news-details
ملحق الجمعة

عايدة توما وفِراخ الدواعش!

منذ أن شاركت عضو الكنيست عايدة توما في مظاهرة في حيفا ضد العنف الإجرامي إثر تعرض الشاب المثلي ابن مدينة طمرة الى الطعن في تل ابيب على خلفية ما يسمى زورا وبهتانا "شرف العائلة"، انفلتت عليها أصوات التخلف والمتخلفين الذين يتحدثون ويكتبون باسم الدين حينا، والدين منهم براء تمامًا، وباسم القيم الاجتماعية و"الذكورية" المشبوهة أحيانا، وما "القيم" التي تختنق بها حناجرهم سوى قيم داعشية مهزومة وما هم الا فراخ دواعش لم يكتمل نموها السياسي والاجتماعي بعد.

ليست مشاركة عايدة توما في مظاهرة حيفا ضد العنف هي السؤال الذي يفترض أن يناقش، وإنما ما يفترض أن يثير الاستهجان هو تغيّب الآخرين عن هذه المظاهرة وعن رفع صوتهم في الموضوع، وهؤلاء المتغيبون هم المطالبون بطرح تفسيراتهم لتغيبهم ولا أريد أن أقول مسبقا "لتقاعسهم" أو "جبنهم ".

جماهيرنا العربية تئن في السنوات الأخيرة تحت وطأة العنف وسفك الدم الذي لا يتوقف.. ويكاد لا يخلو خطاب سياسي أو اجتماعي أو ديني على كل المنصات من ادّعاء المواجهة "في الوساع" وفي "العموميات"، مع آفة العنف، لكن الأمر يختلف حين تسيل دماء الضحايا كما في حالة الشاب الطمراوي المثلي مؤخرا، أو كما في حالة قتل المرأة غالبا باسم الحفاظ "على الشرف" الخالي من أي شرف، وباسم ذكورية مشوّهة جاهزة ومجهزة بالحديد والنار لحسم أي نقاش وأي موضوع خلاف، مسنودة برضى المؤسسة الاسرائيلية المتقاعسة عن دورها في ضمان الامن الشخصي للناس، ومستندة الى خطاب داعشي مأزوم ومهزوم.  في مثل هذه اللحظات تقف مصداقية الموقف ومبدئية الممارسة وصدقية الفرز أمام امتحان صعب، فتفيض قريحة المتخلفين والجبناء والمتلونين في تبرير العنف ومحاولات القتل، وتفسير الاعتداء، والتغطية على سفك الدم  من خلال حرف النقاش والتهجم على من يقوم، أو تقوم في حالتنا، بكسر حاجز الصمت وتمزيق التابو في المواجهة مع العنف المستشري وفي التصدي لأولئك الذين يعملون على منح العنف غطاء أخلاقيا أو دينيا أو تاريخيا بسبب احتقارهم للضحية، بينما الدين والتاريخ والأخلاق منه براء.

وتثير الحزن والغضب والشفقة معاً، تلك الأصوات الساذجة التي تعلن انها تتفق مع الموقف الذي عبرت عنه مظاهرة حيفا الأخيرة، لكنها أصوات تعتبر ان الوقت ليس مواتيا لهذه المعركة الاجتماعية الآن، وتتماثل تلك الاصوات مع المظاهرة ولكنها تعتبر أن مجتمعنا ليس الساحة المناسبة لها بعد. إن ما يفوت أصحاب هذه المواقف هو أن العنف الاجتماعي لا يمكن تجزئته مهما تغيرت أشكاله ومهما تغير المستهدَفون منه، تماما كما أن مقاومة العنف لا يمكن تجزئتها أيضا ولا يجوز الانتقاء فيها، فمقاومة العنف ليست من منطق برنامج ما يطلبه المستمعون. إن من لا يتجرّأ على التصدي للعنف الاجتماعي بسبب طبيعة الضحية الواحدة ومواصفاتها، لن يكون قادرا ولا صادقا ولا مصداقا حين يدعي مقاومة العنف تجاه ضحية أخرى.

ليست هذه هي المرة الاولى ولا الحالة الاولى التي يواجه مجتمعنا فيها هذا النقاش. فقبل أكثر من عقدين ونصف من الزمن خرجت مجموعات من الشباب والشابات، والرجال والنساء الشجعان، الى الساحات وحواري بلداتنا العربية، للتظاهر ضد جرائم ارتكبت في هذه البلدات بحق نساء سقطن صرعى بادعاء "الدفاع عن شرف العائلة".. وتعرض المتظاهرون والمتظاهرات لعنف العقليات المتخلفة وتهديداتها وتعرضوا لهجوم أقلام بارزة في بعض الصحف باسم التقاليد والدين والقيم.. إلا أن ظاهرة المواجهة مع قتل النساء "على خلفية شرف العائلة" اتسعت وأصبحت أمراً طبيعياً، والصدام معها قد ترسخ وبات هو القاعدة بينما بات الدفاع عن القتلة وتفهم دوافعهم والتقاعس عن محاسبتهم هو الخروج عن القاعدة.

ومن المفارقات أن يبرز بين المتظاهرين في تسعينيات القرن الماضي كما في مظاهرة حيفا الاسبوع الأخير وجهان بارزان كانا وما زالا في قلب المعركة المشرفة: عضو الكنيست عايدة توما والسجين السياسي المُحرّر أمير مخول.. فأبدا على هذا الطريق المشرّف والمنير!

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب