عن مجزرة محتملة، أتحدث!| أحمد أشقر

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

حسناً، انتهت أول مواجهة عسكرية بادرت إليها المقاومة في قضاء غزّة ضد إسرائيل والتي استمرت أحد عشر يوماً من العاشر إلى الحادي والعشرين من أيّار 2021. لم يتوقعها أحد، لا العرب ولا اليهود. أما تداعياتها الميدانية بانتشار المواجهات مع المُستوطنين اليهود وأجهزة النظام الإسرائيلية الأربعة (التشريعي والقضائي والتنفيذي ووسائل الإعلام) وارتفاع وتيرتها ووتيرة قمعها فهي حاصل ديناميكيّة سيا0سة النظام ضد عرب فلسطين. فحدّة هذه المواجهات من قبل هذه الأجهزة لم يكن نتاج ردّ فعل على الاحتجاجات التي قامت بها جماهير غفيرة في كامل فلسطين التاريخية، بل هي نتاج سياسة وأيديولوجية وشرعيّة قضائية ثابتة: اليهود (نحن)- (وهم) العرب نقيضان. نعم هذا هو القانون الذي يحكم العلاقة بين المُستعمِر (بكسر الميم) والمُستعمَر (بفتح الميم). ومن خلاله يمكننا فهم كل أشكال القمع ومستوياتها والمجازر التي يستمتع الاستعمار اليهودي في فلسطين باقترافها، وسيواصلها في المستقبل.

   *     *    *    *

في اليوم الثالث لبدء مواجهة "سيف القدس" بدأت أصوات من المؤسسة الأمنية تطالب بإيقاف المواجهة مع غزة والتفرغ للمواجهة مع عرب 48 لأنها الأهم ومجموعة تشكل خطراً على الدولة. يمكن قراءة هذا الموقف كالتالي: استمرار المعركة ضد غزة حتى بإلقاء أضعاف مضاعفة من الضربات العشر التي ألقاها "إلوهيم" على المصريين، هذه المرة ضد الغزيّين أشقاء المصريين فإن الأمر لن يغيّر شيئاً في عناصر المباغتة والجرأة والبطولة والقوة الصاروخيّة وقواعد الاشتباك كما لخصها ضابط أمني كبير بالقول "حتى الآن، حماس حققت أهدافها، بينما المستوى السياسي في إسرائيل لا يزال يركض وراء أهدافه" (هآرتس 19.5.2021). وأدركت أن المقاومة تمكنت من تحييد سلاح المشاة، ولم يبقَ في جعبتهم إلا سلاح الجوّ، ولسان حالهم يشبه وضعهم بوضع خادش للحياء من عالم الجحوش، فاستمرار المقاومة يسبب تآكل هذه الأجهزة التي باتت عاجزة عن حَرف مجرى المواجهة لصالحها. وفيما يخص التفرغ لاحتجاجات عرب 48، فإن الأمر بحاجة إلى توضيح أكثر والتحذير مما قد يحدث في المستقبل. إن ادعاء الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن حراك عرب 48 يشكل خطورة على الدولة رُبعه صحيح وثلاثة أرباعه تحريض على مجزرة. الربع الصحيح هو أن هذا الشعب الذي أريد له أن يصبح أفراداً فقط تجاوز قدرات قوى حاولت كيّ وعيه منذ سنة 1948 مراراً. فهذه القوى المكونة من الأعداء وبعضهم محسوب على أهل الدار و'الأصدقاء' من ممولين وشُراة ذمم، أدت إلى سقوط أوهام التسوية والحلّ السلمي والتعايش المشترك والقرار الوطني الفلسطيني المستقل والدولة الواحدة والتأثير من جوّة ومن برّة. فعلى أصحاب هذه المشاريع والمواقف أن يبحثوا عن آثارها في سماء الصواريخ ودماء الموت- الفرح القادمة من غزّة. أما فيما يتعلق بالتحريض فقد ترافق مع الحديث عن البحث عن صورة انتصار. نتساءل: ما هي صورة الانتصار في سياق قمع جماهير عرب 48؟

ترافقت دعوة أجهزة الأمن المختلفة والحديث عن صورة انتصار مع تصاعد حدّة قمع أهالي اللدّ من قبل الشرطة والمستوطنين الفاشيين الذين حرضوا وقتلوا الشاب اللدّاوي، موسى حسونة، في العاشر من أيّار. فحسونة وإن اختار له المجتمع لقب شهيد (martyr) فهو أيضاً الشهيد (Witness)، الشاهد على اكتمال أركان الفاشية ومكوناتها في صيغتها اليهودية- الإسرائيلية (النظام السياسي، الشرطة المتواطئة أو الشريكة التي رأينا أفرادها في وسائل الإعلام المختلفة وهم يحمون- يساندون الفاشيين حاملي السلاح والقادمين من مستعمرات الضفة الغربية وطبريا وصفد إلى اللد)، وما محاولة قائدها تحميل الفاشي (بن جفير) المسؤولية عن "انتفاضة يهودية" إلا تأكيداً على تورط شرطته بما حدث في اللد وأماكن أخرى من قمع، لأنه كان يعلم ولم يحاول منعها؛ ولم يحاول منع قطعان بشريّة يتدفق الزبد من أفواهها كراهية للعرب. في حين أمر جهاز قضائها باعتقال مئات الشباب العرب من المحتجين وتقديم لوائح اتهام ضدهم، لكن لم يقدم ولو لائحة اتهام واحدة ضدّ فاشيّ يهوديّ.

وفي الوقت الذي استمر فيه جهازها الإعلامي المكون من شُذّاذ الآفاق بالتحريض على العرب، و"عدّ جثثهم"، كانت شركات باصات القطاع الخاص تنقل هذه القطعان. في هذه المرحلة حوّلت عقيدة النظام في إسرائيل العرب إلى (Homo Sacer) بمفهوم جورجيو أجامبِن، وبالمناسبة أفهمتنا الأحداث التي بدأت احتجاجاً على طرد أهالي حي الشيخ جراح — والتي أطلقت الشرطة خلالها النار على الشاب الفحماوي محمد محمود كيوان ليسقط شهيداً وما تلاها من قتل— كيف اقترفت المجازر المهولة في أوروبا في المنتصف الأول من القرن العشرين. عمليّاً حاولت هذه القطعان اقتراف مجزرة اعتقد بعض الساسة أنها ستكون مُناسبة كصورة انتصار. لكن ما جرى بين المؤيدين والمعارضين لها والصامتين عنها (أقصد قوى وأطراف في سدة النظام بما فيهم قطعان الفاشيين) كان حاداً، لم يفشله إلا الخوف من اشتعال جبهات أخرى (...). هذا لا يعني أن اقتراف مجزرة بحق عرب 48 أو الضفة الغربية قد انتفى نهائيّاً، بل لا يزال خطة جاهزة للتنفيذ قد تحدث في أية لحظة لأن جميع القوى في الكيان باتت تطالب بتأديب عرب 48 "كي لا يرفعوا رؤوسهم" كما طالب صحفي يهودي شرقي يأنف غالبيّة الأشكناز من مجاورته على طاولة منفصلة في مقهى شعبي. وعلينا أن نذكر أن خطط تهجير ما تبقى من عرب فلسطين من وطنهم جاهزة ولم يتم إلغاؤها منذ النكبة إلى اليوم.

   *     *    *    *

والشيء بالشيء يُذكر: قبل عشر سنوات كتبت مقالاً قصيراً بعنوان (عرب اللد: في مرمى القمع والتهجير) حللت فيه خطة الحكومة المعنونة بـ "تدعيم وتطوير مدينة اللد" (2010) وكتبت بالحرف الواحد ما يلي: "بالطبع، يجب إعادة قراءة ما يرد في خطة الحكومة مجدداً، ابتداء بالاسم الذي منحه لها الساسة والإعلاميون اليهود: إنقاذ مدينة اللد. إنقاذها من العرب طبعا!". وأضفت: "يجري الحديث في دهاليز لجان التخطيط في الحكومة والبلدية عن خطة لبناء تجمع سكني لليهود المتدينين يستوعب (15 ألف) مستعمراً جديداً. وفي هذا السياق، تحضرنا الخطط الحكومية المختلفة لإسكان مستعمرين يهود متدينين في المدن التي تُدعى مختلطة كعكا ويافا واللد والرملة و"نوف هجليل" ومنطقة المثلث الشمالي بين منطقة عارة وأم الفحم. والسبب جلي: حرب ديموغرافية. فقد بات واضحاً أن حكومات الكيان تستخدم المستعمرين اليهود المتدينين في حربها الديموغرافية ضدنا. فهؤلاء يتكاثرون بأعلى معدلات التكاثر في العالم، ولا يكلّفون خزينة الكيان الكثير لأنهم فقراء واحتياجاتهم ليست كثيرة كالأغنياء، وإنما يتكاثرون عددياً وأيديولوجياً. أي أن مشروع الكيان في حربه الديموغرافية ضدنا رخيص.

نفهم من خطة الحكومة أن التكاثر العددي للمتدينين هو الشق الأول من المعادلة. أما الشقّ الثاني، فهو إقامة "كليّة تراث يعقوب" الأكاديمية الدينية، كي تسهم بإنتاج الشرعية الدينية- السياسية للكيان. هكذا يريد الكيان طرد العرب من اللد، بواسطة هدم بيوتهم وقمع الشرطة وحرس الحدود والوحدات الخاصة لهم وزيادة أعداد المستعمرين الصهاينة في المدينة. وقد أدى قمع السلطات وضغطها إلى انتقال مئات العائلات العربية إلى قرى المثلث الجنوبي: كفر قاسم وكفر برا، وجلجولية".

هذا ما يحدث في اللد على مدار الساعة، وما سقوط الشهيد حسونة وحرق بعض المنازل العربية وفرض أنظمة طوارئ إلا نتاجاً أوليّاً ومقدمة واضحة لما ستقوم به المؤسسة في المستقبل. والأمر نفسه يحدث في يافا التي هاجمها المُستعمرون اليهود في الذكرى المئوية الأولى للهجوم عليها سنة 1921. ويحدث في كلّ من عكا والرملة منذ عقود.

هذه الأمور مجتمعة تدعونا إلى الحذر الشديد لأن الفاشيين اليهود الذين يعملون ليل نهار على نهب أراضي العرب في الضفة الغربية، ويهاجمون العرب هناك على مرأى ومسمع الجيش والساسة ووسائل الإعلام، هم أنفسهم وشركاؤهم بالداخل الذين هاجموا عرب 48 في هبة رمضان ونصرة غزة في أيار. كان رئيس الحكومة الأسبق (أولمرت) قد استبق الأحداث في مقال له بتاريخ الثلاثين من نيسان الفائت بتحميل المُستعمرين والقيادة السياسية مسببات الوضع الذي أدى إلى الانفجار الأخير في نهاية الأمر، وعنونه قائلاً: "علينا أن نعترف: هذه المرّة، إن المسبب الرئيسي للعنف في القدس ليس الطرف الفلسطيني".

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-13 07:57:20

ما وراء اعتراف إسرائيل بأرض الصومال

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-13 07:36:20

النظام الدولي يحتضر: غزة الشاهد والشهيد

featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة