سهيل كيوان وبطولة الاشتباك الساخر مع الواقع! (2-3)

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

*قراءة في مجموعته القصصية، "مديح لخازوق آخر"*

 

يجمع في نصوصه بين عيوب المجتمع وأوجاعه الاجتماعية والسياسية، وبتركيز بارز على السياسي، بحيث يكون المضمون اجتماعيا وسياسيا معا، وإما أن يبدأ اجتماعيا ليتحوّل إلى السياسي ولو في نهاية القصة. ما يشي بأنّ كيوان يُؤمن بأنّ عيوب المجتمع وأوجاعه السياسية، هي التي تُكرّس عيوبه وأوجاعه الاجتماعية وتحول دون شفائه منها.

 

العلاقة بين الاجتماعي والسياسي في مضامين كيوان.

يقول إبراهيم طه: "إنّ التبئير والتحديق في أوجاع المجتمع، على النحو الذي نراه في قصص كيوان، مرتهن أصلا بعمق هذه الأوجاع، وهي على مسارين اثنين: اجتماعيّ وسياسيّ. وهذا الجمع بين المسارين المذكورين يعني أنّ أدبنا ليس مقصورا على السياسة دون غيرها رغم أهميّتها القصوى"

رغم صحّة ما تقدّم وبالإضافة إليه، نرى أنّ كيوان يجمع في نصوصه بين عيوب المجتمع وأوجاعه الاجتماعية والسياسية، وبتركيز بارز على السياسي، بحيث يكون المضمون اجتماعيا وسياسيا معا، وإما أن يبدأ اجتماعيا ليتحوّل إلى السياسي ولو في نهاية القصة. ما يشي بأنّ كيوان يُؤمن بأنّ عيوب المجتمع وأوجاعه السياسية، هي التي تُكرّس عيوبه وأوجاعه الاجتماعية وتحول دون شفائه منها.

في قصة "مديح لخازوق آخر"، وبالإضافة إلى ما ذكرته حول عنوانها الذي اختاره الكاتب عنوانا لكتابه، المضحك المبكي، وما يُظهر مدى ألم الذي ينتقل من الكاتب أو النصّ إلى القارئ، هو أنّ أمّة كاملة لم تعد تكتفي أو حتى تُعجَب بخوازيقها المحليّة من صناعة أيديها، فأهملتها وراحت تستورد خوازيقها من الخارج كإشارة إلى عيوب تحوّل المجتمع من منتج إلى مستهلك، ومن مستقلّ إلى تابع. تبدأ السخرية بشكل طبيعي متوقّع من مجرد الحديث عن الخازوق، ثم تأخذ شكلا آخر مثيرا للضحك، عند الحديث عن التقاليد الغريبة لقبائل الهازوكي، وعن دور الخازوق الذي أصبح مقدّسا في حياتها. والقارئ حتى هذه اللحظة يظنّ أنّ هناك مثل هذه القبائل البدائية، ربما تعيش في غابات أفريقيا أو غيرها، وربما يذهب القارئ للبحث عنها في المصادر المتاحة قبل الانتهاء من قراءة النصّ، كما فعلت أنا ولم أجدها. ولكن يحدث التحوّل في ذهن القارئ في الفقرة الثالثة قبل الأخيرة، حيث الحديث عن تصنيع الخوازيق وتجارتها، إذ يُهمل أفراد القبيلة صناعة الخوازيق المحلية التقليدية، وتدخل الصين والهند وحتى المستوطنات الإسرائيلية في الأرض المحتلة، كأسواق محتملة، تفرض علينا ترك خوازيقنا واستيراد خوازيقها. المشكلة بدأت كمشكلة اجتماعية واقتصادية مقلقة، إلّا أنّ قلق كيوان ينتج أكثر عن تدخّل السياسة التي تُجمّل المشكلة في الظاهر، بينما هي في الحقيقة تكرّسها وتعمّقها. حدث التحوّل من الاجتماعي إلى السياسي، من خلال ذكر المستوطنات الإسرائيلية وقمة "شرم الشيخ" وما يتحمله الفرد والمجتمع بسببهما. فخوازيق (منتجات) المستوطنات الإسرائيلية لا يُمكن أن تكون مقبولة، بل مفروضة، وقد تُساهم قمة جبل الشيخ وغيرها في تسويقها في العالم العربي، حامي حمى القضية الفلسطينية وقبائل الهازوكي!

هذا التحوّل في المضمون، يتكرّر في نصوص كيوان، لدرجة أنّه يبدو كظاهرة. ويحدث عادة من الخاص إلى العام (من الأنا إلى الـ "نحن") أو من الضيّق إلى الواسع (فضاء الحارة والقرية إلى فضاء الدولة والعالم)، أو من الاجتماعي وغيره إلى السياسي. بواسطة هذا التحوّل يصل كيوان إلى لبّ القضية التي يطرحها، وتصل سخريته ذروتها حيث تعتصر الألم وتتفجّر حدّ الضحك والبكاء معا. ويحدث ذلك في نهاية النصّ، حين نكتشف أنّنا نحن ولا أحد غيرنا، نحن قبائل الهازوكي، "أولى الأمم المبعوثة من أجداثها" (ص 50) التي تعقد اجتماعات قممها في شرم الشيخ وتعلن بعد كل اجتماع عن خازوق جديد "تعلو له صرخات وصيحات وتهاليل المتخوزقين ... من غزة لبغدان ومن نجد إلى يمن إلى مصر وتطوان!" (ص 51). ولا يخفى على القارئ أن التناص في العبارات المذكورة، هدفه الإشارة إلينا، نحن أمّة العرب. وهنا أيضا، يكتشف القارئ أنّ مفردة "الهازوكي" ما هي إلّا تحوير لمفردة "الخازوق" منسوبا إلينا.

في أولى قصص المجموعة، "إعلان حرب على الدولة" (ص 11)، ينتظر القارئ من البطل المتسلّح بقضيب حديد، أن ينتزع البطولة الكاملة من دولة بكامل عتادها، متمثلة بـ "جندي صوّب بندقيّته إليه (ص 12)، ولكن يُفاجأ القارئ ببطل لا تشغل تفكيره المواجهة ولا نية له فيها أصلا، فضلا عن أنّ المعركة غير متكافئة، وقضيب الحديد الذي تسلّح به، كان يحمله ليهشّ به على الكلاب، "لأنّه يخشى الكلاب السائبة في الخلاء" (ص 11)، وليس له فيه مآرب أخرى، أثناء ممارسته رياضة المشي. إلّا أنّ الكاتب في هذا النص، كما في غيره، يلجأ إلى التّحوّل المفاجئ، من فضاء قريته إلى فضاء الدولة كلّها، ومن المواجهة مع الجندي إلى الاشتباك مع مجتمع الدولة بكل شرائحه السياسية والاجتماعية، وصحافته المسموعة والمقروءة والمرئية، العبرية والعربية، ويمارس بجدارة، بطولته الخاصّة، السخرية، بدءا على لسان البطل في القصة ليُسوّغ الانتقال إلى لسان الراوي، وإن لم يكن في الحقيقة فارق كبير بينهما، فهما وجهان لشخصية واحدة، أو شخصية واحدة جزّأها الكاتب وتتماهى معه غالبا.

تبدأ السخرية من نكوص البطل أمام الجندي، ومن عدم تفكير البطل بالمواجهة، لأنّه لم تكن لديه أصلا، أيّة نيّة للمواجهة، ولكنّها تأخذ اتجاها آخر هو ما أراده الكاتب، السخرية من وضع مُحدّد وإن بدا فيه الكثير من التعميم، وهو ماذا كان سيحدث لو أطلق الجندي النار على البطل الذي قال: "وأنا أنتظر الرصاصة ... يا إلهي تصوّر ما كان يمكن أن يحدث" (ص 13)، أي السخرية من ردّة فعل المذكورين أعلاه وتصرّفهم عند سماع الخبر: ردّة فعل الدولة وأجهزتها وبرلمانها بأعضائه اليهود والعرب، والإعلام المرئي والمسموع والمقروء، داخلها وخارجها، بكل أطيافه العبرية والعربية، ورجال الصحافة والأدب والثقافة، المتطرّفين والمعتدلين، وتعليق الجمهور على الخبر، وعلى تصرّف الجندي البطل وتصرّف البطل "المخرّب"، ولا ينسى ردة فعل أبي البطل (الشهيد) وأمّه وزوجته وأهل بلده، وقد يمتد الحديث عن ردّ الفعل من السياسة المحلية إلى السياسة الإقليمية والعالمية. ويصل الكاتب إلى ذروة السخرية في أعادة الإمام الذي اتّخذ ما حدث للبطل الشهيد، موضوعا لخطبة الجمعة، أعادته عن معبر "جسر الشيخ حسين أثناء سفره لأداء العمرة، ليس لأي سبب، وفقط لأنّه متهرّب من دفع ضريبة التلفزيون" (ص 17). في هذه العبارة التي يُنهي بها الكاتب قصته، أراه يبصق في وجه المذكورين جميعا، الدولة وخبث سياستها، والمجتمع العربي، المحلّي والعام، وعجزه عن مواجهتها، بل خضوعه لأهوائها.

هذه الصور المشبعة والمتلاحقة في قصص كيوان، تترك القارئ تقتله الحيرة بين ما سيطلقه من ضحك وما سيذرفه من دموع الألم والحسرة. وهذه الصورة التي أفلح كيوان في رسمها في قصة قصيرة لكنّها مشبعة، لمجتمع بضيق قريته وسعة الدولة والعالم العربي والمنطقة على الأقلّ، عالم مهزوم يعيش معركة مستمرّة، القوى فيها غير متكافئة، لا عسكريا ولا سياسيا ولا ... ولا ... ولذلك يجد نفسه على مستوى الفرد الذي يحمل همّ المجموعة أو المجتمع كلّه، لا حول له ولا قوة إلّا بالكلام، ولا خلاص له إلّا بالتهكّم والسخرية.

لا ينفصل الهمّ العام لدى كيوان عن الهمّ السياسي بحال من الأحوال. فحتى لو بدت أو بدأت المشكلة في قصصه، كمشكلة اجتماعية أو اقتصادية، فلا بد لها في النهاية من هذا التحوّل الذي يُظهر ارتباطها بالسياسة. هذا ما شهدناه في القصّتين المذكورتين، وما سنشهده في كثير من قصص المجموعة، حيث يُوظّف هذا التحوّل في المضمون، من الخاص إلى العام، أو من الضيّق إلى الواسع، ليبين لنا أنّ الأزمة التي يعيشها المجتمع، هي بالأساس أزمة سياسية تفرض نفسها على كل نواحي حياته، الاجتماعية بشكل خاص، كمجتمع مهزوم أمام نفسه وأمام آلة سياسية وعسكرية واقتصادية هائلة تدخل وتتدخّل في كل نواحي حياته.

في قصة "عيون الألب" (ص 79)، وهو عنوان أغنية لمطربة مشهورة، نجاة الصغيرة، يتوقّع، القارئ، خاصة ذلك الذي سمع الأغنية بصوت صاحبتها الناعم، يتوقّع قصّة رومانسية وجوّا حالما مليئا بعلاقات إنسانية بريئة. ولكنّ الكاتب يُفاجئنا كعادته، بأنّ الحديث عن السياسة والانتخابات، وأنّ الحبّ أصبح مرتبطا بالسياسة. وما دام الأمر كذلك، فلا بدّ أنّه أصبح ملوّثا كالسياسة وأكثر. يبدو ذلك واضحا في توجّه المرأة التي فضّلت "بوس الواوا" على "عيون الألب"، حيث قالت للراوي الذي هاتفها لإحياء ماضٍ عاشاه معا: "بعدك عايش في زمن "عيون الألب" يا روح أمّك! بدّك تبوس الواوا تعال ... وإذا ما بدّك ... الله وعلي معك! أنا ما عندي وقت لقصص العشّاق واللف والدوران" (ص 83). هذا الردّ، يُحيل القارئ إلى التحوّل السياسي والأخلاقي في المجتمع، حيث الفرق بين الأغنيتين، هو أنّ كل واحدة منهما تُشير إلى منظومة أخلاقية مختلفة، فبينما "عيون الألب" تُصوّر حبّا صادقا في أجواء رومانسية بريئة، تُصوّر "بوس الواوا" توجّها جنسيا صارخا وفاضحا حدّ العهر. والتحوّل من الأولى إلى الثانية، فيه دلالة إلى التحوّل الأخلاقي والخراب اللذين أصابا المجتمع بفعل السياسة التي ساهمت في تشويه المجتمع وتخريبه.

في قصة "مع فائق الاحترام" (ص 110)، يبدو وكأنّ جهود المعلّم التي بذلها بإخلاص، ولسنوات طويلة في سبيل طلابه، ستشفع له عندما يشعر بأنّ قدرته على العطاء قد استنفذت، وصار وضعه وأمانته يُحتّمان عليه الخروج إلى التقاعد المبكّر. وعندما يُقدّم طلبا لذلك، تبدو الوزارة والإدارة كأنّهما تستندان إلى قضية مبدئية وأخلاقية نابعة من تقديرها لجهوده وتفانيه المخلص في عمله. فالوزارة ترفض طلبه متذرّعة بـ "ما زلنا بحاجة لعطائك، فأنت من خيرة المدرّسين عندنا - مع فائق الاحترام" (ص 110). والمدير يرفض مساعدته في الأمر متذرّعا بـ "أنت من أفضل المدرّسين عندنا، ما زلنا بحاجة لخدماتك وطبعا مع فائق الاحترام" (ص 111). وبعد فشل كل محاولات المعلّم، يجد العكس، وأنّ طلبه يُرفض عقابا له على إخلاصه وتفانيه في عمله. وهذا ما يُفهم أيضا من مصارحة المدير له، "أنت مخلص أكثر من اللازم ... وكي أطلب إحالتك إلى التقاعد المبكر عليك أن تكون سيئا ... بل شديد السوء" (ص 112). وطبعا المدير يُمثل الوزارة، والوزارة تُمثّل السلطة، ولها سياسة. وما معنى أن تُحيل المعلّم للتقاعد فقط أذا كان سيئا؟ يعني اذا نفّذ سياستها في التعامل مع طلابه، وساهم في خلق جيل لا يحترم معلميه، بل على استعداد لضربهم وإهانتهم، وفي تحويل المجتمع من حالة احترام المعلّم والمربّي كما كانت في الماضي تجيء على لسان أولياء الأمور، "أرجوك يا أستاذ ... إلك اللحمات وإلي العظمات" (ص 111)، إلى حالة ازدراء للمعلم واحتقار لدوره ومكانته، كما يُعبّر عنها اليوم، أولياء الأمور الذين لا يزورن المدرسة إلّا لضرورة الانتقام من المعلم، "أين مربي الأجيال! ... سأجعله عبرة للأجيال!" (ص 111). 

قصة "زيتون مُملّح ومسَبّح وفالق نيعه" (ص 130)، تبدأ الحديث عن عادة "البعارة" التي يقوم بها عادة الصغار الذين يخرجون بعد عملية قطف الزيتون، لالتقاط حبّات الزيتون المنسيّة على التراب أو بين الأشواك أو على الأغصان، ليبيعوها ويستثمروا ثمنها بمتع تحرمهم منها أوضاع أهاليهم الاقتصادية. وتتحوّل "البعارة" أحيانا إلى السرقة. وعندما تصل شكوى إلى المربي في المدرسة فيُذكّر الأولاد بأنّ السارق يُعاقب لأنّ الأديان تُحرّم السرقة، خاصة ما جاء في الوصايا العشر التي "نزلت على موسى كليم الله وموسى هو نبي اليهود" (ص 135). هنا يحدث التحوّل من قضية اجتماعية وأخلاقية، إلى قضية سياسية، فالطلاب الذين كبروا وانقرضت "البعارة"، صاروا يتبعّرون الأخبار ويتساءلون: "باسم أيّ دين ونبي يسرق المستوطنون زيتون الفلسطينيين!" (ص 136). لتنتهي القصة بالحديث عن تصرّفات المستوطنين الذين يقومون بكل الموبقات ضدّ الفلسطينيين، بما في ذلك سرقة زيتونهم واقتلاعه، بلا رادع ديني أو أخلاقي. ولكن الأهمّ من ذلك، وما يرمي إليه الكاتب، هو أنّ تصرّفات المستوطنين هي في الحقيقة تجسيد لسياسة القهر التي تُخالف كل الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية، والتي تنتهجها دولة الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة. وكل ذلك أمام المجتمعين: العربي حامي فلسطين، والدولي حامي الحقوق والقيم الإنسانية، اللذين لا يُحرّكان ساكنا.

وهكذا فكل مضمون اجتماعي، ديني، أخلاقي، اقتصادي أو حتى عاطفي لدى كيوان، وفي نظري بحقّ، يرتبط بالسياسة التي تنتهجها السلطة، مدفوعة بمصالحها الاقتصادية والسياسية والأخلاقية التي تتنافى محليّا مع مصلحة الأقليّة العربية في إسرائيل ومصلحة الشعب الفلسطيني المحتلّ، وتتنافى كذلك مع الخُلق والقيم الإنسانية بشكل عام.

في قصة "قل مبروك لقبرص" (ص 90)، تظهر نقمة سهيل كيوان من كل شرائح المجتمع التي لا يُمكنها أن تلتقي في عمل جماعي واحد يصبّ في مصلحة القرية كلّها، كانعكاس لفعل السياسة عليها والتي تدأب على خلافها وتفسيخها، بحيث لا تجتمع مثلا، على مواجهة العصابة التي تعيث فسادا في القرية. فالكل يدعي تفهّمه للوضع وضرورة مواجهته بحزم، لكن عندما يجتمعون للتداول واتخاذ قرارات حاسمة وخطوات عملية جادة، ينفضّ اجتماعهم عن لاشيء، لأنّ كل واحد "يُغنّي على ليلاه"، ويبقى البطل الذي دُعي للاجتماع كغيره، وحيدا مستسلما لهذا الوضع حائرا ماذا يفعل!

في هذه القصة يصبّ كيوان نقمته على كل الأطر في المجتمع، وخاصة السياسية، وخاصة الحزب الشيوعي الذي انتمى إليه ذات يوم وانفصل عنه. يبدو ذلك في الاجتماع في السخرية من الرفيق الذي أهمل القضية الأساس، العصابة، واقتراح "رفع تحية من هنا (مكان الاجتماع) إلى الرفيق خريستوفياس من حزب آكيل (الحزب الشيوعي القبرصي) الذي فاز برئاسة قبرص" (ص 93). وكما يبدو، فإنّ في استسلام الراوي للرفيق، ومباركته لقبرص، وتساؤله في نهاية القصة، "ولكن العصابة ... يا أخي من سيقاتل العصابة؟" (ص 96)، تبريرا لانسحاب الكاتب من الحزب الشيوعي الذي تخلّى في نظره، عن دوره في الدفاع عن الجماهير وقضاياه الأساسية.

صحيح أنّ نقمة كيوان على الحزب الشيوعي واتّهامه بالسلبية والتخلّي عن دوره الأساس، أمر واضح في هذه القصة، وقد ظهر ذلك أيضا في أكثر من قصة، ولكن للأمانة والحقيقة، هو ناقم على كل الأطر السياسية العربية في البلاد. ويبدو ذلك واضحا في سخريته من مواقفهم في قصة "إعلان حرب على الدولة" (ص 11)، حين تساءل حول موقفه من قتل الجندي لمواطن عربي: "ولكن ماذا يقول أعضاء الكنيست العرب عن أسباب زيادة تطرّف جمهورهم! أما زالوا يرفضون فكرة ليبرمان (وزير في حكومة إسرائيل) بضرورة العزل بيننا وبينهم ... نحن هنا وهم هناك!" (ص 14). وما يؤكّد شمولية نقمة كيوان أيضا، وأنّ عدم رضاه يشمل كل الأطر السياسة العربية، بما في ذلك حزب "التجمع" الذي ترك الحزب الشيوعي وانتقل إليه في ذلك الوقت، هو ذكره للنائبة العربية في القصة، والتي يسخر مما تخيّل أنّها ستقوله: "الدولة بأعمالها غير المسؤولة ستجرّ المنطقة إلى الكوارث" (ص 14)، علما بأنّ النائبة العربية الوحيدة عن القوائم العربية في البرلمان، قبل صدور هذه المجموعة، وظنّي أثناء كتابة القصة، كانت النائبة "حنين زعبي" عن حزب "التجمع الوطني" الذي كان، ولا أدري إذا ما زال ينتمي إليه الكاتب.

والحقيقة، هذا الغضب الذي يُوزّعه كيوان على الجميع، حتى لو لم تتّفق معه فكريّا أو سياسيا على الأقلّ، ليس بعيدا عن شخصيته الناقدة وشدّة ملاحظته لدقائق الأمور، وشجاعته في اتّخاذ الموقف مهما كان متطرفا، وحتى لو ظلّ وحيدا في الميدان يتسلّح بقلمه وسخريته. ولكن، هذا الموقف لا يخلو من خطورة تكمن في أنّ كيوان يكتب مدفوعا بإيديولوجيا شخصية لا تقلّ خطورة عن الأيديولوجيات الأخرى، خاصة السياسية التي ينتقدها أو يُهاجمها بسخريته.

في قصة "أنا والكلاب وهواك" (ص 176)، الموضوع سياسي بالأساس، ولا علاقة له بعلاقات الجيرة الاجتماعية. فالكاتب يُركّز على العالم العربي وعلاقاته المهينة مع إسرائيل، ولكن قدّمها بشكل غير مباشر، بشكل أمثولة تتحدّث عن حيّ سكنيّ وما يدور فيه من علاقات اجتماعية. ومن باب التمويه، وظّف كيوان بعض المصطلحات التي تُحيل إلى كون المشكلة اجتماعية، مثل الحيّ والجار والبيت والحدود والسياج والقطط والكلاب. ولكن، كل هذه المفردات، أو المصطلحات، كلّ في سياقها، لا تخلو من إحالة سياسية، لأنّ الدخيل على الحيّ هو عميل من الضفة الغربية. والإحالة تبدو واضحة في تسميته لنوع الكلب، فالدوبرمان هو ليبرمان وما يمثّله من سلطة إسرائيل، وفي ذكره للزعيم كإشارة إلى الرئيس المصري حسني مبارك ممثلا للزعامة العربية المتخاذلة مع إسرائيل التي تعمل يوميا على إهانتهم وإذلالهم. وهنا تحمل القطط الفارسية دلالة أخرى، حيث فيها إشارة للخطر الإيراني. أما الاجتماع فيُشير إلى اجتماعات القمة العربية. وغير ذلك هناك الكثير من الإشارات التي تُحيل إلى أنّ القصة تطرح موضوعا سياسيا، هو العلاقات العربية الإسرائيلية، تسخر منها ومن مواقف الزعماء العرب، وسياستهم الخاضعة لإملاءات إسرائيل كما يتضح ذلك من أغنية الزعيم في آخر النصّ، "أنا والكلاب وهواك ... يا ماسك كراسينا" (ص 182).

وبهذا النهج، ومن فضاءات مجتمعنا المحلي والعربي عامة، وسواء اعتمد كيوان التحوّل المذكور أعلاه أو لم يعتمده، نجده يشتبك بجرأة وشجاعة، في حربه الساخرة التي لا بطولة فيها إذا صحّ التعبير، إلّا لسخريته التي لا هوادة فيها، حيث يشتبك مع مجتمعه العربي وعجزه وانهزاميته أمام سياسة دولة لا قيمة للإنسان فيها إلّا بمدي خضوعه لها وخدمته لمصالحها. تنطلق حربه من مجتمعه الضيّق في بيته وحارته وقريته، مرورا بالدولة التي رغم مواطنته فيها، تعتبره عدوّا يجب تدجينه أو استئصاله، وصولا إلى المجتمع العربي الواسع الذي يمتدّ من الخليج إلى المحيط. وفي طريقه، لا يتورّع من أن يشتبك أحيانا، مع المجتمع الإنساني كاملا أو مجزوءا، ساخرا من سياسته التي لا تستند إلى منطق. وهذه السخرية وما فيها من شعور بالنقمة لدى كيوان، تسعى لتقويض المجتمع وإعادة صياغته من جديد.

لا تختلف المرأة في قصص المجموعة عن باقي الشخصيات، فهي قلّما تُذكر لذاتها، وإنما تُذكر لأنّها جزء من المجتمع، ضحيّة من ضحاياه، أو تعكس عيوبه وتساهم في صنعها وترسيخها بغض النظر عن مستواها الثقافي. وهذا ما يظهر مثلا من دور ابنة الراوي في قصة "نبتدي منين الحكاية" (ص 60). فابنته تُحبّ سماع الأغاني العبرية ولا تعرف أنّ موسيقاها سُرقت عن الأغاني العربية

 

المرأة في قصص المجموعة

لا تختلف المرأة في قصص المجموعة عن باقي الشخصيات، فهي قلّما تُذكر لذاتها، وإنما تُذكر لأنّها جزء من المجتمع، ضحيّة من ضحاياه، أو تعكس عيوبه وتساهم في صنعها وترسيخها بغض النظر عن مستواها الثقافي. وهذا ما يظهر مثلا من دور ابنة الراوي في قصة "نبتدي منين الحكاية" (ص 60). فابنته تُحبّ سماع الأغاني العبرية ولا تعرف أنّ موسيقاها سُرقت عن الأغاني العربية. وحتى عندما سمعت هذه الحقيقة من أبيها:

  • إفهمي ... هذا لحن لَطَشُه (زوهر أرغوب) من عبد الحليم ... (لطشه - سرقه).

تُصرّ على عنادها وتقول:

  • ولماذا لا يكون عبد الحليم هو الذي لطش هذا اللحن من زوهر أرغوف!

أي أن الكاتب يرمي إلى أنّ ابنة الراوي تُمثل الجيل الجديد الذي فقد انتماءه، يجهل لغته وتراثه وتاريخه، وحين يُصرّ الأب على التّمسّك بعلمه وثقافته بقوة وعمق، تّصر هي على جهلها وتمسّكها بشكل سطحي بقشور ثقافتها الجديدة، كما ظهر ذلك في ذكر الأب للاسم "أرغوب" مصرّا على اللفظ العربي للاسم، بينما قالت ابنته "أرغوف"، وكأنّها تتباهى بإتقانها للهجة العبرية كما ينطقها اليهود الغربيون الذين ينطقون الباء في العبرية كما ينطق حرف (V) في اللغة الانجليزية.

والحقيقة أنّ ابنة الراوي لا تُمثل النساء فقط، وإنّما تُمثّل الجيل الجديد في المجتمع، من ذكور وإناث. والقصة تُعبّر عن تخوّف الكاتب من انزلاق الجيل الجديد إلى مثل هذا الوضع من اللامبالاة التي بدأت تظهر بشكل مقلق. وتظهر في القصة بشكل واضح، محاولة الكاتب/الراوي الوقوف في وجه هذه الأزمة ومن امتدادها.

وإذا كان الكاتب قد طرح في القصة المذكورة أعلاه، سلبية دور المرأة فيما يحدث في المجتمع، إلّا أنّ هناك قصة، أعتقد أنّها مميزة بين قصص المجموعة، خاصة عند الحديث عن دور المرأة ومكانتها. فبالإضافة إلى أنّ الراوي يترك زمام السرد للمرأة في معظم القصة، يُصوّرها أيضا وهي تمسك بزمام الأمور في الحياة. وفي الوقت نفسه يسخر من الرجل الذي يتعلّق عند سطح الجنس في علاقته بالمرأة، بينما تتعلّق هي بجوهر الأمور وتحكّمها بها وبنفسها. وذلك يظهر واضحا في قول الرجل وردّ المرأة التي أخذته إلى أرض "أرض البوسة" وحدثته عنها وعن سبب تسميتها. قال هو: "هل قطعنا كل هذه المسافة من أجل "بوسة"؟ فقالت هي: "على هونك ... القبلة في هذا الزمن أصبحت أمرا عاديا إذا تمّت بالاتفاق" (ص 19).

 في هذه القصة نجد المرأة كما يُريدها كيوان في المجتمع، ليست مجرد أنثى أو آلة للجنس، وإنّما امرأة قوية، واعية، مثقّفة، تتمسك بأرضها وتاريخها وتراثها. وقد نرى فيها النموذج النقيض لصورة ابنة الراوي في القصة السابقة.

(يتبع حلقة أخيرة)

 

صورة للفنان الفلسطيني نبيل عناني
قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية