news-details
ملحق الجمعة

عودة الى المفهوم ضمنًا: ستظلّ تلاطم الكف المخرز، وأكثر

لعلّ احد أهم افرازات الانتخابات السابقة، قبل خمسة اشهر، والانتخابات الحاليّة الوشيكة، هي انعكاس المرآة على حالة شرائح واسعة من ابناء شعبنا، التي باتت تقرن العمل السياسي ومن ضمنِه البرلماني، بعدد "الانجازات" و"الخدمات" التي حصّلها ممثلو الاحزاب الوطنيّة وممثلو الجماهير العربية من ساحة البرلمان. ثم البتّ بأنه طالما لم تتحقّق هذه المطالب فإن هناك خلل او انعدام جدوى في النضالات التي خضناها لأجلها - أي ان الخلل فينا نحن، وليس خللًا في المنظومة الأساس التي ارادت لنا وتريد أن نبقى في مربع صراع البقاء اليومي، أكبر همنّا "النجاة" بالمفهوم الابسط. وهي المنظومة ذاتها التي تقرن "تحسين حالنا" بضرورة تقديم الولاء والتصالح مع سياساتها الاحتلالية والعنصريّة، والتنازل عن حقوقنا السياسيّة وكرامتنا الجماعيّة، المصدر الوحيد لقوّتنا وإلا فسنصبح ايتام على مائدة اللئام.

هذه الإفرازات تحتاج وقفة طويلة لما تحمله من دلالة على انتقالنا من مرحلة الوعي السياسي الجماعي، ومن مجتمع مُسيّس يقاوم الظلم ويصبو نحو التحرر، الى مرحلة "التأقلم" مع ما هو موجود ولـ"ننفِد بْريشنا". وهنا، دور الاحزاب السياسية والوطنية اولًا، أن تقف وتُسائل نفسها، كيف وصلنا الى هذه المرحلة وهي المؤتمنة على تسييس شعبنا، وصيانة الاجيال القادمة امام محاولات تشويه هُويّتنا الجماعية، وتفتيت كلّ ما هو جامع، بما في ذلك الهمّ الجماعي!

هذا لا يعني ابدًا ان مطالب شعبنا ليست محقّة، فمن حقّ شعبنا وواجبه أن يُسائل لماذا هدمت منذ العام ٢٠١٧ المئات من بيوتنا، بعضها بهدم ذاتي لتفادي دفع "تكاليف الهدم الحكومي" التي تصل الى عشرات ومئات الاف الشواقل؟ في الأساس، من حقنّا ان نسأل لماذا نحتاج اصلًا لأن نبني بيوتًا غير مرخصّة؟ وكيف سُنَّ قانون كيمنيتس الذي يقضي برفع عقوبات السجن الفعلي والغرامات المالية على البناء غير المرخّص، والاخطر من هذا تخويل  لجان التخطيط والبناء -ذات الدوافع السياسية- صلاحيات واسعة على حساب صلاحيات السلك القضائي؟
من حقّنا ان نسأل ونُسائل، كيف لا تتوسع مسطحات بلداتنا؟ وكيف أصبحنا نعيش في جيتوهات قرويّة خانقة، وبنى تحتية بالية، بدون مرافق حياتية او خدمات صحيّة ورفاه اجتماعي كافية؟ كيف يزداد عدد طلابنا ولا يزداد عدد مدارسنا وملكَات توظيف معلمينا؟ كيف تعمل ٣ فقط من كل عشر نساء من مجتمعنا؟ ويُقتل كل يوم عامل من أبناء شعبنا بسبب انعدام ظروف الأمن والسلامة في ورشات العمل؟ من حقّنا أن نغضب ونثور حين يُقتَل اكثر من ١٠٠٠ من شباب ونساء شعبنا في العقد الاخير، وتستفحل الجريمة وتهدد كل واحد وواحدة فينا دون أي رادع او محاسب.

من حقّنا، بلّ من واجبنا ألّا نرضى بكل هذا، وأن نفرض مطالبنا بقوّة، فهذه المطالب هي صميم صمودنا، ونقطة انطلاق لتدعيم وتحصين مكانتنا المجتمعيّة والسياسيّة. 

لكن، نطلبها مِمّن؟ وهل في حالتنا يكفي أن نضع هذه المطالِب وننتظر "الفرج" من ذات المؤسسة التي جلبت هذه المآسي وغيرها علينا وعلى شعبنا؟ أمّ أنّ علينا انتزاعها والنضال من أجلها؟ وكيف نُناضل؟!

هذهِ هي الاسئلة التي يجب أن نسألها لذواتنا عشيّة الانتخابات. كيف نُسخّر الظروف لتكون مطالبنا ليست فقط مشروعة، إنمّا حاضرة وبقوّة، مُتاحَة وبقوّة، في متناول اليد ومُستحقّة وليست "منّة" وفتات هُنا وهُناك، والأهم: ليست مشروطة بالتنازل عن أيّ من حقوقنا، لا المدنية ولا السياسيّة.

إن تصويب اصابع الاتهام نحو الاحزاب السياسيّة وممثلينا في الكنيست وكأنهم يحملون المسؤولية الحصرية والكاملة عن ذلك، والاسترسال في "ترسيخ" هذه المسؤولية بمعزل عن الحالة السياسيّة العامّة وعن مسؤوليتنا نحن كمجتمع في تحصيل وانتزاع حقوقنا، لهو نوع من السذاجة أو الكسل أو الوقوع في فخّ السياسات التي نُصِبت لنا. فنرى البعض يهاجم مُنتخبي الجمهور ومُمثلينا في الكنيست، وكأنهم في أحسن الأحوال مُتقاعسين و "بعملوش إشي" أو "فاشلين" و "بطلعش بإيدهن إشي"، أو "مشغولين بقضايا الضفّة وغزّة" ومؤخرًا برزت موضة جديدة-قديمة مفادها: "ليش بتفوتوش ع الائتلاف الحكومي".

هذا يتجاوز حدود المساءلة الصحيّة، لأنها باتت تضعهم في خانَة "الموظفين" وكأن عملهم يتم في بيئة معقمة وفي عالَم اخر غير الذي نعيش فيه، وفي ظروف مثالية لا دخل لنا فيها ولا مسؤولية تجاه تغييرها. هذا النقاش سيجلب علينا – إن لم نضع لأنفسنا قواعد إنطلاق اساسيّة وخطوطا  حمراء- فوضى عارمة وخطيرة، وشرعنة لأفكار دخيلة، ليس لدينا ترف المخاطرة بها، بالذات في ظل حكومات يمينيّة شرسة، تزداد تطرفًا وعدوانية في محاولتها تعزيز واقع عرقي منفصل، و"ترنسفرتنا" سياسيًا بمعنى نزع الشرعية عنّا وعن حقّنا السياسي والقومي، لتُبقي علينا في الهامش، نبحث عن قوتنا اليوميّ وعن منزل يؤوينا، ونحفر في الصخر لتحصيل طموحات فردية تتلخّص في نجاح علمي ومهني وراحة ماديّة ستكون لا مَحالة مشروطة، وبالتالي إشغالنا عن كل ما يجمعنا من هموم جماعية او طموحات سياسيّة ستعزز مكانتنا كأهل هذه البلاد الأصلانيين وتنهض بنا نحو شروط معيشية أفضل.

هذا التوجه الذي يرى بالنوّاب العرب وبتمثيلنا في البرلمان كخدماتي بحت، ويقيس جدواه بعدد الانجازات العينيّة يفضيان بأصحابهما في نهاية المطاف الى واحد من ثلاثة اختيارات: الاول أن "يعمل اللي عليه ويروح يصوّت" مختزلًا دوره في النضال من اجل حياته هو بجزئية الانتخاب مرّة كل أربع سنوات (او اقل)، ومعاتبة الاحزاب وممثلي الجمهور عشيّة الانتخابات ظنًا ان بأيديهم "عصا موسى" لقلب الواقع رأسًا على عقب من مجرد منصة البرلمان. الاختيار الثاني، هو الاستسلام واليأس من امكانية احداث تغيير وبالتالي النأي بالنفس عن المشاركة السياسيّة لأنها دون جدوى، او لأنه هكذا يعاقب "من لم يستطع قلب الواقع". والخيار الاخير هو التوجه لأحضان الأحزاب الصهيونية كمنفذ خلاص، أيّ الاحزاب ذاتها التي خلقت وغذّت هذا الواقع على مر السنين.

وهُنا، امام هذه الخيارات، نعي أننا وعلى ما يبدو نسينا "المفهوم ضمنًا"، نَسينا نقطة البداية، نسينا أن المشاركة في البرلمان الاسرائيلي هي بالأساس مشاركة سياسيّة، وأن المنتَخبين "الذين نرسلهم الى هناك" – عربًا ويهود تقدميين مناهضين لسياسات الاحتلال والضمّ والتهميش- هم "الحلقة الأضعف" في الواقع السياسي الذي نعيشه، وأن محدودية فاعلية الاداة البرلمانية (وليس انعدامها) مشروطة ومشتقة من هذا الواقع، وأنه لا يمكننا فصل السياسي عن الاجتماعي وعن الاقتصادي. فليس صدفةً أن تتوسّع "نتسيرت عيليت" (أو نوف هجليل!) على حساب اراضي الناصرة، وليس صدفة أن يشغَل "يائير" وظيفة مدير مستشفى بينما "محمد" تطلع روحه لكي يصبح مدير قسم. وليس صدفةً أبدًا، أن تتجوّل 400 ألف قطعة سلاح غير مرخصّة في بلداتنا، وأن ترفض الحكومات توسيع مسطحاتنا لكنها مستعدة لرصد ملايين الشواقل لحراسة جرافات الهدم.

لكننا، على ما يبدو، نسينا أيضًا أن دورنا – نحن، الجماهير- لا يمكن أن يكون بالوقوف على الحياد، او بإضعاف شرعية تمثيلنا السياسي وجدواه، بل يكمن في حماية وتعزيز مكانته المُشتقّة من مكانتنا.

لا يمكن التوقُّع من ممثلينا أن يصدّوا هدم منزل واحدًا، إذا لم نكن نحن – المليون ونصف مواطن – في ظهرهم لمواجهة جرّافات الهدم. لا يُمكن أن نتوقع منهم منع الجريمة القادمة ما دُمنا، نحن لا نتنظم ضد من يقومون بها أو يخبئون السلاح داخل بيوت بلداتنا، او "نُطبّع" مع المجرمين وجماعات الاجرام. لا يُمكننا أن نكتفي بتقديم خطّة مهنيّة هنا وهناك، ما دُمنا غير مستعدين لمدّ هذا العمل المهني بعمل ميداني وشعبي.

ولا أضع هنا المسؤولية عن أحوالنا علينا، أبدًا، وهذه هي نقطة البداية. أصابع الاتهام يجب أن توجَّه نحو من جلب على شعبنا هذه المآسي، حكومات الاحتلال والحرب والضمّ والتمييز العرقي، حكومات التهميش والإفقار. ولكن علينا نحن – فمَن غيرنا سينتصر لنا!- مسؤولية أخذ دورنا لتغيير هذه الاحوال. علينا ان نتكاتف كل من مكانِهِ لنكون سدًا منيعًا، وقوّة حاضرة، مؤثرة، قادرة على انتزاع حقوقها بيدها وبصوتها، وليس فقط بممارسة حق الانتخاب إنما بتعزيز التمثيل السياسي ومدّه بالنضال الشعبي الجماهيري.

ان الفرصّة الاقرب – زمنيًا- لمحاولة التأثير على موازين القوى السياسية والالقاء بوزننا السياسي هي الانتخابات القريبة، ولا شكّ أن هذا الوزن إن استثمرناه كلّه في المكان الصحيح، سيفضي الى التأثير على الخارطة السياسية، ولا يجب أن تثنينا عن ذلك كل السيناريوهات المتوقعة لتشكيل الحكومة القادمة، وجميعها سيئة لنا، لكننا نحن من يحدد كيف نفرض عليها التعامل معنا.

يحاول نتنياهو واليمين المتطرف ثنينا عن ممارسة حقّنا بانتخاب ممثلينا – وهو ليس حقا مدنيا بحسب، بل في سياقنا هو حق سياسي من الدرجة الاولى – وبشتّى انواع الترهيب والتخويف والاستخفاف بمقدرتنا على أن نكون أسياد مصيرنا. ولو من باب إثبات النفس، علينا ألّا نتخلّى عن هذه الاداة طالما لا تزال الادوات الاخرى محدودة ومجهولة العواقب. 

نحن في "مرحلة تجريبية" ما بعد قانون القومية، وليس لدينا الترف ولا الادوات الكافية لفرض وجودنا دون التئام جميع الساحات النضالية المتاحة أمامنا، في الحارة والبلد والشارع الرئيسي والمدينة والبرلمان والمحافل الدولية. كما أنه لا يمكننا تبنّي النموذج "الخدماتي المعيشي" المنفصل عن الحق السياسي والجماعي، فإجهاض الأخير ينزع عنّا امكانيات المطالبة بالحقوق الاخرى مهما كانت أساسية واوليّة.

نحنُ، الجماهير العربية الفلسطينيّة في اسرائيل، لم نبقَ هُنا بالـ"شنص"، ولم نختبئ خلف حمار سعيد أبو النحس المتشائل، ولم ننجُ بأعجوبة، بل قاومنا وصمدنا أمام أشرس انواع محاولات سلخنا عن شعبنا وعن هويتنا وعن همومنا الجماعية، ولم نرضَ أن "نضُب لساننا في حلقنا"، ولا أن نتخاذل أمام سياسات الاحتلال ضد ابناء شعبنا الفلسطيني، ولم نصبح "عرب الشمينيت"، ولكلّ هذا ثمن، ثمن ندفعه جميعًا اليوم في ظروف معيشتنا، كما دفعه من سبقنا في ما هو أكثر من ذلك. هذا الثمن، وإن كان لا بد منه، ليس "تدابير القدر"، ونحن، فقط نحن، قادرون أن نسخّره في سبيل تحررنا من كل اشكال الظلم والغبن.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب