا]، قال فيهم، يومًا، نزار: "في عصر زيت الكاز يطلب شاعرٌ \ ثوبًا وترفل بالحرير قِحابُ \ لولا العباءاتُ الّتي التفُّوا بها \ ما كنتُ أحسَبُ أنّهم أعراب"؛ فلولا بؤرة السّوء في هذا العالم، أمريكا، ومن لفّ لفّ حربها العَوان، وأكل قمحها الزّؤان، وتسلّح بسلاحها الأحمق الجبان الخسران، وتغطّى بلحافها العُريان؛ لولا حكّامٌ أعرابٌ ومستعربون تقبض هذه الأمريكا وبَناتها الجِرْمانيّات الشّقراوات على خُصاهم، لا بل إنّهم مَخْصِيّون خَصِيّون، أصلًا، ولولا المتآمرون من "ذوي الهمّ"، صِغارُ الهِمَم قليلو الشّرف.. لما تجرّأ من تجرّأ على ما تجرّأ.. ولما مضى في غَيّه فيه..
سبعون يومًا مضت، وقد باتت حصيلتها غير النّهائيّة المعلَنة سبعين ألفًا؛ هيروشيما الجديدة، وأعلى وأولى وأكبر، بين قتيل شهيد وجريح وكسيح ومفقود فقيد، طفلًا وشيخًا وامرأة وعوائل وبيوتًا بالكامل، ومستشفيات ومخابز ومدارس وجوامع وكنائس؛ قضَوا قصفًا ونسفًا وحرقًا وخنقًا وتجويعًا وتعطيشًا وتسميما.. فلَبِئسما ارتكبتم.. ولَبِئسما اشتريتم.. ولا ربحت تجارتكم.. ولَساء ما تصنعون وتفعلون وتقترفون وتتآمرون وتمكرون.. فإنّما مَقتلُكُم، أيضًا، قَبْلًا وبَعْدًا والأهمّ، هو في سقوطكم الأخلاقيّ المدوّي فعلًا.. السّاقط أصلًا..
"ما ذنبُ مُرضعةٍ تُراقُ دِماها \ والطّفلُ مُنتَظِرٌ حليبَ نداها \ هرعت إلى الشّبّاك تُغلقُ مَدخلًا \ لسموم قنبلة يفوحُ أذاها \ ... أرأيتَ هذي الأمّ في ساحِ الوغى \ أرأيتها قد صاولتْ أعداها \... وإذا بها تلقى الشّهادة والرّضا \ من ربّها يا طِيب ما أهداها"..
وبما أنّ التّاريخ يعيد نفسه، وبما أنّ أكبر دروس التّاريخ وأهمّها أنّ البشر لا يتعلّمون درسه؛ فصَبْرا الأمس، مثلًا، هي غزّة اليوم، فما عساه كان سيقول محمودُنا اليوم، إذ قال في الأمس، وبلا تعميم، أيضًا:
"صَبْرا تقاطُعُ شارعيْن
على جَسَدْ
صَبْرا نُزولُ الرّوحِ في حَجَرٍ
وصَبْرا لا أحَدْ
صَبْرا هُويّةُ عصرنا
حتّى الأبَدْ
...
عَرَبٌ أطاعوا رومَهُمْ
عَرَبٌ وباعوا روحَهُمْ
عَرَبٌ وضاعوا
سَقَطَ القِناعُ
...
أمريكا هي الطّاعون
والطّاعون أمريكا
...
سنحفر ظلّنا ونشخُّ مَزّيكا
على تِمثال أمريكا
...
يخرجُ الفاشيّ من جَسَدِ الضّحيّة
يرتدي فَصْلًا من التّلمودْ
اُقتُلْ كي تكونْ
عشرينَ قرنًا
كان ينتظرُ الجُنونْ".
إنّ مشهد طفل غزّيّ، مثلًا مثلا، في عُمر النّحل أو الفَراش، هو كلّ من وما بقي من أهله على قيد الحياة، يُرشد منقذيه، وهو ينظر إليهم بعينيْه النّجلاويْن العسليّتيْن الرّمليّتيْن، كقطٍّ جسور واثق، يتساءل عن مصيره تحت الرّكام، يُرشدهم إلى كيفيّة تخليصه بأظافرهم من بين الحطام، يعطّل لغة الكلام، ويجعل كلّ شيء في هذِي الحياة يتقزّم بقدْر ما يتألّم، يجعله صغيرًا تافهًا لا قيمة له، ولا طعم ولا رائحة، إلّا صلاة الأقوياء.. وسط أتون حرب إبادة جماعيّة عالميّة همجيّة، تشنّها القوى الاستعماريّة الإمبراليّة الاحتلاليّة الإحلاليّة، مشفوعةً بهَوان الرّجعية اللّاعربيّة واللّاإسلاميّة، على أزقّة حيّ الشُّجاعيّة الخرافيّة؛ فأهل غزّة أدرى بشِعابها وشِعابها بهم أدرى..
وإنّه لكلّ ليْلٍ آخِر، وإنّه لهذا اللّيْل آخِر، وسَحَر وسِحر من غير ساحر.. وهذه غزّة المُبهِرة المُفزِعة، المُلهَمة المُلهِمة، بجمالها وجلالها، بخُلُقها وخَلْقها وصبرها وتقواها وهُداها، غزّة الّتي تتوضّأُ الآن بدِماها، ستعود لتتوضّأ بماء الورد والأُقحوان والبَيْلَسان، ورغم أنف الطُّغيان ستقف من جديدٍ وحديدٍ في المِحراب، وتَؤُمّ من بقي من هذه الأمّة من أعاجم وأعراب، عند أعتاب الفجر الطّالع من حيّ الرّمال، ذلك الفجر الّذي دفعت غزّة العزّة مهره، غاليًا عاليا، بأشلاء أطفالها وصرخات ثواكلها وعذابات أراملها وعويل يتاماها، ودفعته بحَوْقَلتها [قولها: لا حول ولا قوّة إلّا بالله] وحَمْدَلتها [قولها: الحمد لله] وحَسْبَلتها [قولها: حسْبيَ الله] وبإقرارها وتسليهما بقضاء الله: "إنّا لله وإنّا إليه راجعون" الصّاعدة من رحِم الأرض إلى كبد السّماء.. "فإنّهم يألَمون كما تألَمون وتَرْجون منَ اللهِ ما لا يَرْجون"..
وإنّنا لقريبًا ما سندرك أنّ هذه الحرب قد غيّرت مجرى التّاريخ ورسمت له مسارًا جديدا، غير ما كان يشتهيه المتآمرون وسماسرة القتل والموت والدّمار و"الإعمار"..! وأحدثت في شتّى مَقالب الأرض وعلى الصُّعُد كافّة هزّات وتحوّلات هائلات، لَسوف تنهال تِباعًا ونِعالًا على رؤوس الأفاعي الخاسئات..
ورئيس "مجلس الحرب" هذا، المتفلسف المفْلس، الّذي أرجّح أنّه قد فقد صوابه بالكامل، ويبدو كمن "يَتخبّطُهُ الشّيطانُ منَ المسّ"، مأزومًا ومهزوما، أرجو أن يجد شعبه، قريبًا، حلًّا له ولمن على شاكلته ويقفون معه، ولمن يتبنّون، اليوم، أفكاره المأفونة وخُططه الملعونة، من يمين ومركَز و"يسارِ" بَوارٍ وتَبار، لكأنّهم جميعًا، بسوادهم الأعظم، فلا أعمّم، شبه قبيلة واحدة؛ وحلًّا لكلّ ما يمثّله ويمثّلونه من ثقافة رياء واستعلاء رعناء، وضغينة دفينة صفراء وكراهية عمياء ومكابرة حمقاء؛ فتحلّلوا من احتلالكم.. وغيّروا ما بأنفسكم.. لعلّه الله يغيّر ما بكم، وعساه أن يطلّ علينا سلام ويحلّ في أرض السّلام سلام لا يقوم إلّا على الحقّ والعدل التّامّ.. ليضمن كرامة كلّ إنسان وإنسان.. إذ لسنا إلّا دعاة حبّ وسلام وأُلفة ووئام.. فإن شئتم فلا تخسرونا.. ولا تخسروا العيش معنا وبين ظهرانينا.. "قُلْ يا أهلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كلمةٍ سَواءٍ بينَنا وبينَكم ألّا نعبدَ إلّا اللهَ ولا نُشرِكَ به شيئًا ولا يَتّخذَ بعضُنا بَعضًا أربابًا من دونِ الله"..
والسّاعة، الآن، هي تمام الواحدة بعد الظّهر، بتوقيت غزّة..
فمن جديد، وفي كلّ عيد ميلاد مجيد: المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السّلام وفي النّاس المسرّة.
ولِي عودة منكم إليكم أيّها الأعزّة – إن شاء ربّ العزّة – للحديث، أبدًا، عن لُغتنا ونحْن، وعن فجر غزّة..ראש הטופס
الكبابير \ حيفا


.png)

.jpg)


.png)




.jpeg)