أحاول دائمًا الانضباط والابقاء على الهدوء المتزن، وقد حافظت عليه قدر الإمكان في زوبعة الانفعال وتلاطم وهدير الأمواج، على مستوى السطح والعمق السياسي الذي عصف ويعصف باستمرار، لينشر تجليات الآثار المدمرة على شعوب المنطقة ومحور المقاومة في شرقنا العربي. تضحك ملء الفم وتتمتم قليلًا، على تواطؤ وهبوط وسطحية وتجارية القنوات والفضائيات العربية والأجنبية. زد على ذلك مواقع التواصل التجهيلية بجميع مسمياتها، وأنت تتابع بقلق وترقب، ما يجري على الساحة العربية والفلسطينية الوطنية وبالذات حول الوضع في غزة العزة وسوريا الحبيبة. لم نكن في يوم من الأيام مع سياسة النظام الداخلية هناك، كان لنا مواقف ونقاش ساخن، حول الجبهة الداخلية التي هي أساس الانطلاق في بناء سوريا الحديثة وعن ضرورة إشراك الشعب ومكوناته في إدارة التحول تجاه ما تمر به سوريا. وبالطبع فإن مثل هذا الإعلام المزيف والمضلل يخدم جهات غربية وعربية وصهيونية وإقليمية، في ترويج وتضخيم السلبي على حساب الإيجابي، وطمس عناصر المقاومة والتحرر والتضامن من التبعية للغرب الأمريكي والأوروبي منذ سقوط النظام السوري.
جاء اعتلاء المدعو أحمد الشرع (الجولاني -هيئة تحرير الشام) صهوة الحكم في سوريا بعد أن كان قابضًا على صهوة الإرهاب طيلة ما يزيد عن أحد عشر عامًا في صفوف داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي أقامها وسلحها وأمدّها بالأموال الثلاثي الدنس، وضلل من خلالها على مدى السنين الشعب السوري وأباح قتل الحجر والشجر قبل البشر، باسم التحرير والديمقراطية التي هي حق مشروع لكل السوريين، وقتل كل ما هو إنساني ووطني وأصيل، حتى العلم والعلماء، كما جرى قبل أيام قليلة بعد اغتصابهم للسلطة في دمشق وغيرها، من اغتيالات طالت علماء وعالمات، كل ذلك ووسائل الإعلام مشغولة في بث أفلام الفيديو وأخبار وصور للقطات لسجون النظام وزنزاناته وسراديبه وأقبيته، وتجري أحاديث ولقاءات بعضها مفبركة مع (سجناء) وأشخاص ليس لهم علاقة ولم يكونوا من المحكومين. نحن لا ننكر هذه السجون، لكن وسائل الإعلام المشبوهة والمتجندة لخدمة المشروع الأمريكي-الأوروبي التركي الإسرائيلي (شرق أوسط جديد) قد وجدت فرصتها الذهبية، وهي تعيش على صهوة الجولاني وهيئة تحرير الشام، تناست كليًّا ولغرض في نفس يعقوب، الحرب التدميرية الدموية الإبادية الدائرة منذ أربع عشرة شهرًا على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة ولبنان، والتي استشهد فيها أكثر من 45 ألف شهيد وأكثرمن 100ألف جريح.
هذه الحرب المجنونة يشنها حكام إسرائيل وحلفاء الجولاني الذين أوصلوه إلى ما هو الآن، وبعض الوسائل الإعلامية وبعض المواقع الاجتماعية، هم الأداة والبوق في الترويج لسياسة الغرب والصهيونية ورأس المال العالمي والخليجي العربي. العالم لم يرهم يومًا يبكون على الهمّ الوطني الفلسطيني ولا العربي الصادق والأمين. ومن ناحية أخرى، لم يحظ سجناء الحرية الفلسطينيون في سجون الاحتلال وزنزاناته وتعذيبه على يد جلاديه، على أية تغطية إعلامية والذين يزيد عددهم على عشرة آلاف سجين. من بين هؤلاء أعداد كبيرة من الأطفال والنساء. لم نسمع أن وسائل الإعلام المختلفة التي تراهن على التفسخ الطائفي والقومي وتلعب وترقص على الاحتراب الداخلي، أن قدمت لقرائها ومشاهديها، أية تقارير صحفية وإخبارية عن سجون ومعتقلات مثل سجن نفحة الصحراوي الإسرائيلي الرهيب، ولا عن سجن شطة وغيره من سجون التعذيب والإذلال الصهيونية، ولا يتحدثون عن سجن غوانتنامو الذي تديره الويلات المتحدة على الأراضي الكوبية منذ القرن الغارب، ولا يجري الحديث عن السجون التركية وزنازينها بحق الأكراد والتي يقبع فيها سجين الحرية القائد الكردي عبد الله أوجلان، هؤلاء جميعهم يتجاهلون عمدًا السجن الكبير والحصار القاتل المفروض على أهالي قطاع غزة. إنهم "أذكياء" في طمس الحقيقة الكاملة لمجمل الحياة الديمقراطية وحرية التعبير المعدومة كليًّا في دول النفط والتلم الأمريكي. ويتجاهلون السجون الحارقة والمميتة التي يديرها الحكم العائلي السعودي، ويشرف عليها (خادم الحرمين) محمد بن سلمان المسؤول عن قتل وقطع الجسد بالمنشار للصحفي عدنان الخاشقجي .
يصرح المدعو أحمد الشرع رئيس هيئه تحرير الشام "أن انتصاره على النظام كان نتيجة لجهود جماعية توجت بالعرق والتعب وجمع المال دون الاستعانة والمساعدة من الخارج"!!! على مثل من ينطلي هذا الكلام، إنه مجرد أداة تنفيذ للأجندة الأمريكية- الإسرائيلية، وسوف تنتهي وظيفته إذا لم ينضوِ تحت المظلة الأمريكية لتنفيذ المشروع الإمبريالي. كلنا نعرف من أين أتى أسامة بن لادن وكيف كان مصيره المحتوم. إن ما جرى ويجري في سوريا بعيد كل البعد عن التحرر، إنما جاء لتخريب الدولة سياسيًّا واقتصاديًّا وشل قدراتها العسكرية كي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها. فمنذ الساعات الأولى بعد الإعلان عن إسقاط النظام من قبل الجولاني، سارعت إسرائيل ونتنياهو لاعتلاء قمة جبل الشيخ السوري واحتلال الجبل بالكامل، إضافة إلى الاستيلاء على منطقة فصل القوات وبعض القرى السورية في منطقة القنيطرة، وأعلنت أنها لا تسمح لأي تنظيمات مسلحة بملء الفراغ. و"تكرّم" الجولاني على الفلسطينيين في سوريا، بأن طلب منهم تسليم أسلحتهم ولن يكون بعد اليوم في سوريا أيّ تواجد عسكري أو قوات فلسطينية وتشكيلات مسلحة ولا معسكرات تدريب أو مقرات عسكرية، وأن السلطة الجديدة بزعامة الإرهابي الجولاني، لن تسمح بشن أية هجمات على إسرائيل من الأراضي السورية. من المؤسف حقًّا أن الأغلبية الساحقة من وسائل الإعلام، تتجاهل هذه التصريحات الخطيرة والمدلولات التي تعبر بشكل أو بآخر عن أن الآتي أخطر بكثير مما نحن نفكر. فالجميع منشغلون في الحفاظ على كراسيهم، التي لم تعد ملكًا لهم، بل مرهونة إما للخلع من الحكم أو أن تكون مطيّة ذليلة لتوجيهات الأمريكان والأوربيين والقبول بسياسة إسرائيل على مجمل المنطقة وشعوبها، فإمّا الكرباج أو الخنوع للسيد الأمريكي والغربي والإقليمي.
أخيرا، ستبدي لنا الأيام ما كنا نجهله وما يحاك لنا خلف الستار.







.png)


.jpeg)



.png)

