news-details
ملحق الجمعة

سلام بدون سلام (1)  

خلال الأيام القليلة الماضية أعادت وسائل الاعلام الاسرائيلية إلى الذاكرة مرور 25 سنة على توقيع اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل، والتي تُعرف باتفاقية وادي عربة، وباعتراف وسائل الاعلام جميعها فإن هذه الذكرى رغم أهميتها مرت بصمت وهدوء خاصة من الجانب الأردني، فقد تناولت بعض الصحف الأردنية هذه الذكرى من باب اسقاط الواجب وبأسلوب النعي بدلا من أسلوب الحفاوة والاحتفال.

اعترفت وسائل الاعلام لدى الطرفين الإسرائيلي والأردني بأنه لم يتم تبادل أي تهانٍ علنية بين المسؤولين في الدولتين، ولم تتم لقاءات للتعبير عن الاحتفال بهذه المناسبة رغم أهميتها، والحقيقة أن موقف وسائل الاعلام في الأردن وعدم اكتراثها وبرودها بالتعبير عن موقفها من هذه الذكرى، إنما تعكس رأي الغالبية العظمى من الشعب الأردني، الذي رفض هذه الاتفاقية ولا يزال يرفضها ويطالب بالغائها، وقد طالب مجلس النواب الأردني بأغلبية أعضائه من الحكومة في عمان إغلاق السفارة الإسرائيلية، أكثر من مرة، لكن النظام الملكي كان يحبط هذا الطلب ويمنع الحكومة من تنفيذ قرارات مجلس النواب، لأن سلطة الملك وحاشيته أعلى من سلطة الشعب وبيده الحل والربط في كل شيء، والقاصي والداني يعرف بأن الأسرة المالكة في عمان تعتبر اتفاقية وادي عربة خطوة استراتيجية وتاريخية وحلم تحقق، لأنه يوجد لهذه الاتفاقية أبعادًا هامة، أهمها المحافظة على حاضر ومستقبل هذه الأسرة.

كما أن مثل هذه القرارات الحاسمة في قطع العلاقات مع إسرائيل لا يقررها ملك الأردن وحده، بل هناك من هو معني باستمرار العلاقات الإسرائيلية الأردنية بصورة علنية مع أكثر ما يمكن من التعاون، وهذا – الهناك – هو أمريكا التي تعتبر نفسها حاضنة للأردن ومعنية بعدم اغلاق أي باب من أبواب التطبيع.

لقد استجاب النظام في الأردن لمطالب أمريكية لا تقل أهمية من الناحية السياسية على اتفاقية السلام مع إسرائيل، ما قدمه الأردن من خدمة للمصالح الامريكية الإسرائيلية له أبعاد استراتيجية هامة، لها علاقة بالمحافظة على أمن إسرائيل، ولها علاقة بالمحافظة على استمرارية اتفاقية أوسلو التي وقعت عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

الخدمات التي قدمها الأردن بعد أوسلو، إقامة معسكرات على أراضيه استخدمت للأعداد وتدريب عشرات الآلاف من رجال الأمن الفلسطينيين بتمويل أمريكي، وربما إسرائيلي، تحت قيادة الجنرال الأمريكي دايتون، وقد حل رجال الأمن هؤلاء مكان المقاتلين الفلسطينيين جنود الثورة الأوائل الذين عادوا إلى الوطن مع قيادة منظمة التحرير، وبعد عودتهم تم تسريح غالبيتهم من الخدمة كي يحل مكانهم من عُرفوا أحيانا بجنود دايتون.

أما الخدمة الثانية التي قدمها النظام الأردني لأمريكا وإسرائيل إقامة قواعد لاحتضان وتدريب العصابات الإرهابية فوق أراضيه، وقد سمح لهؤلاء بعد تدريبهم وتسليحهم بالدخول إلى سوريا لتدميرها واسقاط النظام الممانع فيها، وقد أدار هذه القواعد التي عُرفت باسم "غرفة الموك" وهي غرفة عسكرية خارجية مقر قيادة وتنسيق وإصدار أوامر تديرها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والأردن وإسرائيل وبعض دول الخليج، وقد أقيمت عام 2013 وتطورت أكثر في الأعوام التي تلت هذه السنة.

كانت هذه الغرفة تحرك عصابات الإرهابيين باتجاه مدينة درعا للوصول إلى احياء في دمشق، ومقابل هذه الأعمال حصلت عمان على بعض الفتات من واشنطن ومن السعودية ودولًا أخرى، وما استمرار النظام في الأردن بالتمسك باتفاقية وادي عربة إلا جزء من هذه الخدمات الذي يقدمها لأمريكا.

ان صمت النظام وعدم تفاعله مع ذكرى اتفاقية السلام لم يعكس موقف النظام من هذه الاتفاقية، لأنه متمسك بها ولا يستطيع الاستغناء عنها، لم يكن الاتفاق في وادي عربة عام 1994 هو الأول الذي جمع زعماء من الأردن مع زعماء من إسرائيل، وقد كُشف هذا أثناء اللقاء بين إسحاق رابين وبين الملك حسين على هامش هذا الاتفاق فقد سأل أحد الصحفيين إسحاق رابين هل هذا اللقاء الأول بينكما، أجاب رابين: بأن هذا اللقاء يحمل الرقم 21... فسارع الملك حسين وقال: عذرًا صديقي رابين هذا اللقاء يحمل رقم 22. لكن الفرق بين اللقاءات التي تحدث عنها رابين والملك حسين ولقاءات اليوم، أن الأولى كانت سرية، تتم تحت غطاء أمريكي، أما اليوم فإن اللقاءات أصبحت علنية.

اعترفت أوساط إسرائيلية بأن الأردن كان ينتظر بحرارة شديدة فرصة توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، لهذا السبب هلل النظام في عمان لاتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، كي يجد مبررًا لتحقيق أحلامه بالصلح مع إسرائيل، لأن الأردن كان يعرف أنه ليس من مصلحته عقد سلام مع إسرائيل قبل الفلسطينيين، لأن غالبية الشعب بالأردن من أصل فلسطيني، وقد كشف بعض المؤرخين في الأردن أن العائلة المالكة في الأردن كانت تعتبر وتتهم الفلسطينيين بانهم الصخرة التي تحول دون عقد اتفاق صلح بين الأردن وإسرائيل، الجدير بالذكر أن الملك عبد الله جد الملك حسين قرر عقد صلح مع إسرائيل في أوائل الخمسينات – قبل اغتياله – رغم معارضة الجامعة العربية، وأيضًا بريطانيا اشارت اليه بأن يتراجع عن هذا القرار الخطير آنذاك، لأنه ليس من مصلحة الأردن، واكتفى الأردن باللقاءات السرية.

من أجل ذلك دخل الأردن من أبواب أوسلو إلى تل أبيب علنًا واعتبر الملك حسين أوسلو نقله نوعية لخدمة السلام في الشرق الأوسط ولمصلحة الشعب الفلسطيني. (يتبع) 
 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب