سميح القاسم في خمس دقائق*
// رياض كامل
لم يتمكن أباطرة العهود البائدة من بتر لسان الشعر، وإن بتروا لسان الشاعر. أما وإن أطاحوا برأسه فإنهم لم يتمكنوا من الإطاحة بعنق الكلمة. وكما "أن الله حي لا يموت" هكذا تبقى روح الشعر، منذ تفتح وعي الخليقة على جمال الكون، حية لا تموت. ولن يتمكن أصدقائي في مؤسسة توفيق زياد من لجم أصابع يدي اليمنى، حتى وإن نجحوا في لجم الوقت المباح لي في هذا اللقاء الأدبي الفريد. وسأكتفي هذه الليلة بأن أستنشق رائحة عبق القاسم في كلامه المباح وغير المباح حتى وإن حل الصباح وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح.
هذه ليلة لا يجوز فيها لمس تلابيب المفردات، وتذوق طعمها. إنها عملية قتل للحواس الأربع وحظر تجول على حاسة الشم...وسأكتفي بذلك راضيا مرضيا شاكرا لهذه المؤسسة التي تحمل اسم شاعرنا المناضل المرحوم توفيق زياد، وهي تكرم شاعرا نال الكثير ويستحق الأكثر.
سميح القاسم المشترك بين الداخل والخارج، بين الماضي والحاضر، بين الحاضر والمستقبل، بين الشرق والغرب، بين القرية والمدينة. رسول شعر ونغم، يحلق من مشرق الصدر إلى عجز الحكمة، يغرف من تراث الماضي يغني به رصيد المستقبل، مازجا بين أبي ذر الغفاري وسفن الفضاء الشعري رائدا لا مُلحقا، ولا لاحقا أو تابعا. ولد إذ كان الشعر يحبو على أعتاب ضيعة راموية جبلية حالمة، وترعرع على يديه دون أن يشيخ عمرا بل يشيخ حكمة مذ تأنق شِعرا وشَعرا.
جار عليه الآخر فحاوره ودعاه إلى مأدبة الحب والرأفة واللين والرفق، وأعلن حين أزهر الشعر بين يديه عن أمومة الريح ووهج العاصفة وتوهج اللفظة.
عالم القاسم رحب يمتد من المحيط إلى المحيط، لا من "الخليج إلى المحيط" فحسب. وهو شعر برمائي قابل للتأويل والانفتاح والتحليق والثبات والرسوخ والشموخ. يكرج كرج الحجل في سلاسة لفظه ويخطو خطو الحسناوات في الغنج والدلال، وفي مواقع أخرى يناطح الجبال الراسيات ويعدو في كل المجالات مجاريا حصان امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من عل
يتنقل بين الكلاسيكي والحديث، وبين العمودي والحر في تفعيلاته المموسقة ونثره المحلق.
أيها الأخوة والأخوات
لا يسمح لأحد النظر إلى شعر القاسم إلا نظرة أفقية وعمودية، دون الاكتفاء بإحداهما، نستجلي الشكل ونغور في أعماق اللفظ نبحث عن خصوصية المكان والزمان في لغة متماوجة هائجة وشفافة، ناعمة ومقاتلة، مهادنة ومتحدية، ليست لينة فتعصر ولا يابسة فتكسر.
يمثل القاسم جيلا من الشعراء الطلائعيين الذين مزجوا بين الفعل والقول، فارتقوا فكرا، كما ارتقوا في الرؤية والرؤيا. والقاسم شاعر يأبى الجمود، ينتقل من الكلاسيكية والخطابية لينحو طريق الحداثة على مستوى الشكل والمضمون، موظفا الأسطورة والخرافة والتراث والفولكلور، فضلا عن الاغتناء بثقافات الشعوب الأخرى وحضاراتها، فانعكست في أشعاره عوالم الصوفيين ورموزهم، ونفحات المناضلين من مشرق الأرض إلى مغربها، مما جعله يقف في الصف الأمامي المتقدم مقلَّدا في مدرسته الشعرية يسير على هديه كوكبة من الشعراء الشباب ينهلون من مرايا شعره وظلال معانيه.
لقد سار في طرق الشعر المتشعبة من تقليدية خطابية، ورمزية وسريالية، قام بعملية تحديث القديم من خلال توظيف الرمز والأسطورة وإسقاطه كل ذلك على عالم الحاضر. سميح القاسم شاعر العامة والخاصة، شاعر العمال والمناضلين، شاعر المثقفين والمنظرين. تكتب في مؤلفاته الدراسات الأكاديمية والعلمية، وسيظل كتابا مفتوحا أمام الباحثين ما دام هناك قارئ، وما دام هناك منقبون عن أسرار الفن. إنه ذو فكر ورؤية ورؤيا تنطلق من إنسانية الإنسان، فترجمت أشعاره إلى كل اللغات الحية، ولو ترجمت إلى اللغات الميتة لبعثت من جديد.
سميح القاسم يعلن اليوم أنه يبدأ جيل الشباب في السبعين...فلتضأ سبعون شمعة، ولتعلق سبعون عين زرقاء تحمي لنا هذا الشاعر وهذا العطاء.
**ألقيت هذه الكلمة في حفل تكريم الشاعر الذي دعت إليه مؤسسة توفيق زياد بالتعاون مع احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية مساء يوم الجمعة الثاني من تشرين الأول 2009 في مركز محمود درويش الناصرة






.png)



