بقدر ما تثير فيّ ذاكرة هذا المهرجان، وأعني مهرجان مسرحيد من حنين لبداياتهِ الأولى بقدر ما أُذهَل من تراجعِ فكرتهِ. تصريحي هذا لا يخطئ الحقيقة الّتي نتّفق عليها جميعا أنّ المسرح عموما مطالب بتلبية ضرورات الحضور المضموني لرسالتهِ الأساسيّة ضمن حدود الجانر الواحد سواء كان عملا جماعيّا أم فرديّا فلكلّ ضروراتهِ، كما أنّ غياب الرّؤية لن يؤدّي الى تضليل العمل، وضياعِ بوصلتهِ ثمّ انسلاخِه عن الفكرة الّتي جاء كي يحقّقها. فعمادُهُ التّجديد والسّعي لبثّ روح الجمال في مركّباتِ عالمهِ حتّى اللّحظات الأخيرة لبداية العرض أمام جمهورهِ ومُرتاديهِ. فهل يفهم القيّمون على مسارحنا ضرورة إشاعة أواصر الرّسالة الّتي نهض المسرح عليها؟
كنتُ من أوائل المهتمّين والمُسهمين بالتّحليل الأكاديمي والجماهيري لمهرجان "مسرحيد"، ومنذ انطلاقتهِ في بيت الكرمة مُتتبّعة لأشكال تجلّياته. حرصي على طرحِ رؤيتي النّقديّة لها أسبابها الجماليّة البحتة وليس كما خُيّلَ للبعض الّذي يتأذّى من صفاء الفِكرة والمخيّلة، وظيفة النّقد أن يضيء سراديب العتمة الكثيرة في الطّريق الى العرض. كنتُ أشدّ نبلا من بعض الوجوه المبتذلة في أداءاتها ممّن أرادت أن تفرض واقع تفوّق زائف لا تحتاجهُ خشبة رخوة أصلا وغير ثابتة، بضمنهم امرأة لا تمتلك من مقوّمات الأداء غير التباكي الّذي لا تحتفي به الفكرة المسرحيّة مهما بلغَ حزنها. ولكي نتجاوز أخطاء المؤدّين والمخرجين الفنّيين معا علينا أن نقتنع بما لا يترك مجالا للشّك أنّ للمسرح أدوات مهنيّة واسعة في اضاءة مستويات الأداء وتثوير لغة نافِذة بين مساحتي العرض والتلقّي دون اللّجوء لتسخيف تجلّيات الألم بكافّة تسمياته مثلا، وبما لا نعترف للآن بأثرهِ. حين لا يستوعب فنّان/ة أنّ أداءه لا يرتقي لمصاف التجلّي عليهِ أن يتخلّى ويعتذر لا أن يهاجم ويؤزّم المكان كي يُخضِعهُ لسلطةِ فشلِهِ، بالعادة لا سلطة فوق سلطة المسرح، فِتنتهِ وفِكرتِهِ أيضا. بعض الثّرثرات الّتي صدرت بحقّ مداخلاتي المسرحيّة لم تصل لأبعد من خيبة لا نحتاج أن تشغلنا وعليه، سنعترف ضمنيّا أنّ النّقد ليس خطّا مباشرا الى المهنيّة، بل يحتاجُ أن يُطَعّمَ بموهِبة دافئة تجتذب الجمهور اليه.
في هذه العُجالة سنطلق كلمة حقّ في مساعي الفنان المسرحي أسامة مصري على مباذلهِ الكثيرة لإنقاذ ما يمكن من جماليّات الأعمال المسرحيّة كي يخرج المهرجان بإنجاز نوعيّ. لكنّ حكمة التّواصل مع الواقع المضموني لم تمنحهُ ما يكفي من جماليّات كي يضيء بها كافّة العروض المتقدّمة للمشاركة بما في ذلك الأعمال الّتي تمّ قبولها للمهرجانات عموما والأخير خصوصا. لقد دفعَ باتّجاه الأفضل ايمانا منه أنّ المختلف سيأتي. لكن مع تقديري لنوايا أسامة غير أنّ المختلف الّذي نرجوهُ لم يأتِ الى المهرجان. متابعاتي الطّويلة تستنتج أنّ ما يُدفع الى خشبات المسرحيد هو قليل ما يمنحهُ الاعداد السّينوغرافي لمستوى العرض المسرحي، أداء وتقنيّة. ماذا يعني هذا؟ أنّ الرّؤية المسرحيّة لا تزالُ مشوّشة وغير واضحة، وما يفهمهُ الممثّل الّذي يقف على الخشبة كي يقلبها تقلبُهُ هوَ وفنّهُ وثقافته المُخلخلة حول فنّ الأداء. وما عدا بعض المسرحيديّات الّتي اشتغل أصحابها إخراجها شكلا ومضمونا فمسرحنا في حالة تراجع، والأصحّ أنّهُ في حالةِ ذُعرٍ من فنيّة الأداء، والذّعر يكبّل ويُقزّم العمل المسرحيّ ولو اكتملت شروط العمل الجيّد فيهِ وأعني أنّ المستوى الموسيقي والدّيكور الحالم، متناسق اللّون والاضاءة لن يُصالِح الأداء حينَ يخرجُ ضعيفا، ولعلّه الذّعر أسوأ تعريف لفنّان في تجلّيهِ الأوّل.
ما عدا السّنوات الثّلاث الأخيرة، بقيت وفيّة للمهرجان، حريصة على عروضه. لقد استنتجت بقليل من لحظات التأمّل خشية الطّاقم المشرف على المهرجان رأيي ورؤيتي البعيدة حول ما يعرض خلال أيّامه. لا بُدّ أن تنذر ملاحظتي هذه الحالة المسرحيّة بالعموم بضرورة البحث عن أسباب الخِشية الّتي أتحدّث عنها. هذه الرّؤية الّتي يفتّشون في الغرب عن أصحاب أقلامها ننذعر نحن منها حدّ اخفاء اثار أصحابها. هم يعرفون تماما أنّ الرّؤية غير التّقليديّة هي ما يثري الحياة الثّقافيّة بالمجمل، وعليهِ يسعَون اليها ويتشبّثون بكراماتها. غير الصحّي الّذي يسيطر على حياتنا الثّقافيّة الاستيراد المُفرِط للآراء والأسماء الّتي تُحابي وتلغي قيمة أعمالنا باطراءاتها المبتذلة ودون أن نشعر بالنّدم أو بتكبيت الضّمير. لقد ربّينا الحقيقة على ثقافة التشوّه حتى تُبادلَ جماليّات الشّكل والمعنى أدوراهُ وتُقصيهِ من اعتباراتنا، وهكذا نظلّ خارجَ ما يحتفي بهِ العالم. لقد لمتُ المسرح بما يكفي رغبة منّي في اثارة الذّعر لدى المسؤولين عن صروحهِ في الدّاخل الفلسطيني، غير أنّ التّجاهل العقيم يؤدّي بي لايقاظ الأمانة الفنيّة والفكريّة لدى مديري المسارح وطواقمهم المسرحيّة كي تصبح مهمّة الادارة المشرفة على المهرجان أقلّ جُهدا وصعوبة وحرجا أيضا. لدينا جمهور يثق أنّنا نُعدّ لهُ في كلّ مهرجان الأفضل، وعلينا أن نصونَ لهفتهُ وهو يجدّد الثّقة كلّ عام بخَياراتنا، واصرارنا على الأمانة والجودة في العروض الّتي نقدّمها له كي يفرح، نحن من دفعهُ لهذا الصّرح على مدى سنوات ووعدهُ أن يحتفي بهِ بأقصى ما ندّخرهُ من تجربة، وثقافة وفنيّة في تدوير الأبطال وشخوصهم المرافقة، لذا أعتبر خذلانهم اخلالا سافرا بشروط الاتّفاق الّذي وُقِّع غيابيّا بين انتظارهم وأعمالنا، وأعني الدّهشة خصوصا الشُّعلة الّتي وعدناهم بأسمائها، ستظلّ تسبق الضّحكة ما بقي موعِدنا معهم. والحقيقة أنّ هذا ما لا يحدث في مساحات العرض الموزّعة في محيط المهرجان، فالدّهشة الّتي تمشي في أرواحنا سرعان ما تتشوّش وتُخلّ بتوازننا، وبهذه السّهولة تتبخّر اللّهفة. في هذه المعادلة غير المتكافئة ثمّة خسارة كبيرة للمهرجان، للاعداد المسرحي، لطاقم العمل، المخرج تحديدا والجمهور، نحن.







.png)


.jpeg)



.png)

