صدمة السابع من أكتوبر وتحرير المخيال الجمعي| د. عبد توفيق كناعنة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

(هذا المقال هو جزء من أفكار تم طرحها في محاضرة بادر اليها فرع الجبهة والحزب الشيوعي في حيفا في ٢٥ حزيران الماضي.)

 

لا شك ان السابع من أكتوبر شكل صدمة كبيرة للمجتمع الإسرائيلي وللنظام الإسرائيلي بشكل عام وكذلك للقيادة الإسرائيلية على مختلف مستوياتها السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والدينية وغيرها الكثير. لكن هذه الصدمة لم تقتصر على إسرائيل وعلى القيادات الإسرائيلية، بل تعدتها الى الجانب الفلسطيني أيضا ليس فقط في غزة، بل في الضفة وداخل إسرائيل وفي الشتات الفلسطيني في العالم كله. لا بل أكثر من ذلك فإن موجات صدمة الهجوم الذي جرى في السابع من أكتوبر ولاحقا الحرب النشطة على غزة التي تبعت السابع من أكتوبر، ضربت أيضا السياسة العالمية ككل وتداعياتها نعشيها وسنعيشها على مدار سنوات طوال لاحقا ليس فقط في المنطقة، بل في مختلف مناطق العالم لما للصراع العربي-الإسرائيلي عامة والصراع الإسرائيلي- الفلسطيني خاصة هناك تبعات وتأثير فعلي ورمزي على مختلف الساحات العالمية.

 

في هذه المداخلة القصيرة أريد أن أتجرد كليا من الأبعاد الأخلاقية ليس لعدم أهميتها أو لعدم وجود موقف واضح وحازم في هذا البعد لديّ، بل حتى أحاول مقاربة الموضوع "ببرود" أعصاب علّنا نصل الى نقاط قد تفلت من بين أيدينا وتفلت من إمكانيات التحليل الموضوعي إذا ما أدخلنا البعد الأخلاقي والعصبي والتماثل الكامل مع ضحايا الحرب. وبالتالي النظر الى ما خلف وما بعد الجرائم التي تحدث في الحرب من قتل وتدمير وتنكيل وتيتيم وفقدان وغيرها من المصطلحات الملازمة للحروب على مختلف أنواعها.

 

في السابع من أكتوبر استيقظنا على مشاهد غير مسبوقة في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وخصوصا في الثلاثين عاما الأخيرة. مشاهد يكون بها الفلسطيني هو الجلاد وهو صاحب القوة والقول الفصل. هو الذي يقوم باجتياح أراضٍ وبلدات إسرائيلية (بقوة الوضع القائم) ويقوم بتقرير أي بيت يدخل وأي بيت يتم حرقه وأي أشخاص يتم أسرهم أو أخذهم رهائن. من يتم قتله ومن يبقى على قيد الحياة. في تحد كامل "لمنطق الأمور" كما تعودنا عليها على مر عشرات السنوات من الصراع.

 مظاهر هزت كل الناس بغض النظر عن موقفهم تعاطفا مع "انفجار المعذبين في الأرض" أو حقدا على "برابرة يقتلون بلا تمييز بين الكبار والصغار". أقول بغض النظر عن المواقف "القيمية" هذه، شعر الجميع في طول الكرة الأرضية وعرضها "بالدوار وفقدان التوازن" الناتج عن اسقاط "طبيعة الأشياء" وقلب المعادلة في لحظة غليان، وهي اللحظة التي تتحول بها "المادة من حال الى حال" وهي الحدود بين حالتين أو أكثر من المادة تتواجدان وتتعايشان في ذات الوقت في تحدٍ كامل لما هو قائم ولقطبية "الأبيض والأسود" أو "الكائن وعدمه". هذه اللحظة من "سيلان" الواقع وعدم القدرة على قولبته في مداركنا وفي "الفطرة السليمة" التي تعودنا عليها على مدار سنوات وسنوات هي اللحظة التي تسمح للإنسان وللمجموعات الإنسانية بتحرير خيالها من الواقع المعاش يوميا الى آفاق لا يمكن تخيلها بدون آثار الصدمة الحادثة.

هذا بالضبط ما حدث في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، تم إخراج الجنّي من القمقم وتم تحرير العقل الجمعي لمجموعات مختلفة من الفلسطينيين والإسرائيليين من قمقم الواقع المعاش. مرة أخرى، هذا التحرير ليس بالضرورة بذاته أمر جيد أو سيء، ولا هو مضمون بأن تبعاته (على المدى التخيلي وليس على المدى المادي الفوري -مثل الحرب والقتل والدمار-) ستكون إيجابية أو سلبية، لكن المهم بالموضوع أن الأمر حصل وأن الطاقة الكامنة من كسر السقف الزجاجي "للأحلام" أو "الكوابيس" أنه تحقق وبالتالي بتنا أمام مشاريع محررة من الضوابط السابقة ومن نفاق الصوابية السياسية politically correctness.

 

لذلك سترى مجموعات تقدم مشاريع تذهب الى مداها الأقصى في "حل" الصراع من خلال إفناء الآخر وانهائه مرة والى الأبد أو تحقيق انتصار واضح وبيّن على العدو في الجهة الأخرى.

 

لنضع بعض الأمثلة لتحرير "المخيال الجمعي" هذا:

 

في الجانب الفلسطيني، قلبت حماس والجهاد وحركات المقاومة العسكرية الفلسطينية الطاولة على الوضع القائم (الستاتيكو)، والتخيل السابق بأن ما كان هو بالضرورة ما سيكون، وأن ليس أمام الشعب الفلسطيني سوى الاستكانة والتسليم للوضع القائم والتنازل عن طموحاته ببناء دولة وباحترام ذاته كشعب. فجاء السابع من أكتوبر ليثبت مرة أخرى أن قوانين الفيزياء البسيطة جدا والتي تؤكد حتى لمن لا يريد أن يفهم أن كثر الضغط يولد الانفجار وليس التلاشي.

لكن السؤال هنا ماذا بعد؟ والى أي مسارات سيتم تسيير الطاقات الهائلة الناتجة عن هذا الانفجار وما ولده من قتل ومجازر، هل هناك طرح سياسي في النهاية قادر ان "يستثمر" (وما أبشعها من كلمة) هذه التضحيات الى مسار سياسي قادر أن يحقق شيئا للشعب الفلسطيني؟ هل القيادات الفلسطينية المتشرذمة قادرة على إعطاء أجوبة؟

من الجهة الأخرى يمكن رؤية أن حالة "التحرر" هذه ساعدت القوى "المسيحيانية الغيبية" الإسرائيلية واليهودية من التحدث بلا رتوش عن أخذ الجميع الى سيناريوهات "مجيء المسيح" المرتقب لدى اليهود، والتحدث بشكل فج وبلا رتوش عن حلول "نهائية" للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني ليس فقط في غزة، بل في كافة مناطق تواجد الفلسطينيين بمن فيهم في الضفة الغربية وكذلك الفلسطينيين مواطني دولة إسرائيل. في ظل "التحرر" الكامل من الواقع، يلتف اليمين الغيبي ليطلق شعارات "فاشية" وحتى "نازية" بلا رتوش أو تجميل. وكذلك يضع على أجندته تصفية الوجود الفلسطيني في كل مكان بما فيه داخل إسرائيل. ويتحدث عن إعادة الاستيطان في غزة وبدء التحضير للاستيطان في جنوب لبنان والحديث عن حلم الإمبراطورية من الفرات الى النيل. بل ان هذه الآفة أخذت تجد لها منافذ لدى قوى إسرائيلية تعتمر قبعة "الليبرالية" لكنها تذهب للحديث عن رفض أي مقولة سياسية يمكن أن يشتم منها شيء من الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وبالتالي تغالي وتمعن بالخطيئة الأولى التي أدت الى الانفجار.

 

لكن حالة الغليان أو السيلان هذه والحالة "الحدودية" هذه لا تقتصر على البرامج والقضايا المحلية والداخلية في إسرائيل وفلسطين، بل تتعداها الى المنطقة ككل. ففي محور المقاومة، يصبح سقف انهاء إسرائيل ليس أفقا بعيدا، وانما يتحول الى برنامج سياسي قابل للتحقيق (على الأقل في المخيال الجمعي الشعبي العام لمناصري هذا المحور)، والأهم من ذلك أنه يتحول الى مقولة تشد اذان المستمعين في العالم العربي والإسلامي اليها بما هي برنامج "قابل للتحقيق" في المدى المنظور. وهو الأمر الذي يدل أيضا على تحرر مخيال هذه القوى والشارع العربي والإسلامي (أقول الشارع أو قسمًا كبيرًا منه وليس الأنظمة) من الوضع القائم والتفكير لأول مرة منذ فترة الزعيم المصري جمال عبد الناصر، أن إسرائيل ليس قضاء وقدر، وانما واقع يمكن تغييره وحتى نسفه، والدليل هو السابع من أكتوبر وما تبعه من عشرة أشهر من الحرب.

 

ما أحاول الإشارة اليه هنا هو ليس مدى موافقتي من عدمها مع "الآفاق" السياسية والمتخيلة للقوى المختلفة في المنطقة ان كانت إسرائيلية أو فلسطينية أو مناطقية أو حتى عالمية، بل هو الإشارة الى والتأكيد على هذا "التحرر" من القيود من قبل جميع هذه المجموعات والدخول الى عالم بلا ضوابط، عالم حرية الأحلام و"الفانتازيا" و"اليوتوبيا" (على الأقل من وجهة نظر حامليها)، وهي الخطوة الأولى لتحقيق واقع سياسي والتأثير عليه لاحقا.

 

وهنا يأتي السؤال ربما الذي يفتح الباب لنقاش أوسع ضمن سياق الجماهير العربية الفلسطينية داخل إسرائيل والقوى الديمقراطية واليسارية الإسرائيلية والذي يمكن أن يحتاج الى سياقات ومساهمات أخرى كثيرة للرد عليه، وهو السؤال: ما الجديد الذي تطرحه هذه القوى؟ ما "اليوتوبيا" أو "الفانتازيا" المعاكسة التي يمكن لهذه القوى أن تطرحها للجمهور العام في البلاد؟ وعلى صعيد مستقبل الشعبين؟ هل يمكن لهذه القوى التحرر هي أيضا من "قوالب" الواقع؟ ومن قوالب "الماضي"؟ ومن قوالب "الشعارات المعلبة"؟

 

هل لدى هذه القوى الشجاعة لتقديم طروحات أكثر ثورية على الواقع من أجل تغييره؟ سؤال يحتاج من هذه القوى قبل الإجابة الأوتوماتيكية بالإيجاب أو بالنفي أن تتمعن به بعض الوقت وتعطي نفسها بعض الوقت لصياغة أفق جديد وخيال جديد يمكنه التأثير على الواقع المستقبلي.

 

في الصورة: دخان كثيف يغطي الأجواء قرب مدينة صفد بسبب قصف من لبنان قبل أسبوع

 

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية