*الذكرى الخالدة للراحلين الشيوعيين صالح محمد أبو عيشة (أبو غسان) وقاسم رجب خطيب (أبو رجب)*
رحلا عنا على عجل، دون وداع أو لقاء، حتى ولو بالصدفة. كان صالح أبو عيشة شيوعيًا صلبًا ومكافحًا عنيدًا، وكذلك كان الرفيق المحامي الشيوعي الديراوي قاسم رجب خطيب الأسدي. شكّل غيابهما حالة من الحزن والهدوء والانضباط، إذ امتثلا لمسيرة الرفيق الأعلى ولمنطق تطور الإنسان. كأن لسان حالهما يقول: "أدّينا الأمانة تجاه شعبنا الفلسطيني، والطبقة الكادحة، وحزبنا وجبهتنا العريضة الظافرة."
رحلا في لحظة كانت الحاجة فيها ماسّة لرصّ الصفوف وتوحيد الجهود، مع بداية عهد جديد من التحديات، وكأنهما لم يتمهّلا بضعة أيام فقط ليروا فرحة الجميع بانتصار غزة على "هولاكو" العصر الحديث. كان الفارق بين رحيلهما وبين دخول غزة فجر التاريخ الحديث لا يتعدى عشرين يومًا. لم يدرك الراحلان أن بشائر الانتصار ووقف الحرب الإبادة ستتحقق، بفضل إرادة الشعوب وصمود أهلنا في غزة والشعب الفلسطيني عمومًا، والتي أثبتت أنها أقوى من جلادي العصر.
صالح وقاسم: هامتان شيوعيتان راسختان حلّقت ذكراهما في ضمائر وأفئدة الناس في منطقة عكا والجليل، وعلى بيادر الكفاح وفي ميادين النضال اليومي. خاضا المعركة كجنديين وقائدين في صفوف الحزب الشيوعي والجبهة، ممتدّين عبر الجغرافيا السياسية والحزبية للشيوعيين في هذه البلاد. كانا امتدادًا لأجيال سبقتهم على درب النضال الثوري من أجل مستقبل شعبي هذه البلاد.
كان صالح أبو عيشة دائم الحركة والعطاء الذي لا ينضب، مثل زيتونة وافرة العطاء والتضحية، جذورها عميقة في تربة أرض المكر - جديدة. ثابت لا ينكسر، لا ينهزم، لا يتلوّن ولا يلتوي. اعتُبر بحق عمود الكفاح والنضال في فرعه وفي منطقة عكا ككل، لم يساوم ولو مرة واحدة في وجه الظلم، رغم أنه لم يكن لديه أعداء شخصيون سوى سياسة القهر والاستبداد التي سلبت الناس حقوقهم القومية واليومية.
أما قاسم رجب خطيب، المحامي الهادئ البشوش، فقد شكّل بحياته الحافلة بالكفاح والعطاء نموذجًا يُحتذى به. نشأ في صفوف الشبيبة الشيوعية، ونهل من منابع الكفاح، حتى انتمى بقلبه وعقله للحزب والجبهة. حصل على منحة دراسية في بلغاريا وتخرّج محاميًا ناجحًا، افتتح مكتب محاماة مع شريكة حياته بدر خطيب، وكانا خير سند لبعضهما البعض، وأنجبا ابنتيهما قمر وسوار.
تميّز قاسم برؤية ثاقبة ووعي عميق، لم ينظر للأمور بسطحية بل رأى ما وراء الغيوم. كان أحد أعمدة الحزب والجبهة في دير الأسد والجليل الغربي، ورحيله ترك فراغًا كبيرًا في ساحات النضال.
شكّل الرفيقان الطيبان صالح وقاسم رمزًا للنضال، امتدادًا لمن سبقهم على الدرب. كانا جزءًا من القلب، والذكرى تعود إليهما كلما أُشعلت شعلة الأمل والتحدي. جيل يمضي وهو يهز الجيل القادم. لقد قاوموا وناضلوا، وها نحن نواصل الدرب.
كانت علاقتي بالراحلين علاقة خاصة، فقلبيهما كانا دائمًا مع الحزب والجبهة، متجذرين في فكر لا يتبدل ولا يتغير. كانت نقطة البداية واللقاءات في عكا، عاصمة المنطقة الحزبية، المدينة التاريخية التي كانت ملهمتنا الأولى في الكفاح الشيوعي منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
كان صالح أبو عيشة الإنسان الطيب الهادئ، المبدئي الصلب، الكادح مع العمال، لا يعرف المستحيل في سبيل الحزب والجبهة والاتحاد. كان جامعًا للاشتراكات، مجنّدًا وموزّعًا للصحيفة، وعنوانًا لمراجعات الجماهير في العمل البلدي والجماهيري، متّبعًا لغة التخاطب القائمة على الحب والصبر والتروي.
أما قاسم خطيب، بهامته العالية وابتسامته الهادئة، فقد أصبح أيقونة في مهنة المحاماة، بارعًا في كسب القضايا. كان كلما التقينا، يسأل عن أوضاع الحزب والجبهة والاتحاد، مؤمنًا بضرورة تمدد القائمة المشتركة وتعزيز التمثيل العربي - اليهودي الديمقراطي، كحاجة موضوعية وكفاحية ضد سياسات المؤسسة الحاكمة.
لتكن ذكرى الرفيقين العزيزين، ومن رحلوا على دروب الكفاح، دافعًا لنا للعمل على إنهاض رفاقنا وكوادرنا وحزبنا وجبهتنا، استعدادًا للمعارك القادمة. تلك هي رسالة صالح وقاسم، وهذه هي مسؤوليتنا جميعًا.







.png)


.jpeg)



.png)

