إميليوس بابينوس حقوقي سوري وشهيد العدالة التي أرسى قوانينها. وُلِد عام 142 للميلاد في حمص السوريّة (ام الحجارة السوداء) ودرس الحقوق في بيروت التي كانت تُعتبر في حينه (الأُمّ المُرضِعة للحقوق)، وقد بقيت هذه حتى منتصف القرن السادس مِن أشهر مدارس الحقوق في الإمبراطورية الرومانية. إن تأثير الحضارة السورية في كل نواحي الحياة الرومانية دفع الشاعر والكاتب الروماني "جوفينال" للاعتراف بأنه في القرن الثاني الميلادي "كان منذ زمن بعيد ونهر العاصي السوري يصب ماءه في نهر التيبر جالباً معه لغته وعاداته وعوده وقيثارته بأوتارها المائلة".
ولعل من اهم تأثيرات الحضارة السورية عالميا خلال العصر الروماني منجزاتها في التشريع والحقوق. فمع مطلع القرن الثالث الميلادي أصبحت بيروت مركزاً لمدرسة الحقوق والتي بقيت حتى منتصف القرن السادس أشهر مدرسة من مدارس الولايات في الامبراطورية الرومانية. ويشير الباحثون إلى أن مؤسس هذه المدرسة هو الإمبراطور (الفنيقي الأصل) سبتيموس سيفيريوس 193 ـــ 211 م والتي تعهدها من بعده خلفاؤه السوريون. فالدور الريادي لهذه المدرسة دفع الإمبراطور يوستنيانوس لتسميتها أم القوانين ومرضعتها.
شغل بابينوس عدّة مناصب هامة في عهد الإمبراطور "سيبتيموس سيفيروس" زوج جوليا دومنا الحمصية، التي حكمت روما لاحقاً. وقد كان مقرّباً منه، والذي ستشاء الأقدار أن يقوم ابنه بقتله وإنهاء حياته. وجاءت نهايته بعد صراع على السلطة بين"كراكلّا" و "غيتا" أولاد الامبراطور سبتيموس و جوليا دومنا، والذي انتهى بمقتل "غيتا" على يد أخيه "كراكلّا". أمر الامبراطور كاراكلا بابينوس أن يوظف كل مهارته وفصاحته في سبيل تلمس الأعذار والتبريرات لإقناع السنات الغاضب، بصدق جريمته النكراء .ولكن المفاجأة التي لم يكن يتوقعها الامبراطور ،هي رفض رجل العدالة هذا الطلب برده بشجاعة : " إن قتل الأشقاء أهون من تسويغ هذا القتل "، وبعد إلحاح الإمبراطور أجابه بابينوس " إن تسويغ قتل النفس ليس أسهل من اقتراف القتل "،وحاول الامبراطور اقناعه بأنه اضطر لذلك دفاعا عن النفس .الا انه تحداه قائلا:"إن اتهام قتيل برئ بالقتل قتل له ثانٍ ".فكان هذا الجواب المشهور السبب لضياع حياته، فما كان من الإمبراطور إلا أن يأمر الجنود المحيطين به بقتله، فتقدم أحدهم ببلطة، فما كان من (بابينوس ) إلا أن إنتهره لاستخدامه البلطة بدلا من السيف، وهكذا قتل بالسيف دفاعا عن الحق وإظهار العدالة.
وتطرق المؤرخ ادوارد غيبون الى هذه المأساة في كتابه اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها"لقد كان إعدام بابينوس محزنا وكارثة عامة تنذر باقتراب انهيار الامبراطورية".
لقد قدم هذا الفيلسوف الحقوقي، بابينوس، للانسانية، تشريعات شكلت المصدر الرئيسي الذي استمدت منه بشكل خاص الدول الاوروبية الحديثة قوانينها كفرنسا وإيطاليا والمانيا واسبانيا. ألف ١٩ رسالة في المطارحات القانونية و٣٧ مؤلفا في قضايا حقوقية،وكان ضمن الفقهاء السوريين الخمسة (ألبيان ،غايوس ،بولس وموديستوس) اللذين صاغت تشريعاتهم ٨٠ بالمائة من مدونات الامبراطور يوستنيانوس في القانون. ومن اشهر مؤلفاته" الأسئلة" و"الفتاوى"و "الاجوبة".ولقد كان كتابه "الاجوبة" مُقَررا في منهاج دراسة الحقوق في روما. فأدْخِلت ٥٩٦ فقرة من كتاباته في موجز يوستينيانوس في القانون وتردد فيه اسمه ١٥٣ مرة.لذا قيل فيه ان التراث القانوني الذي اورثه بابينوس للعالم فاق ما انجزه اي فيلسوف روماني آخر في مجال الحقوق.وهذا ما دفع بعض الباحثين للقول: في القرن الثالث الميلادي كانت سورية تعكس على العالم تقاليدها الحقوقية التي تعد مصدر الحقوق الرومانية . ترتبط اهمية القوانين التي صاغها الحقوقيّون السوريّون ومن بينهم “بابينوس” ليس فقط بتأثيرها الجذري الجارف على القانون الروماني،انما بمساهمتها في تخليص التشريع الروماني من تقوقعه في الفظاظة والقسوة بتأثير الفكر الانساني لفلسفة المدرسة الرواقية والتي اسسها زينون الفنيقي وتابعه فلاسفة آخرون كان آخرهم الامبراطور (السوري الأصل)الفيلسوف ماركوس اوريلوس.
وتحتل الأخلاق المرتبة الأولى في الفلسفة الرواقية. تمحور مفهوم فلسفتها على "محبة الحكمة ومزاولتها"، اي هي كانت تشترط تحقيق الفضيلة بالفكر والممارسة.فالفلسفة في تصوراتها هي ممارسة الفضيلة . لذا اعتبرت ممارستها اسمىالقيم.وإعتبرت وظيفة البحث في الطبيعيات والمنطق كأداة لخدمة الأخلاق، والحكمة. ان اسمى الفضائل عندها هي الحكمة والتي ينبع منها الأربعة فضائل الرئيسية: "الاستبصار والشجاعة والعفة والعدالة". وربطت الفلسفة الرواقيةبين الفضيلة والسعادة، فالسعادة في تصورها تنحصر في فضائل عقلية هي "ضبط النفس "و "الاكتفاء الذاتي"، و "الحكمة" . واكتسبت هذه الفضائل الثلاث صبغة عقلية، لتصبح الفضيلة عندها التخلص من الرغبات والتحرر من الانفعال والغرائز والشهوات. لذا،برأيها لن يستطيع البشر تحقيق أعظم خير لأنفسهم، وبلوغهم ذروة السعادة ، الا باتباعهم نهج الحق، وبتحرير أنفسهم من الانفعالات والنزوات وضبطهم للنفس.
ومن السمات التي تميز فكر المدرسة الرواقية دعوتها للكوسموبوليتية (هي مفهوم ابتكره الفيلسوف الرواقي "ديوجين)ومكون من كلمتين الاولى كوسموس-عالم، والثانية -بوليتان :مواطن.أي اعتقادها بان البشر هم مواطنو العالم وليسوا مواطني بلد او منطقة معينة.فاعتبرت كل الناس هم مظاهر لروح عالمية واحدة ولذا عليهم العيش في محبة. وهذا ما اكده الفيلسوف الرواقي "ابكتيتوس(٥٥- ١٣٥م)،"في قضية علاقة الانسان مع العالم ،"كل انسان هو اولا مواطن لذاته،الا انه ايضا عضو في مدينة كبيرة من الناس،وان الخير الحقيقي كامن داخل الانسان وسيتحقق فقط عندما سيتوفر مبدأ اخوة الانسان ".وعبر ديوجين عن ذلك بمقولته"انا لست الاثيني او الكورنثي انما انا مواطن من العالم. وينسب للشاعر السوري "ملاغر" من "غدارا" (تقع اليوم في مدينة ام قيس الاردنية) من تلك الفترة "اذا كنت سوريا فما هي الغرابة؟ يا ايها الغريب اننا نقطن بلدا واحدا وهو العالم ، وشيء واحد انبت كل البشر". اذا الكوسموبوليتية ، التي نادت بها الرواقية هي مفهوم يسعى إلى رؤية البشرية كوحدة عضوية واحدة، وتكرس الولاء للجنس البشري بأكمله والذي تجمعه هُوية كوسموبوليتية، تضم عناصر ثقافية من مختلف أنحاء العالم. دعت هذه الفلسفة السياسية لانتماء كل البشر الى مجتمع واحد تربطه منظومة قيم اخلاقية مشتركة.
ويعرفها "كوامي أنتوني " بأنها إمكانية وجود مجتمع عالمي يدخل فيه الأفراد من مواقع مختلفة (المادية ، والاقتصادية ، إلخ) في علاقات من الاحترام المتبادل رغم اختلاف معتقداتهم (الدينية والسياسية والعرقية).
وفي الختام عرضت أن هذه البقعة من الأرض والّتي تُدعى سوريّا خرج منها من أعطى للعالم التشريعات والقوانين الّتي تُعدّ مصدر الحقوق حتى يومنا هذا. لكن المدهش أنّ قلّة قليلة من السوريّين والعرب تعلم ذلك، بينما نجد الغرب يتباهى بما قدّمته سوريّا للبشرية. المؤسف تغييب هذه الصفحات المشرقة من تاريخ سوريا التليد، ولا مجال هنا لتحليل ظاهرة هذه التغييب. فبابينوس المغيب في شرقنا يحظى بتقدير فائق في الغرب كفيلسوف حقوقي سوري. ايطاليا نصبت له تمثالا شامخا امام دار العدل في روما. كما خلدته الولايات المتحدة بجدارية امام مبنى الكونچرس معنونة باسمه وقد كُتب ًّعليها "مؤلف لأكثر من ستة وخمسين مؤلفا في الحقوق كانت اساس التشريعات الحقوقية العالمية". وبودى ان انوه ان انجاز بابينوس ورفاقه السوريين ليس مقصورا على العصر الروماني انما هو استمرارية لريادة المشرق في التشريع بدأ من اورانمو الى حمورابي الى القوانين الاشورية والفرعونية وصولا الى مدرسة بيروت للحقوق والتي شكلت نواة الفكر الحقوقي .وهذا ما يؤكده الباحث " بول كولينيت " في بيروت كان يتم صياغة الحقوق الرومانية الجديدة.من قبل جماعة من الفنيقيين السوريين هم عائلة سبتيموس سفيروس ومستشاروه، ويعترف الغرب بأن الحقوق الرومانية الجديدة مدينة ببلوغها أوج الكمال في فترة حكم السلالة السورية لعرش روما (193 ـــ 235 م).ولقد حفظ التاريخ انجازات أولئك العظماء كسوريّين، فوثقها المؤرخون: بأن سوريا كانت في القرن الثالث الميلادي تعكس على العالم تقاليدها الحقوقيّة والّتي تعد مصدر التشريع في العالم.







.png)


.jpeg)


.png)

