كان جسده مسجّى في ظلّ شجرة خروب في مقبرة كيبوتس رجافيم. كانت الجنازة متواضعة، اقتصرت على الأهل والأنسباء، الصديقات والأصدقاء، الزميلات والزملاء، بعض رفاق الحزب من منطقة المثلث، آمال زوجتي وأنا.
يوم رحيله، أرسلت لي جيلا رسالة عاجلة نعت فيها زوجها شمعون، وطلبت أن أقول كلمة في مراسم الدفن. كان نعيه قد هزّني بعنف، وإن كان في ذاته غير مفاجئ، أحزنَ قلبي وأدمعَ عيني بصدق. قلت لها سنشارك في الجنازة طبعًا زوجتي وأنا. لكنّ قدراتي، يا جيلا، لن تسعفني في الوقوف أمام جسده المسجّى هناك والنظر إليه من فوق إلى تحت والتحدّث عنه بالضمير الثالث، ضمير المحو والغياب، أو التحدّث إليه بالضمير الثاني، ضمير الخطاب الافتراضي الملتفّ على الحقيقة.. اعتذرت لأنّ فنّ الرثاء لا يلائم قلبي الرحيم. وذكّرتها بجملة كنت قد سمعتها من شمعون غير مرّة: "الكلمة المكتوبة جُنّة، يا إبراهيم، تستر وتحمي من فيض المشاعر"... الآن، دعني يا شمعون "أتعنتر" خلف طاولتي وأنا وحدي أتحايل على الكلمة المكتوبة لتفضح مشاعري بقدر ما تشاء دون أن أخشى رقابة رقيب. ولن أقول إلا الصدق، كلّ الصدق، ولا شيء غير الصدق.
التقيته أول مرّة في خريف 1979 في جامعة حيفا، في غرفته المطلّة على جبل الكرمل في الطابق 17 في برج إشكول. كنتُ وقتها طالبًا في السنة الأولى. تحدّثنا عن دراستي الجامعية ومشاريعي المستقبلية وأخبرته بحبّي للغة العربية وآدابها وتمتمت شيئًا عن محاولاتي الحييّة في كتابة القصّة القصيرة من حين إلى آخر. سألني إن كانت معي نسخة من بعض قصصي. ناولته قصّة بخطّ يدي. بعد أسبوع بالضبط طلب لقائي. وقال بعربيّة جميلة بلهجة عراقية أصيلة، لا تعكّر صفوها لكنةٌ غريبة: "إني أتوسّم فيك خيرًا كثيرًا يا إبراهيم". كانت لغته العربية جميلة ومضبوطة ومحكمة. ودفع إليّ بورقة دوّن فيها بالعربية ملاحظاته على القصّة. لم أنشر القصّة رغم الحضّ والدفع. أدهشتني كلمة "أتوسّم" في ذاك الوقت وما كنت سمعتها من قبل. فتساءلت بيني وبين نفسي وأنا خارج من غرفته "من هذا الرجل الغريب الذي يعرف العربية أكثر مني؟!"
لا غريب إلا الشيطان! منذ ذاك اليوم الخريفي توالت لقاءاتنا في القسم، في قاعات الدراسة، في الحرم الجامعي، في ساحات الجامعة السوداء والخضراء، وفي المناسبات الجميلة بعيدًا عن الجامعة وحَرَمها وحُرمتها. صارت لقاءاتنا تزداد بوتيرة أكبر من يوم ليوم. التقينا مرّات عديدات في النشاطات الثقافية التي كانت تنظّمها لجنة الطلاب العرب. وكان بعضها بمشاركة قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة. رأيته أكثر من مرّة في لقاءات جمعت سميح القاسم، إميل حبيبي وسالم جبران، رحمهم الله جميعًا. التقينا في الوقفات الاحتجاجية والمظاهرات التي كان ينظّمها الطلاب العرب واليهود اليساريون. في كلّ هذه اللقاءات والنشاطات تقريبًا كنت أراه برفقة أستاذي الجليل زميله ورفيق دربه المرحوم دافيد صيمح. كانت جامعة حيفا في هذه السنوات المبكّرة من ثمانينيات القرن الماضي شعلة نار. هكذا بالضبط شعلة نار. كانت هناك زمرة متوثّبة جامحة من الشباب في الجامعة، ومن جامعات أخرى يتوافدون إلى جامعة حيفا بانتظام، عصام مخول، أمير مخول، محمد بركة، جواد بولس، وواكيم واكيم...1982 كانت سنة صاخبة وعنيفة، تلك السنة التي اجتاحت فيها إسرائيل لبنان. وكان تساحي هنجبي يأتي من جامعة القدس، حيث كان يدرس، مع زمرته، وهم يحملون العصيّ والجنازير، بعضهم على أقلّ تقدير... كان شمعونيرى ويراقب كلّ ما يحدث في هذه السنوات الصاخبة العنيفة. يشارك بقلبه وحواسّه وضميره في هذه النشاطات يستوعبها ويحوّلها إلى مواقف صُلبة. في هذه الفترة، قال لي إنه يريد لهويّتنا القومية الفلسطينية أن تعظم،أن تتعقّم لتتعمّق أكثر، على حدّ تعبيره الجميل. لم أفهم الصورة حينها بكامل تفاصيلها. لكني أعترف أنّ هذا الذي سمعته منه كان غريبًا على مداركي في ذاك الوقت. وكان أغرب منه أن قال لي بأنه سيصّوت لمحمد ميعاري ومتتياهو بيلد. والغرابة التي أشير إليها كانت محكومة بالسياقات المختلفة آنذاك، بما في ذلك السياق التاريخي والفكري لشمعون نفسه.
كنت قد بدأت بقراءة ما ينشره من روايات وقصص. ينشر تباعًا وأتابع ما ينشر أولا بأول. في رواياته وقصصه توزيع جغرافي ثابت: بغداد، تل أبيب وباريس. ثلاثة مدن شكّلت هويّته الكلّية إلى آخر يوم في حياته. في بغداد رضع اللغة العربية من أمّه، بمعناها الحقيقي والمجازي. وفي تل أبيب اكتسب العبرية فكتب بها أدبه. وفي باريس تبلورت لغته الفرنسية فصارت لغة الحضارة التي ينتمي إليها. هذه اللغات الثلاث، باختلاف روافدها ومنابعها، شكلت إنسانيّته العامة.
جلسنا مرّة نتحدّث حول بعض رواياته فأعاده الحديث بانسياب وببطء إلى العراق، إلى بغداد العراق. إلى شارع الرشيد،إلى شارع المتنبّي ومكتباته وكتبه، إلى ساحات بغداد ومقاهيها الثقافية، إلى الحزب الشيوعي العراقي، إلى المظاهرات ضدّ المستعمر الإنجليزي وإلى قصائد محمد مهدي الجواهري الذي كانوا يحملونه على الأكتاف في مقدّمة هذه المظاهرات الصاخبة. تحدّث الرجل الجليل بالتفاصيل وكأنه كان يريد الإمساك بكلّ معلومة أو كلّ قطعة من ذاك التاريخ، كيلا تفلت وتضيع من ذاكرته. كان يتحدّث بشحنة غريبة من الحنين الغامر، وكانت اللغة ترتجّ في أوتاره الصوتية، تكاد تعلق في سقف حنجرته، يرافقها بريق لامع في عينيه يملأ حدقتيه. هو يتحدّث وأنا أحدّق به تحديقًا يصيبني بعدوى الحنين، فكنت أغالب دمعتي الفاضحة غير العصيّة دون أن أدرك بالضبط من أيّ الأعماق يصعد دمعه هذا؟! من أيّ الأعماق يصعد يا شمعون؟! حدّثني عمّا فعله مبعوثو بن غوريون والحركة الصهيونية لدفع اليهود العراقيين للهجرة إلى فلسطين. قال إنّ الأمصار تتحدّد أحيانًا بعيدًا عن المشيئات. ما أصدق هذه الجملة وما أدقّها! اضطرّت الأسرة إلى الهجرة. دُفعت دفعًا. تمزّقتْ في نقاشها حول سؤال الهجرة، وتمزّقت أكثر "إلى أين تهاجر"؟ قال لي: إذا كان لا بدّ من الهجرة فإلى فرنسا وحدها. إسرائيل لم تكن خياره ومشيئته. هكذا قال بالضبط.
حصلت على اللقب الأول من قسم الأدب العام والمقارن وقسم اللغة العربية وآدابها. في عام 1983 حزمت أمري على متابعة دراساتي العليا في قسم الأدب العام والمقارن. وهكذا كان. فابتعدت قليلا عن قسم اللغة العربية وآدابها وأساتذتي فيه. حتى شاءت الأقدار أن ألتقي بشمعون في مطلع عام 1984 بالصدفة وهو خارج من إحدى محاضراته. دعاني إلى جلسة "غداء وثرثرة". سألني عن دراساتي. تفاجأ من قراري دراسة النظريات الأدبية في قسم الأدب العام وابتعادي عن قسم اللغة العربية وآدابها. فقال لي كلماتٍ غيّرت مسار تفكيري وتوجّهاتي في وقت لاحق. وأنا اليوم أدرك عمق ما فعلته هذه الجملة ومثيلاتها بمستقبلي الأكاديمي ودوري الثقافي. لم يكن الأستاذ هو من تحدّث إليّ أو الباحث الذي فيه وإنما الإنسانية النقيّة التي ميّزت قوله وفعله. قال: "اذهب حيث شئت، لكن لا تنسَ العودة إلى لغتك وأدبك. وتذكّر أنّ أدبك الفلسطيني يا إبراهيم في مسيس الحاجة لأن يُدرس بعمق. وهو أولى بك!" قال ما قال بنبر لا يخلو من عتاب ظاهر. تجاهلت عتابه وفضّلت الاستمتاع بحلاوة الإطراء المبطّن. سمعت وما أطعت ولم أتراجع عن قراري بمواصلة الدراسة في قسم الأدب العام ورغبتي القوية في دراسة النظريات الأدبية. في الأسبوع الذي أعقبه التقينا مرّة أخرى في غرفته. ولمّا رأى مني إصرارًا على موقفي قال: "عدني بأمر واحد: أن يكون الأدب الفلسطيني جزءًا من أيّ مقارنة قد تذهب إليها تحت المظلّة النظرية التي تختارها في القسم الذي تختاره. واعلم أنّ الفرنسيين أو الإنجليز لا يحتاجونك لدراسة أدبهم بقدر ما يحتاجك أدبك!" قالها الرجل بإصرار وكرّرها مرّتين. وبدا هذه المرّة أكثر تصميمًا من ذي قبل... وهكذا كان، بقيت في قسم النظريات الأدبية، ودرست النظريات بعمق، في الماجستير والدكتوراة، إلا أنّ تطبيقاتها شملت بجزئها الأدب الفلسطيني المحلّي. كما وعدتك يا شمعون. لك الفضل كلّه في إشراقة الفكرة ولي شرف الممارسة. انظر إلى أين أجاءتني كلماتك بعد سنين عددًا، إلى قسم اللغة العربية وآدابها محاضرًا فأستاذًا وإلى فعل النقد الذي غرسته فيّ حين التقينا أول مرّة، أتذكر؟! كلمات مصيرية ألقيتها في أذنيّ حدّدت مصيري إلى يوم ألقى وجه ربي العظيم.
وهل بعد كلّ ذلك يظلّ عنوان مقالتي هذه شعارًا فارغًا؟ هل يمكنه أن يظلّ مبتذلا مستهلَكًا يا شمعون؟!
كلام الصورة: الراحل شمعون بلاص وزوجته جيلا






.png)


.jpeg)



.png)

