سيميائية ماركسية ثقافية؟ في رواية "لوزها المرّ" لهشام نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

**الخنوثة والديالكتيك: 

منذ عقدين وأنا أراقب بشيء من الترقّب نسقًا أدبيًا جديدًا، يتشكّل ويتبلور باطّراد في ثقافتنا الفلسطينية المحلّية، ينشأ على تجاور الأضداد وتفاعلاتها ويشير إلى حالة ارتباك محايد أو حميد، سمّيته في دراسات سابقة "نسق الخنوثة". والحقيقة أني لم أجد ما هو أدلّ من الخنوثة على اجتماع جنسين ضدّين في واحد. لعبة التجاور بين الأضداد في هذه الرواية تظهر بحدّة، أول ما تظهر، في العنونة "لوزها المرّ ". واللوز المرّ مرّ ولذيذ الطعم، "تحمل مرارته هالة من حلاوة حولها أو نواة فيها" (ص 25). هكذا تصير العنونة حالة من حالات الخنوثة التي يؤكّدها الكاتب بذكاء ويشير إليها بوعي متيقّظ وحادّ. يخلط هذا النسق الجديد الأوراقَ، كلها أو بعضها، ليعيد ترتيب التخوم الأدبية بصفة خاصة، والثقافية بصفة عامة، على نحوٍ يظهر فيه الإنسان الفلسطيني في الداخل ملتبسًا مرتبكًا متوتّرًا متسائلا. وهو نسق بدأ يجتاح الحالة العربية كلها من أقصاها إلى أقصاها بأعماق متفاوتة وذبذبات مختلفة.

"فاطمة"، رواية محمد نفاع، هي رواية أبوية مكتوبة بإتقان حسب ضوابط النموذج الروائي المحفوظي، تعرف البداية وتعرف النهاية، وهي لذلك تعرف السؤال وتعرف الجواب. والأضداد التي تتشكّل منها حركة هذه الرواية تتناثر أو تضيع في تعاريج التوصيف المفصّل ومنعطفات الأحداث المشبعة، ما يجعلها بالتالي رواية انسيابية مريحة في قراءتها جذّابة في انفعالاتها وذهنيّتها. الحقّ يُقال، وينبغي أن يُقال، أنّ هذا النمط الروائي ما زال يتمتّع بسحره الجميل الفاتن الذي لا يتقادم ولا يكشح ولا يبهت ولا يُملّ. أما الأضداد في "لوزها المرّ"، رواية هشام نفاع، فقد نبقت ونتأت فطغت. والمعادلة الفكرية التي لا يماري فيها أحد مفادها، بالكلام الموجز، إذا اختلفت وجهات النظر فقد اختلفت أنماط الكتابة. محمد نفاع يحدّق بالعالم بعينين مفتوحتين وحدقتين واسعتين من فوق جبال الريح، هشام نفاع ينظر من ثقب الباب أو من "عين الباب الزجاجية" إلى عالمه الداخلي والخارجي على حدّ سواء. وإذا اختلفت أنماط الكتابة، باختلاف وجهات النظر، فلا بدّ أن تختلف أعراف القراءة تبعًا لذلك. والنمط الكتابي الجديد الذي يمثّله هشام نفاع في روايتيه القصيرتين "انهيارات رقيقة" و "لوزها المرّ"، وهما قصيرتان قياسًا بالنمط الأبوي للرواية، هو محاولة جدّية وعميقة لتكريس حساسية كتابية مختلفة في مسيرة الأدب الفلسطيني في الداخل. وكان لا بدّ إذًا أن تستوجب هذه الحساسية الجديدة إعادة النظر في آليّات القراءة المتّبعة (ص 15 - 16).

من المؤكّد أنّ لهذا النمط الجديد سحره وبريقه وإغراءاته أيضًا، لكنه يستهلك الكثير من الصبر وضبط الأعصاب عند القراءة.  وإن لم يكن القارئ قادرًا على توسيع مسطّح أخلاقه سيعاف القراءة من الصفحات الأولى. والمسألة في مسيس الحاجة إلى تهذيب الملَكة القرائية و"تدريبها" أو هدايتها إلى الدرب بالمراس (103). من معاصي القراءة أن نوظّف أعرافًا قرائية عتيقة في حالة كتابية جديدة غير مأنوسة. وكلّ قارئ يقتحم النصّ بمنظومة قبْلية جاهزة من الآليّات سيفشل في فعله لا محالة. أيُعقل أن تكون الكتابة نشاطًا حداثيًا، تتمرّد على الحداثة نفسها وتتجاوزها إلى ما بعدها، وتظلّ القراءة المرافقة لها فعلا سلفيًا أصوليًا في توجّهاتها وممارساتها؟! ولذلك قد يصعب على الأب أن يتفاعل مع ما يكتبه الإبن، مثلما قد يصعب على الإبن أن يتفاعل مع ما يكتبه الأب. أقول "قد" وأنا لم أسمع من أحد شيئًا بهذا الشأن. 

لولا رغبتي في التأكيد على تجاور نمطين مختلفين من الكتابة، وليس المفاضلة بينهما، لما قارنت بين الأب والإبن. قارنت لأنّ المقارنة محايدة ولم أفاضل لأنّ المفاضلة تفضيل، والتفضيل في جوهره ومنحاه نفي وإثبات: نفي لشيء وإثبات لآخر. وإن كانت ذائقتي الأدبية قد نشأت على النمط الروائي النموذجي الأبوي المحفوظي،إلا أنها قادرة بيسر على استيعاب التجارب الحديثة بقلب متسامح وعقل مفتوح. أما متى تتحوّل هذه المقارنة إلى مفاضلة فلا علم لي به. والأمر مرهون بحدّة الخصومة وعمق التوتّرات التي قد تنشأ بين هذين النمطين. ولا بدّ أن تنشأ. في سياق هذه المقارنة، أودّ التذكير بأنّ مفهوم النفي في الديالكتيك الماركسي يختلف في الجوهر، وليس في العرض، عن مفهوم النفي أو التقويض في التفكيك الديريدي. في الديالكتيك الهدم لأجل البناء، وهو مكفول بفضل تجاور الأضداد في المادّة نفسها بما في ذلك المادّة الثقافية والأدبية. وهكذا لا يرتفع البناء إلا على هدم يسبقه. والبناء على أنقاض مهدوم لا يتمّ على شكل طفرة أو دفعة واحدة وإنما على تراكم التجارب ونضوج المحاولات. هذا النضوج يهيّئ لذائقة تتّسع أو تضيق وفقًا لدينامية التفاعلات الحضارية بصفة عامة. هشام نفاع يبدو حتى الآن مصرًا على مشروعه الجديد الذي أسّس له في روايته الأولى "إنهيارات رقيقة" (2011). 

الثقافة هي نظام علاماتي يتأسّس على معطيات كثيرة أبرزها نظام الأضداد. ما يعني أنّ تحديد هذه الأضداد وتوصيفها وترتيبها وتنسيقها وبيان تعالقاتها وتوتّراتها وعواقبها هو فعل سيميائي يساهم في الكشف عن المعنى أولا والدلالة ثانيًا. في القراءة السيميائية الثقافية ، على النحو الذي أسّسه يوري لوتمان، أحاول أن أقرأ النسق الفكري والسلوكي العام من خلال تموّجات الشخصية الفردانية وتردّداتها في الرواية. ولا بدّ لهذه القراءة أن تبدأ من الداخل النصّي. والداخل النصّي يواجهك، أول ما يواجهك، بمنظومة من الأضداد المتجاورة، تتصالح وتتصارع بذكاء وحنكة. هي منظومة من الألعاب الكتابية. وهي ليست "ألعابًا" إلا لأنها نظام محسوب في فضاء الوعي الفوقي أو التحتي. ولأنها نظام محسوب، أي تُدرك وتُوصّف بالعقل أو بالحسّ، فهي وظيفية وإن تمرّدت على النوايا. ما يعني أنها تؤدّي في مجرّد وجودها، بغضّ النظر عن نوايا صاحبها،  وظيفة سيميائية بالضرورة لا بالمشيئة. إنّ الواقع النصّي إذًا لا يمكنه أن يتشكّل بغير تناقضات تتفاعل فيما بينها. وهذا التفاعل يعني أنّ الضدّ لا يتحقّق وجوده إلا من خلال ضدّ يمارس عليه سلطة التقويض والتعطيل أو النفي. حياة الضدّ مرهونة بوجود ضدّ آخر يستطيع أن ينفيه ليؤسّس على أنقاضه ضدّا جديدًا يدخل في تفاعلات جدلية مع أضداد أخرى، وهكذا. 

في علم السيمياء أنماط كثيرة وتفريعات ملتوية، منها السيميائية اللغوية، والثقافية، والحضارية، والبنيوية، والاجتماعية، والعضوية (بتفريعاتها الثلاثة)... لكن، هل هناك فرع منجز ومعروف في السيمياء اسمه السيميائية الماركسية؟ لا، ليست هناك تسمية كهذه علمًا أننا نجد شذرات مطوّلة أو إشارات غليظة إلى هذه العلاقة في كتابات أنطونيو غرامشي، ثيودور أدورنو، ريموند وليامز، فريدريك جيمسون وتيري إيجلتون. على العموم، كلّ الآيديولوجيات تُفيد من السيمياء بصفة أو بأخرى لأنها تحتاجها في تفسير رسالتها. وقد نشرتُ الكثير من الأبحاث النظرية في هذه  المسائل في الدوريّات السيميائية النخبوية في العالم، وكلها باللغة الإنجليزية لمّا تُترجم إلى العربية لأسفي الشديد. السيميائية الماركسية، على النحو الذي نطرحه هنا، تُعنى ببيان الأغراض في الأعراض. أعني انعكاس الأغراض الفكرية للجدلية والمادّية، في الأعراض الشكلية والبنيوية للرواية. ولذلك لا بدّ من خطوة قبْلية أو استباقية نحاول فيها ترجمة أسس الديالكتيك إلى منظومة إجرائية منهجية. وهكذ نصل في المحصّلة النهائية إلى ثلاثة أسئلة جوهرية في هذه القراءة: ما هي الأضداد التي تتركّب منها بنية الرواية؟ كيف تتفاعل فيما بينها؟ وما هي العواقب المحتملة والمفترضة لهذه التفاعلات وتبعاتها؟ لا يكفي أن ننتبه إلى وجود الأضداد في ذاتها، لأنّ الأمر على هذا النحو سيأخذ منحى شكليًا بنيويًا، بل ينبغي أن نجمع هذه الأضداد تحت مظلّة فكرية واحدة. وفي مرحلة لاحقة علينا أن نعاينها بوصفها منظومة علاماتية تساهم في  فهم أعمق للنصّ..

 

**الأضداد، تفاعلاتها وتبعاتها:

1) توتّرات الفرد والمجموع. الشخصية الفاعلة على امتداد الرواية وحدانية وفردانية. وحدانية بمعنى أنها تكاد تكون وحيدة على طول الرواية. ومن هنا بالضبط ارتفع صوتها وارتجّ صداه. وهي فردانية بمعنى أنها تتصرّف كفرد وإن أحيطت بمجموع. ما يعني أنها تعزل نفسها عن صخب المجموع لتمنح نفسها قوّة وحضورًا. الوحدانية فعل بيولوجي والفردانية آيديولوجي. معنى ذلك أنّ الوحدانية هي نتاج قرار بقطيعة بيولوجية، قرار اتخذه الكاتب لقطع احتمالات التواصل والتفاعل مع الآخرين، فلم يجعل بينها وبين غيرها علاقات قربى أو صلات صداقة أو زمالة أو كلّ ما يمكنه أن يُشغل الشخصية عن ذاتها. وهذه القطيعة إذًا تكفل الدوران حول الذات. وهكذا لن تقدر الشخصية على الفعل الفرداني إلا حين تكون وحدانية.  تجدر الإشارة إلى أنّ عزل الشخصية عن محيطها الجمعي لا يعني بأيّ حال خلافها مع الآخرين وتصالحها مع نفسها. فلعبة الصدام بين الأضداد تصل إلى أبعاض الشخصية نفسها (ص 23 - 25). وهي لعبة تتصادم فيها مشيئتان مرتبكتان.

والحالة الوحدانية والفردانية ترتبط مباشرة بأداة الحكي، من هذا الباب يدخل المونولوج والديالوج. إذا كان الفرد في لعبة الهامش والمركز ينتقل حيث كان في هامش الثقافة الفلسطينية إلى مركز اهتماماتها، ويصبح صوته مسموعًا، لنفسه على الأقلّ، فلا بدّ أن تكون الغلبة للمونولوجات المطوّلة الصريحة على حساب الثرثرة الديالوجية العقيمة أحيانًا. حين يحتلّ الفرد بشقّ الأنفس مكانًا في المركز فلا بدّ أن تتبدّل زاوية النظر بتبدّل المواقع. في المركز يرى الفرد نفسه مصدرًا للمعلومة ومصدرًا للحقيقة، الموجودة والمنشودة، ويرفع صوته ليعلو على صوت الكلّ. ولن يرتفع هذا الصوت إلا إذا تحرّر من فعل الديالوج الصاخب وصار قادرًا على الحركة في فضاء الوعي المفتوح. ولعلّ هذا من أبرز التغيّرات الفكرية التي طرأت على روايته الجديدة، والتي صاحبتها تغيّرات جمالية تلائمها، مقارنة بروايته السابقة "إنهيارات رقيقة". يرتبط التجاور غير المتكافئ بين الحالة الديالوجية والحالة المونولوجية بيقظة الجسد ونومه. في النوم يسكن الجسد ويستيقظ الحلم. والحلم تعبير عن الوعي المكتوم.

2) تجاور الروايتين: الفردية الذاتية والتاريخية الكلية. كتابة التاريخ والواقع الممتدّ هي محاولة للإمساك بالكمال والانتهاء والحضور. رواية الميتا في المقابل هي رواية اللحظة المنفلتة المقطوعة، هي رواية تلاحق عملية الانكتاب المفتوح على الفعل الموضعي المؤقّت. لعبة "الميتا" هي لعبة الكتابة والكتابة عن الكتابة. هي انشغال بطريقة التفكير لا بمادّة التفكير. أذكّر مرّة أخرى بمقولة جميلة لفجنشتاين "قل لي كيف تفكّر أقل لك بماذا تفكّر". رواية التاريخ هي رواية الجواب المنجز أو شبه المنجز بصياغة دبلوماسية حذرة. رواية الميتا هي رواية السؤال. الجواب انغلاق والسؤال انفتاح. والانغلاق والانفتاح مفهومان مجرّدان من القيمة، فقد يصلح مع كليهما الإيجاب والسلب ويصحّ فيهما الصواب والخطأ بنفس القدر بالضبط. وهكذا كان للجواب المغلق وقته ومكانه وللسؤال المفتوح وقته ومكانه. طريقتان مختلفتان في التفكير والنظر إلى العالم. 

تنبني رواية هشام نفاع من خطّين متوازيين: البنية التحتية الأرضية والبنية الفوقية الفكرية. وكلتاهما من أشكال الواقعية ومستوياتها. كلّ خطاب لا يرتفع في الهواء ، ولا يمكنه أن يرتفع أصلا، إلا إذا ارتطم بالواقع فردّه ارتطامه إلى فوق (ص 15). ما يعني أنّ هذا النصّ كـ"إنشائية غريبة" هو في المحصّلة النهائية واقعي. وعلى هذا الأساس ينبغي للرواية أن تُقرأ. هشام نفاع ينظر إلى الواقعية من منظور غير تقليدي مؤدّاه أنّ الدخول إلى عالم الكلّ أو الجماعة ينبغي أن يبدأ من وعي الفرد.  وهو منظور مألوف ومأنوس عند الواقعيين الجدد. ما يؤكّد واقعية هذه الرواية، في علاقتها الغريبة والمركّبة بالواقع، هي لعبة البدء والانتهاء. الرواية لا تبدأ حتى تنتهي. كأنها مقطوعة من شجرة، ما يعني أنها ممتدّة مستمرّة. بدأت الرواية بداية لغوية تقنية، بدأ سردها اللغوي من نقطة معينة ولم تبدأ من حدث بدئي. وكأنها بدأت من موضع ما في حركة مستمرّة لا يمكنها أن تتوقّف، كأنها بدأت من الوسط أو من قبل الوسط بقليل. أذكّر بأنّ غياب الإحساس بنقطة ابتداء، تبدأ عندها الأحداث بالتراكم السببي والمنطقي، وغياب الإحساس بنقطة انتهاء، تتوقّف عندها الأحداث تًقفل وتُشبع، هو من تبعات الفكر الديالكتيكي. لأنّ المادّة بفضل تجاور الأضداد تظلّ في حال استنساخ فاعل ومستمرّ. وهكذا لا تفنى المادّة ولا تنتهي ولا تتوقّف. وهذا الإحساس بالاستمرار والتمدّد والتراكم تدعمه لعبة الخلط الزماني في الرواية. ومن شأن هذه اللعبة أن تلغي رتابة الأفقية في حركة الزمن الرتيب (ص 10، ص 17). 

ولمّا كانت الرواية قطعة مقتطعة من فعل غير متوقّف، من تيّار جارٍ، فليس لها نهاية. والرواية على هذا الأساس تقوّض الإحساس ببداية ونهاية حقيقيتين منجزتين. تقويض الإحساس برواية كلاسيكية مضبوطة ومنجزة من شأنه أن يقدّم المضمون ويؤخّر الشكل. تحييد التخييل، الذي يرافق الرواية الأصولية في العادة، من شأنه أن يوجّه الأنظار إلى الواقع الذي تنشغل به هذه الرواية. وهكذا ينتقل النظر من الرواية إلى المروي. وهي بهذا التقويض تلغي نفسها كفعل لغوي متحايل لتمنح المرجعية الفكرية والواقعية حضورًا بارزًا. وتبدو بهذا الالتفاف والتحايل كمن يُمسك أذنه اليسرى بيده اليمنى، وينعكس. 

3) تجاور الأضداد في وظائف الضمائر. لو نظرنا إلى تجاور الضمائر الثلاثة في فعل الرواية لرأينا أنّ التجاور قائم على حاجة السرد إلى كلّ واحد منها. ما يعني أنّ الضمائر الثلاثة يستبدل بعضها بعضًا حيث يعجز الضمير الواحد عن أداء ما يستطيعه الآخر. لكنه يبدو تجاورًا تصالحيًا في مظهره، ونحن في الأصل نتحدّث عن تجاور صدامي في منحاه. وهذا يعيدنا إلى المربّع الأول والسؤال "ما حاجة الرواية إلى التنقّل بين الضمائر علمًا بأنّ الكاتب يستطيع، إن هو شاء، أن يعتمد ضميرًا واحدًا أسوة بالكثير الكثير من الروايات أحادية الضمير؟" بعض الرواية ينفي بعضها. فحين تلجأ الرواية إلى الضمير الثاني مثلا فإنها تُقصي الأول والثالث رغم حاجتها إليهما في موضع آخر. إذًا منطق تجاور الأضداد في فعل السرد هو منطق تركيبي غير أحادي، منطق ثلاثي الأبعاد. وهكذا تأتي هذه الرواية لتذكّر بقوّة بتركيبية الواقع الخارجي رغم اجتزائها الحادّ للواقع. ما هي زاوية السرد إن لم تكن الصوت الذي نسمعه، ومن هو الراوي إن لم يكن صاحب الحنجرة والأوتار التي تطلقه؟ ومن يملك الحنجرة والصوت فهو يملك الحقيقة. والحقيقة النصّية في هذه الرواية تعكس القدرة على تصوير الواقع بتناقضاته وعمق تركيبيّته بقطعة مجتزأة من الواقع.   

لعبة الضمائر، الأول والثاني والثالث، هي لعبة العلاقات المركبة بين الأنا والأنت والهو (ص 15). يعبّر الراوي عن الأنا الحيّة المباشرة بالضمير الثالث الهو التوصيفية الانتقائية الإجمالية، وهي ليست كذلك إلا لأنها تحافظ على مسافة واضحة من الأنا المباشرة (ص 80 - 81).  وهكذا قد يكون التعبير عن الأنا بالهو حالة من حالات الانفصام. حتى التعبير عن الأنا الحقيقية بأنا افتراضية مجازية لغوية قد يكون من حالات الانفصام، فما بالكم بالتعبير عن الأنا بالهو؟! وهذا الانفصام هو نفسه انفصام بين الواقع واللغة (بين اللسان والقلم ص 80). وقد نجد تعبيرًا عابرًا عن هذه الحالة في اختياره لهشام إسمًا لصديقه (ص 26)، من بين كلّ الأسماء في الأرض، ليشير على استحياء إلى الفرق بين هشام "حقيقي" قبل اللغة وهشام لغوي افتراضي. 

لعبة الاتصال والانفصال في هذا التنقّل بين الضمائر، الاتصال بالشخصية والانفصال عنها، هي في منحاها العام لعبة تقعير وتحديب. فحين يكون في كلامه شيء من العتاب والمساءلة ينفصل الراوي عن الشخصية، يبتعد بمقدار خطوتين إلى الوراء، يحافظ على مسافة قريبة بينهما فيلجأ إلى الضمير الثاني (أنت)، وكأنّ هذا البعد الذي يحقّقه الضمير أنت (وليس أنا أو هو) يضمن له قدرًا من الحرية يمكّنه من  المساءلة الموضوعية الصريحة مع الذات. ولماذا لا يكون بالضمير الثالث؟ لأنك لا تستطيع أن تعاتب غائبًا. ولأنّ العتاب والمساءلات يحتاج إلى نوع من المواجهة، وهذا لا يكون إلا حين تنفصل الشخصية عن ذاتها إلى شخصيتين متواجهتين معاتِب ومعاتَب (ص 80). والضمير الثاني قد يكون أيضًا في حال التوصية أو النصح أو المحاججة (ص 92- 93). وكلّ هذه الأغراض لا تتحقّق إلا في انفصال قريب لا يكفله إلا الضمير الثاني المخاطَب. والانفصال القريب، يختلف عن الانفصال البعيد الذي يتحقّق في الضمير الثالث.  

كلّ هذا التجاور الغريب بين الضمائر المتصادمة في وظائفها السردية تصاحبه أساليب تعبيرية، تُفيد هي الأخرى من فلسفة التجاور بين الأضداد. تجدر الإشارة إلى أنّ تغيير مواقع السرد وتبديل الضمائر يستلزم تغييرًا في اللغة وفي النبر بقدر متساوٍ. على العموم، تبدو اللغة التي يوظّفها الرواة الثلاثة تركيبة جميلة يتجاور فيها السردي اليومي النثري والفلسفي الشعري، شوربة العدس وكتابة الرواية، الكلام المباح والمتاح، والكلام المستور والمتمنّع (انظر مثلا ص 33). حتى أسلوب السرد يمزج بين ضدّي الجدّ والهزل في بعض المواضع النصّية. وهذا تلقيح غريب بين السؤال الجدّي والأسلوب البسيط والهزلي (ص 41 - 43). 

4) المغلق والمفتوح، الغرفة والشرفة. تجمعهما توتّرات خفيّة ومكشوفة. حتى في داخل المكان الواحد ثمّة توتّرات بين حرّية الفوضى ورتابة الترتيب واجتماع  ما لا يجتمع (ص 12). الغرفة والشرفة، الأول مغلق والثاني مفتوح. لكنّ هذا المفتوح لا يتيح الفعل الحركي الفاعل، تمامًا مثلما لا يتيح المغلق. وتبدو المفارقة أغرب حين تتيح الغرفة مساحة أكبر من الحرية التي تتيحها الشرفة كحيّز مفتوح. وهكذا يوصلنا التفريق بين تجاور الأمكنة المضادّة إلى تضادّ واضح بين الحركة الجوّانية والحركة البرّانية. الفعل الحركي الداخلي صاخب، متبدّل، متقافز ومفاجئ. الفعل الحركي الخارجي هادئ، رتيب، متواتر ومتوقّع. الشخصية تدور في حيّز مكاني غير مرتّب، محدود ومغلق أو منغلق. الصلة الوحيدة مع العالم الخارجي لا تتحقّق إلا عبر الشرفة. عندما يضيق المكان ويصير سجنًا، بغضّ النظر عن معنى السجن سلبيًا كان أم إيجابيًا في هذه المرحلة، يصير الجسد سجينًا والوعي حرًا طليقًا. حركة الوعي مائية انسيابية تبحث باستمرار عن منافذ وانحدارات لتبقي في حركة ودوران، لأنّ الوعي كالماء إذا ركد فسد. للوعي حلاوة روح متيقّظة، فحين يُسجن الجسد الموضوع فيه يتمرّد الوعي على مسارين: وتيرة الحركة وسرعتها، ومادّة الحركة وعمقها. حين يُسجن الجسد وتتعطّل احتمالات العلاقة مع الآخرين ينطلق الوعي والفكر، ينشط بقوّة ويبدأ باقتحام المناطق الممنوعة والملغومة التي ما كان ليجرؤ على اقتحامها وهو في حالة تواصل مع الآخرين، بالضبط كتلك المناطق التي تدخلها "الأنا الهو" الشخصيّة الفاعلة في الرواية. غياب التواصل مع الآخرين يوقظ الضمائر الثلاثة ويحضّ على  تجاورها وصدامها. 

5) توتّرات الثابت والمتحوّل. هشام نفاع يدخل في لعبة فكرية تفكّك الكثير من المسلّمات والتابوهات الجاهزة والمقولبة والمعلّبة بالتراكم والتوريث. ويعيد فتح الملفّات المغلقة والمحسومة أو المختومة بختم "أُنجز". إعادة فتح الملفّات هو في الأصل انفتاح على فعل السؤال المستمرّ وتحدٍّ عنيف لمفهوم "الأصول" و"العيب" و"الممنوع" (ص 39 – ص 42). وهذا الفعل اللحوح ينهض أوقاتًا على تناقضات غريبة بين الشيء وضدّه. فحرص الإنسان على أن يستر عورته أجاءته إلى فكرة الملابس الساترة والمستورة، ولكنه صار فيما بعد يحرص على أن تكون هذه الملابس قادرة على التذكير بالعورة ووجودها، من باب التقاء الأضداد وتصالحها،أو من باب الضدّ يُعرف بضدّه. وتفكيك المنجَز وإعادة صياغته قد يأخذ شكلا مجازيًا وافتراضيًا على نحو ما فعله في تفسيره لفعل الضيق (ص 47). في هذه النماذج التمثيلية انقلاب على الثابت ومحاولة تحويله إلى متحوّل. فلسفة التقويض أو التفكيك أو النفي المعروفة في الديالكتيك تظهر هنا مشفوعة بتبسيط تمثيلي منطقي ومثير. يخفّف هشام نفاع من حدّة عبثيّتها التي التصقت بها منذ ولدت ويجعلها "معقولة" بانفتاحها على السؤال المستمرّ. لا شكّ في أنّ اقتحام هذا الموضوع هو محاولة جريئة لصياغة مفهوم "الحرام" أو "التحريم" من منظور ديالكتيكي. ومعلوم لنا حين يقارب هشام نفاع هذا المفهوم فإنه يخاطر باستفزاز نسق ثقافي متجذّر في الحضارة العربية. هناك أنساق ثقافية تقوم على أنقاض أنساق أخرى. أي تغيير نوعي لا بدّ أن يسبقه نضوج التجربة. والتجربة هي تراكم الفعل في امتداده الزمني. والتراكم يبدأ بمحاولة حييّة أو عنيفة مستفزّة. هشام نفاع يبدأ بالخطوة الأولى، وهو يعوّل على أنّ الأنساق تتفاعل، تتلاقح، تتجاور، تتصادم فتتبدّل.

 

**كلمة أخيرة - تذكير:

أذكّر بأنّ الحديث في هذه المقالة هو عن السيميائية الماركسية، وتبعاتها الثقافية والحضارية، وليس عن العلاقة بين الأدب، والثقافة بصفة عامة، وبين الماركسية. فهذا الموضوع قد كتب عنه أطنان من المقالات والكتب بكلّ لغات العالم الشهيرة منذ مائة عام. 

الرواية واقعية خالصة. تصريح صادم، وأنا أعترف. صحيح هي ليست حسب أصول الواقعية الكلاسيكية. في المحصّلة الأخيرة، ليس هناك أيّ نشاط إنساني خارج الواقع، ويكفي الاتفاق على هذه البديهية حتى نتّفق على أنّ كلّ نشاط إنساني هو واقعي بالفطرة بالمفهوم البسيط والعام للواقعية. وواقعيّتها تبدأ من الفرد ووعيه وتنتهي عند حدوده، ليس لأنه لاعب وحيد، أو يمكنه أن يكون، وإنما لأنه أساس المجموع، والمجموع هو تفاعل الأفراد وتشكّلهم في منظومة. وهو بهذا قريب من فهم جورج لوكاتش... الرواية واقعية اشتراكية. وهذا تصريح دموي، وأنا لا أنكر. لكنها ليست اشتراكية تقليدية. هي ليست كذلك لأنها أولا لا تُعظم من أمر الوعي الطبقي، كضرورة من ضرورات الضدّية. ثانيًا لأنها لا تتجاوز الفرد ووعيه إلى المجموع. وكأنها تكتفي هي بهذا الجانب على أن يقوم القارئ بإتمام فعل الكتابة التي أرادها الكاتب موجزة وناقصة في الأصل.  ثالثًا لأنها لا تلوّح أو تلمّح إلى حالة انتصار أو غلبة لا لفرد على مجموع ولا لمجموع على فرد ولا لخير على شرّ أو شرّ على خير. هكذا تظلّ مفتوحة على مزيد من التراكم... إذًا أين واقعيّتها الاشتراكية؟ في كونها ماركسيّة، أعني في قدرتها وذكائها على التمثيل الطبيعي للديالكتيك، أو لبعض أسسه. لكن أين السيميائية في هذا التمثيل الماركسي؟ في أمرين: تقعيد الأضداد وتفعيلها على نحو معيّن، هذا الأمر الأول، والأمر الثاني تحفيز القارئ نفسه على تحويلها إلى منظومة علاماتية قد تقوده إلى فهم أو مقدّمة فهم. ومقدّمة الفهم تبدأ من الإقرار بخنوثة الشخصية الفاعلة في الرواية على نحو ما يظهر في تركيبتها الضدّية على كلّ المستويات البنيوية. وهذه الخنوثة لا تعني إلا نفسها، أعني لا نلزمها بشيء من معاني السلب أو الإيجاب. وإن كانت تحمل دلالات ثقافية وحضارية فهي قد تشير إلى حالة متقدّمة من ارتباكات السؤال، على كلّ الجبهات الحضارية، التي بدأت تصيب الأجيال الناشئة.  


 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية