يشدّنا محمد نفّاع، في كلّ عمَل إبداعيّ جديد يُقدّمه لنا، بالنّقْلة النّوعيّة المختلفة عمّا سبقَها، ولكنّه في الوقت ذاته يتركنا في عالمه الذي عرَفناه وأحببناه، عالم يجمع المرأة والطبيعة والنّاس العاديّين في حالات التقاء وتَداخل وامتزاج وتوحّد، ولكنّه يعرف كيف يترك لكلّ منهم خصوصيّاته وامتيازاته واستقلاله.
عرفنا محمد نفاع كاتب القصّة القصيرة المتميّزة التي تُضاهي قصصَ الكاتب يوسف إدريس بفنّيتها وجماليّتها وشدّها للقارئ من خلال اللغة المتداخلة فيها العاميّة بالفصحى.
وأرى أنّ قصص مجموعة "التّفاحة النّهريّة" الصادرة عام 2011 كانت الأخيرة التي أنهى بها محمد نفاع مرحلةَ إبداع طويلة ورائعة، رسّخت مكانتَه على ساحة الإبداع إلى جانب كبار كُتّاب القصة، ليس في العالم العربي فقط، وإنّما في العالم أجمع.
وكانت قصّة "المخبر ن" (ص170-221)المبشّرة بهذه النّقلة، وبخروجه أو ابتعاده عن مرحلة إبداعيّة مباركة في كتابة القصة القصيرة، حيث فاجأنا برواية "فاطمة" الصادرة عام 2015، وأثبت فيها تمكّنَه من الفنّ الرّوائي وقدرته على خَلق الشخصية النّموذج المتعدّدة الصفات والميّزات، وجعلها مركز الكَوْن، كلّ شيء يدور حولها، وكلّ المخلوقات تَعْلَق في مَدارها، لا تستطيع الفكاك منها فتتحوّل إلى وَليّة مقدّسة لها مكانتُها وهيبتُها.
هكذا نقلت رواية "فاطمة" محمد نفّاع، من حيث يدري أو لا يدري، إلى أسلوب سرديّ جديد، وإنْ بدا قديما ومُتكرّرا في السّرد القصصي لديه.
هذا الانتقال برز في كتابته لسيرته الذاتيّة التي صدر الجزء الأول منها ملازما لصدور مجموعة قصص "غبار الثلج" هذا العام 2019، ويتابع في نشر حلقات الجزء الثاني في ملحق جريدة "الاتحاد" الأسبوعي.
وكما كانت قصة "المخبر ن" في مجموعة "التفاحة النهريّة"(2011) المبشّرة بهذه النّقلة كانت قصّة "غبار الثلج" ومثلها قصة "مَدار السرطان" في مجموعة "غبار الثلج"(2019) المؤكّدة على هذه النّقلة الكبيرة والواعية في كتابة محمد نفّاع للقصّة القصيرة.
فالقصة القصيرة بكل تعريفاتها ومميّزاتها وأشكالها التي اتّفق أو اختلف النقّاد على تعريفها لا تمتّ بصلة، قريبة أو بعيدة، لهذه القصص الثلاث، وإنّما هي أقرب لما عرَفناه بالقصّة القصيرة الطويلة.
وإذا كان محمد نفاع في باقي قصص مجموعة "التّفاحة النّهرية" عاد ليكتب القصة القصيرة التي نحبّها وتعوّدناها منه، فإنّه في باقي قصص مجموعة "غبار الثلج" راوح بين النّهجين، التزم في بعضها بقيود ونَهج القصة القصيرة، ولكنّه يتفلّت خلال العرض والتّوزيع، ويُعطي لنفسه الحرية في مَطّ الحَدَث، والإكْثار من الكلام الاستعراضي حوله، غير عابئ بما تؤول إليه، وأين تكون نهاية الحديث.
هذه النّقلة تقول لنا الكثير، فمحمد نفّاع بعد هذا الكَمّ الكبير من القصص القصيرة التي كتبها والمجموعات التي قرأناها له، شعر أنّه لم يستطع أنْ يقول كلّ ما يريد، فقيودُ القصة القصيرة تُكبّله وتُحدّدُ له الخطوط الحمراء التي لا تَجاوزَ لها مهما رغبَ وحاول، ولمس تلك الحريّة غير المحدودة التي وفّرتها له كتابة القصة القصيرة الطويلة في قصة "المخبر ن" ليبث ويبوحَ بكلّ ما يريد. وعاد ليكتشف سحر الحريّة اللامحدودة في كتابته لرواية "فاطمة". وأدرك أنّ العمر كاد يضيع هباء، ولم يقُل ويبُح بكلّ ما يريد.
ويسأل نفسَه وهو يكتب سيرته الذّاتيّة: "ولماذا لا أنشغلُ ببعض الذكريات قبل أن أدرجَ إلى مرحلة جديدة في الحياة، رغم كلّ الصّعاب المتوقّعة"(الاتّحاد 5.7.2019).
وأوّلُ هذه الصّعاب خوفُه من رَدّة فعل صاحبة الشأن، الفتاة التي يَحكي قصّتَه معها، وثانيها ماذا تقول زوجتُه، وكيف سيُعَلّق الأولادُ والأحفاد وكلّ مَن يقرأ هذا الكلام؟
يعرف أنّ ردّة الفعل ستكون قاسية وموجعة، سيسخرون منه بقولهم: "بتْشَبّع!! شايب وعايب، بعد الكَبْرة جِبّه حمرا، كلّه كذب في كذب، بطَعْمي حاله جوز فارغ" ويلومونه لأنّه يخالف كلام الرّب الذي نادى في السترة. (جبال الريح، الحلقة السادسة، ملحق الاتحاد الجمعة 5.7.2019).
ويروح يستحضر الماضي البعيد في قصة "غبار الثلج" في مجموعة قصصه الأخيرة "ها نحن نمشي على نفس الطريق، بعد خمسين سنة من ذلك اليوم، كم من أحوال تغيّرت، وأحداث جرت، بعضها صاخب ضاجّ مقنطر مْزوبع، وبعضها هادئ واثق رَزين". ويتساءل بألم مخنوق"ونحن هل تغيّرنا؟!! وهل حتّت الأيام وحكّت في المكان، وظلّ هو هو؟"(غبار الثلج ص9).
هذا العمر الهارب، والسّنون الرّاكضة، والحياة الصّاخبة بأحداثها المتغيّرة، تدفع بمحمد نفّاع ليبوحَ ويحكي ويتوسّع في حكاياته وذكرياته. ولا يُمكن للقصّة القصيرة أن تستوعب كلّ ذلك، فتجاوَزَ حدودَها، وكسّر مَفاهيمَها، وتَعدّاها للقصّة القصيرة الطّويلة في قصص "المخبر ن" و "غبار الثلج" و "مَدار السرطان"، وتركها ليتحرّر من كلّ قيد في كتابته لسيرته الذّاتية التي يَسرحُ ويمرَحُ فيها على هَواه، بعيدا عن المساءلة وعن لومة أيّ لائم.
والسؤال الذي أخافُ طرحَه ، وأجدني مُلزما في طرْحه:
-هل يُهيئ محمد نفّاع نفسَه لاعتزال كتابة القصة القصيرة والانتقال كليّا لكتابة النصّ السّردي الحكائي غير المتقيّد بأيّ نوع أدبيّ معروف. وبذلك يُحرّر نفسه من كلّ القيود، ويأتينا بنوع أدبيّ جديد، عرفَه أدبُنا العربي في عصوره القديمة، ولكنّ محمد نفّاع يُلقي عليه رَوْنقا جديدا ونكهة متميّزة تُحبّبنا به، ونستكين إليه؟!!
سيطرة أجواء المفرَدَة العاميّة على كلّ الكلام
اتّفق كل مَن تناول قصص محمد نفاع بالنّقد والتّحليل أنّ لغته العاميّة التي ينقلها على لسان شخصيّات قصصه لها نكهتُها الخاصة، وتميّزها، وتكاد تتفرّد عن كلّ لهجة أخرى عرفتها مجتمعاتُنا الفلسطينية.
لكنّ الأهمّ في عاميّة قصص محمد نفّاع أنّها طغت وسيطرت على أجواء قصصه بكل شخصيّاتها، حتى يكاد البعضُ أنْ يعتقد أنّ لغة قصص نفّاع هي العاميّة فقط، ويقرأ الحوار والسّرد وهو مأخوذ بجوّ عاميّة المفردة والحوار. وهذه الميّزة تتفرّد بها قصص محمد نفاع، بينما ننتبه بسرعة لهذه النّقلة بين لغة الحوار العاميّة ولغة السّرد الفصحى عند غيره من كُتّاب القصّة.
"في قصص هذه المجموعة تبدو الطبيعة بكلّ سحرها وجمالها، تخلعُ ثوبَ جمودها لتتجسّدَ بكلّ انسانيّتها وعواطفها الجيّاشة المتجانسة مع الانسان والرّاعية له. فالشمس الهائجة ترشقُ لظاها وشظاياها بلا رحمة، في منتهى القسوة، وأوراق الوعر تتهدّل صاغرة مقهورة بخذلان مبين."
وكثيرا ما كان محمد نفّاع يأخذنا معه في سَرده باللغة الفصيحة الرّاقية، وفجأة يرمي بمفردة عاميّة تقلب موازين النّص، وتصبغه بعاميّة جميلة ساحرة أخّاذة تطغى على كل المشهد."ها نحن نمشي على نفس الطريق، بعد خمسين سنة من ذلك اليوم. كم من أحوال تغيّرت، وأحداث جرَت، بعضُها صاخب ضاجٌّ مْقَنْطر مْزوبع، وبعضها هادئ واثق رزين. ونحن هل تغيّرنا ؟!! وهل حتّت الأيام وحكّت في المكان؟"(ص9) فقوله "مْقَنْطر مْزوبِع وحتّت وحكّت" أخرجت القارئ المستكين للغة الجميلة الفصيحة من جَوه المتعالي ليغوصَ في أجواء العاميّة الشعبيّة، ويعود للواقع الذي كاد يُحَلّق خارجه. "كنّا عائدين من الوَعر البعيد، والجبال ملزوزة إلى بعضها بمودّة والتلال تتعمشق في طريق الصّعود"(ص11)، وها هو الرّضيع يردّ الجميل، يتعربش على البطن والصدر ويُخربش على الثدي المترع بأصابعه الطريّة كالخزامى والزّقوقيا وورقات النرجس"(ص13)، "عاصفة مْزوبعة تعمي الطيور"(ص18)، و"إذا التقت نظراتنا تُشوّحين بضيق"(ص21ُ) و "وجهك يُحمرقُ بشكل رهيب مثل البرقوقة، لا أثر فيه للبرد، ولا في شفتيك. تتفلّتان كعصفور يفرفر مقبوضا عليه بوداد"(ص23)و "جبهتك عالية كما كانت، اليوم تزرزر عليها حبّات العَرَق، وتعمل لها دروبا ومَسارب إلى الخدّ، والخد مثل رباع ينفلش عليه العمشق، ما أن تداعبَه وتُحَسْمسُ عليه حتى ينعَف عليك عبَقَه المحميّ المصون لوقت الحاجة"(ص27)، و "تزغرد من قَراقيح قلبها وتطير"(ص27)و وأصابعك تُلاوص لتهرب وتَفلّ"(ص42) و "أمّها شَلبيّة، لبسها حرير مْنَقّش، بيتهم خَربوشه الله يهوّنها يأكلون في زلف خشب، لبسهم مْشرْتَح"(ص68)و"ملابسي مُمزّعة مهشّمة مْفَرْفَطة"(ص77) "عيونها مْبَحلقة، شَلاطيفها كبار، صوتها غليظ"(ص81)، و "تهتز لها الأوراق، تُزكزكها على مرق بطنها فتُشقرق من الضحك"(ص90)، "يكون عصفور تْحَرْكش بواحدة في العتمة"(ص95) ، و"مياه العين باردة مْرَصرْصَه"(ص107)، و"بَدَنْها ناعم مترجرج كريش الوروار. على صدرها تتنهّض وتتجبّد جباب الريحان، شفافها ترقص رقصة الشّعراويّة وشبابة الراعي السّارح في البراري"(ص110)
هذه الكلمات العامية، رغم قلّة عددها، إلّا أنّها تعمل عملَ السّحر فتقلب كلّ الجوّ العام إلى جوّ الناس العاديين البسطاء بلغتهم العاديّة ولهجتهم المحلية السائدة، فتدبّ الحياة في المشهد، وتهتز الأجساد، وتستعيد صورتَها الإنسانيّة، وتنبني الأماكن، ويتوارى الزّمن لينمحي وكأنّنا نعيش في حاضرنا الذي تفصلنا عنه عشراتُ السنين فيختلط الحاضرُ بالماضي، وننسى للحظات أنّنا فقَدنا علاقتَنا بالوجود، وإذ نعودُ لحاضرنا نتفقّدُ الأعزّاء الذين كنّا قبل لحظات معهم، ونبكي بؤسَ واقعنا، ويشدّنا الحنينُ المتدفّق لأيّام زمان الجميلة. فصورة الفتاة القَبيحة المثيرة للسّخريّة والنّفور "عيونها مبحلْقة ، شلاطيفها كْبار، صوتها غليظ" تعجز أيّ مفردة فصيحة عن رسم نفْس الصّورة للفتاة.وهذا صحيح في وصفه لمحاولة العصفور التّقرّب من عصفورته بكلمة "تحركش"، وفي وصفه الجميل المثير لجمال وجاذبية الفتاة المثيرة "بَدَنْها ناعم مترجرج كريش الوروار. على صدرها تتنهّض وتتجبّد جباب الريحان، شفافها ترقص رقصة الشعراويّة وشبابة الرّاعي السّارح في البراري".
وكما الكلمات المفردَة، هكذا تعمل الحواراتُ الجميلة العاديّة التي يتكلّمها الناس والمقطوعات الشعريّة الشعبيّة التي يُردّدونها بطبيعيّة آسرة، وتُساعد في إضفاء جوّ اللغة العاميّة. "عالتّشي التّشي التشّي يالله قومي تَ نمشي"(ص12) و "بردانة؟ لأ مش بَردانه. مْبلى بردانه. خذي السترة ضعيها على كتافك!! لأ بديش يخلف عليك. مبلى. قلنا لأ. لكني شلحتها وفات الأوان. إلقحيها على كتافك أحسن. لأ تريّح على تعَبَك"(ص17-18) و "هاتي إيدك أدفّيها! لازم. من الواجب والضروري أنْ أدفّئ يديك فأنت مْقَرفْشه ولأسباب أخرى. خلّ عنّك! ليش يعني لازم؟ّ كيف لازم."(ص20) و "فلّت إيدي، قلنا مش بَرْدانه وحياة الله. إيدك ما أطراها ! بلا كذب، خشنات مش طرايا. لأ طرايا وناعمات ومثلجات، بدّي ألاعبهن قْريمشه يا مْنيمشه.. خبّي إيدك يا عروس يا إمّ الذهب والدّبوس فرّ يا حمام. وأيّ ذهب!! والثلج أشلب من الذهب. كيف تْلاعبهن مش على قَدْ خاطرك!! هيك بَحِبْهن. فش أحلا منهن. لأ لأ لأ إرْخي إيدي.. لحَدْ هون وبسّ"(ص21-22) ومرحبتين، وينن هالدّبيكه وين"(ص42)، "يا بو الشّوارب يا بو الشوارب، يللي مْفَتّلْهُن زيّ العَقارب"(ص76)، و "راحت عالحَقلة تْلقّط شمايل، حَرَقْلا قلبا بو عقال المايل"(ص79).ومثلها كثير.
فمشاهد الحوار هذه بلغتها العاميّة الجارية على لسان الناس العاديين بعَفويّة ونقاوة وانسياب، تنقل لنا الواقع القروي النّقيّ الجميل المحبّ الذي عرفته قرانا، وعاشه آباؤنا وأجدادنا، ونتحسّر عليه هذه الأيام.
الجمل الإسميّة والاستطراد في الكلام
الجملة الإسمية هي المفضّلة عند محمد نفّاع، وقد تكون الشّحنات الدّافقة في الكلمات، والتّمركز في تحديد الأهم هو وراء ذلك على عكس ما تتركه الجملة الفعلية من إمكانيات للتغيير والتبدّل وكلّ الاحتمالات. "ها نحن نمشي على نفس الطريق. والمتنورون يُعيدون الأمر إلى البشر. أنا أعرف أنك ستقولين. يومها كنّا عائدين.والأمّ تغفّ عليه وتضغطه. أنت يا جبالنا العالية. ورقات الثلج تحطّ بوداد وارتياح.صوتك مرتعش مترجرج من البرد. على وجهك حبّات عرق.النّسر غائب.بيوت البلد تزحفوتكاد تعانق الوعر.وجهك فيه حومات النرجس. (قصّة غبار الثلج). البلاط في باب العمودمْبَقّع بالوحل.في باب العمود ينصبّ سيل هائل من الناس.هناك ثلاثة مقابل باب العمود.الجنود يرشقون سائحة تضع على رأسها حطة وعقالا.أنا محبّ للاستطلاع.المرشد السياحي يشرح.شيخ وقور يسير متأنّيا.السور العابس العتيق معتاد أكثر على تقلّبات الطقس.لها قامات ممشوقة.حضورك هنا فيه ابتذال.جبال كثيرة تطل على الشرفة.الدمع يرشل من عيون الصفدية.الحجارة العتيقة تخزن نار الفرن بنهم.(قصّة مَدار السرطان)وهكذا في بقية القصص.
وتميّزت قصص محمد نفاع بأغلبيتها بخاصيّة الاستطراد، والخروج لشرح معنى كلمة ودلالاتها ومترادفاتها."صح بدنه، العوافي، قوّاك. عمتم صباحا. السلام عليكم".(ص41) أو ليتذكر قصّة سمعها أو قرأها، "الملك داود أبدع والحقّ يُقال عندما قال: بطنها كمرجة من الحنطة النّاضجة"(ص56). أو يستحضر بيت شعر أو مقطوعات من الشعر العاميّ، أو مَثلا يزيّن به النّص . وفي كثير من القصص يُخرج القارئَ من أجواء القصة ليُدخله في أجواء بعيدة ومختلفة، ثم يعود به لمسار القصة الأوّل ليعود ويخرج به ثانية وثالثة ممّا يسمح به أسلوب السّرد الحكائي مثل الحديث عن النسور والأرانب(ص14) وعن الأحذية والجلد والنعل (ص31-32) وغيرها كثير.
أنْسَنَة الطبيعة وكلّ ما فيها
كما في كلّ قصص محمد نفاع السابقة هكذا في قصص هذه المجموعة "غبار الثلج" تبدو الطبيعة بكلّ سحرها وجمالها، تخلعُ ثوبَ جمودها لتتجسّدَ بكلّ انسانيّتها وعواطفها الجيّاشة المتجانسة مع الانسان والرّاعية له. فالشمس الهائجة ترشقُ لظاها وشظاياها بلا رحمة، في منتهى القسوة، وأوراق الوعر تتهدّل صاغرة مقهورة بخذلان مبين."(ص9)
ويُبدع في وصف تَعرّجات الطريق الوَعري بين الجبال التي يُصوّرها كامرأة في حالة عشق واندماج وتَداخل مع حبيبها الذي يحضنُها، ويتّحدُ بها ويحيط بكل جسدها فيتغلغل في بطنها وخاصرتها وجبهتها وأقدامها "الطريق الوعري المتغلغل في بطون الجبال، على خاصرتها وجبهتها وأقدامها تسير درّاجات وسيّارات وجرّارات يقودها أفراخُ شباب باندفاع.
ويُؤنْسن الشّجر "الغبار على الشجر الكالح الكابي كدَرب التبّانات، في تشحيط مهلهل، كثيف وخفيف، وتباعد وتقارب، يلوى مع الدرب، يصعد ويهبط بلا أيّ جهد، مُساق بعناد."(ص10). ومثلها الجبال والتلال "الجبال ملزوزة إلى بعضها بمودّة، ترغب في التّقارب، والتلال هي الأخرى تتعمشق في طريق الصّعود، والوَعْر مُطرّز مُثقل بالثلوج. وورق الثلج يتهادى ويتمايل بغنج ودلال"(ص12).
وبروعة أخّاذة يصف دفعات الدخان التي تنفثها المواقد من البيوت "يتعربش ويتشهل بكسل مغناج وتثاقل كصبيّة تفيق من النوم في صباح ربيعيّ تخفق الغلالة الناعمة على جسدها الناهض للتّو، أو تترندح وتتغندر مع النّسمات كأمّ رؤوم تُهدهد الرّضيع"(ص12). "شجرة هدّل الثلجُ أغصانَها فبدت كامرأة خجولة بيضاء والسنديانة مثل الصبيّة المستحية"(ص19) "والشجرة كبرت واستطالت هي الأخرى، وقبل أن تشيخ ها هي تولد وترعى الكثير من الذريّة"(ص25). "والجبال باقية كما كانت يومها ، تلعب فيها الريح، وتلثمها، ومَن قال إنّ هذه الريح ترغب في هزّ الجبال؟! هي والجبل والوعر ونحن والطريق في وئام، يتعربش واحدُنا بالآخر ونبقى، وهذه الرياح هي الأخرى رياحنا حبلى بأنفاسنا، تحمل في صدرها أغنيات الفرح وأناشيد الغضب ومْحورَبة النّخوة"(ص25).وصورة ملامسة النّسمات لورَق الشجر "الليل هادئ هنا، نسمات تُصَفّر صفيرا خافتا، تهتز لها الأوراق، تُزكزكها على مرَق بطنها فتُشقرق من الضحك"(ص90)، "الغيم معلّق ومتعرْبش بإتقان على الجبال، كأطفال على صدر الأم"(ص88). "هذه الشجرة بأغصانها الممشوقة النّحيفة القويّة كالصّبايا الجبليّات يحتضنها السنديان ولا يخنقها، يحميها في قلبه كما يحمي أجْباب الريحان" (ص134)، "الربيع في عزّ شبابه وصَبوته، الكلّ يعرض ما عنده من ألوان في جيرة حَسنة وعبير ناعس. وكأنّ الزّهور تَتعازَم وتُكرّب العزيمة: تفضّلوا ميّلوا عليكو جيرة."(134-135).
وتظلّ المرأة الأثيرة
المرأة معبودة محمد، وأوّل أقانيمة الثلاثة، والآخذة به إلى حيث أخذت حوّاء آدام، تظلّ ساكبة السّحر ومُفجّرة الحياة ومُؤنْسنة الطبيعة وباعثة الوجود."وجهكِ يحمرق بشكل رهيب مثل البرقوقة، لا أثَر فيه للبرد، ولا في شفتيكِ، تتفلّتان كعصفور يُفرفرمقبوضا عليه بوداد: وأنتِ عروس مزيّنة بغلالة حريرتهفّ وتخفق مع أنفاسِك. في أنفاسِك نكهة السفرجل النّاضج والشبرق والعمشق والثلج المقرقش في ثغرك"(23)، "ووجهك فيه حومات النّرجس وأريجه، وشذى القمح المزهر، جبهتك عالية كما كانت، وشفتي تحوم على الجبين الجبلي، والخدّ مثل رباع ينفلش عليه العمشق، ما أن تداعبه وتحسمس عليه حتى ينعف عليك عبقه المحمي المصون ، شفتك الفوقانيّة كفّة مضيقونة واسعة رحبةفوّاحة بنعف الأقحوان، ينطرُها أنف شامخ يقف وقفة الاستعداد."(ص27)، وتُطلقين ضحكة خجولة مثل تمتمة الشحرورة، وتُغطّين وجهك بحياء ودهشة"، "أنفك الأشمّ يحوم ويدور مثل المخَضّر النّشيط"(ص28)، ظلّ وجهها مضرّجا كنفلة الزّابود وخلّة القاضي والطبراني"(ص74)، "غفت بقوّة، شعرها منعوف، يخفق على أنغام أنفاسها المرتاحة، والنّسمات المتسللة بلا تصريح. جميلة وهي نائمة، وهي غافية، خصلة من شعرها راحت في قبلة طويلة مع صفحة الخدّ والجبين، رموشها تحرس عينيها بمنتهى الحذر، في شفتيها سُمرة خفيفة كاللمام. نتف من الغمام الشّارد يمرّ فوق وجهها اليانع الطريّ. أعجبه الجبين الأبيض الطّريّ، والخدود الغافية في نوم الهنا، والثّغر الذي خرجت منه كلمات كبيرة، فيها نعومة وشراسة، شفتها العليا عريضة، بهيّة" (ص92)، "في أنفاسها نكهة جَرْية الحمامة وعصاية الراعي والشبرق والغوردةوالبرقوق، بدَنُها ناعم مُترجرج كريش الوروار والصّفر والكركس والشحرورة، على صدرها تتنهّض وتتجبّد جْباب الرّيحان، شفافها ترقص رقصة الشّعراويّة وشبّابة الراعي"(ص110).
محمد نفّاع الكاتب الملتزم جانب الناس
تعلّقُ القارئ بقصص محمد نفّاع وحبّه وتفضيلُه لها يعود إلى التزام محمد نفاع بحقّ العامل والفلاح غير المنقوص ومُعاداته للغنيّ والحاكم الظالم المتغطرس انطلاقا من انتمائه الطبقي لأسرة فقيرة تعتاش على عملها في الأرض، ومن اعتناقه للفكر الشيوعي.فبطل قصة "ابنة معلّمي" كان يتضايق من وصف معلّمه له بالقطروزويقول : غضبي وغضب الربّ على كلّ مَن يقول عنّي قطروز"(ص75)وما يثير غضبَه "أنّ في كلمة قطروز الكثير من التّحقير والإهانة" فهو يقبَل أنْ يوصف بالأجير ويعترف بفقره "أنا أجير أشتغل عند معلمي من زمان، واليوم أنا فرخ شاب، يظل وجهي مشطوفا منحرفا مُبهدلا حتى أحلق ذقني مرّة في الشهر القمري.وأخفي شفرة الحلاقة المبقّعة بالصّدأ وبروة الصابون في سنسلة الحوش. ملابسي ممزّعة مهشمة مفرفطة، السترة والحطّة والثوب"(ص75/77). كما كان يثيرُه ظلمُ معلّمه له "كان يلقح عليّ كلاما يرمي اللقمة من الفمّ، أمرّ من الصبر والعلقم وفقوس الحمار مثل: مْقَطّع مْوَصّل، بلا أصل، لقيعة، صعران، نوري أندَبوري، ضربة كفّ على الوجه وشطرب على الظهر وبصقة"(ص81).
ووقف موقفا حازما وساخرا من رجال الدين وسلوكيّاتهم المرفوضة مثل الفتوى بجواز جماع الميّتة، واتفقوا أنّه لغاية ستّ ساعات من الموت المؤكّد يجوز الجماع.(ص54/55) وقول رجال الدين أنه لا يُمكن لأيّة طبيبة أو ممرّضة أو عاملة يعملون في المستشفى دخول الجنّة لأنهنّ يكشفن على الرجال المرضى، فكلّهن عورة، يضحكن ويتحدثن ويبكين ويُجبن على مختلف الأسئلة والاستفسارات وبعدّة لغات، يُعالجن ويُقدمن الدّواء والطعام، ومصيرهنّ جهنم ، سيقانهن عارية، بعضها بيضاء جدا. يلبسن البياض وشعر أسود وخروبي ينسدل تحت غطاء رأس أبيض نظيف"(ص55/56) وقوله" حيّرني الشيخ في عودته على اللازمة، عن الطريق إلى الجنة، محذّرا بشدّة من المتعلّمات كاشفات الصدور والنحور، ممشوقات القدود ومبرزات العَوْرات والنّهود"(ص97).
ويسأل "وهل رجال الدين عندكم يحرّمون على النساء العلم والعمل والمقاومة!! وهل لديكم فتاوى تحلل إقامة جدار الفصل منافسا لجدار الفصل العنصري!".(ص122). وانتقد الاتكاليّة العمياء وكأنّ كلّ شيء مقدّر ومحسوم ، فقد غضب عندما سمع النّشيد الجماعي المنطلق من المسَجّل في باب العمود في القدس "نمشي على ما يْقدّر الله/ والكاتْبُه ربّك يصير" حتى أنّه رغب في سؤال صاحب المسجل: هل كتب الله وجودَ الشمعدان في باب العمود!!"(ص34).
وسخر من مواقف الحكّام العرب "وأنت مالك وبلاد الشام ولبنان وإيران!! أترك الأمر لطويلي العمر من أولي الأمر. ما شأنك فيما يحدث هناك!! يرمون الجندي من الطوابق العليا. ويشختونه من عنقه في عيد الضحى والفطر وأيام العمرة. وطويلو العمر والمقاومة من دار عثمان تستجوب الصبايا، تُعذبهن، تُعرّيهن، تُحضرهنّ للاغتصاب ويُرمى الجسد المغتصَب في المجاري والسلام عليكم."(ص51) وبسخرية حارقة يقول: "طالبوا بتوسيع مسطّح الجنة والخرائط الهيكليّة ومناطق النفوذ، والأمر لا يحتمل التأجيل، المنعمون علينا بالشهادة والسّعادة ممعنون في إسداء هذا المعروف"(ص52)
أرى أنّ قصص مجموعة "التّفاحة النّهريّة" الصادرة عام 2011 كانت الأخيرة التي أنهى بها محمد نفاع مرحلةَ إبداع طويلة ورائعة، رسّخت مكانتَه على ساحة الإبداع إلى جانب كبار كُتّاب القصة، ليس في العالم العربي فقط، وإنّما في العالم أجمع.
وينتقد شعور العربي بالنّقص أمام الأجنبي "الأمر مطروح للاستفتاء بمشاركة مراقبين دوليين تحت مظلّة الأمم المتحدة. في كل عالمنا نحن، يوجد مراقبون دوليون، العالم لا يُصدّقنا، نحن مهزوزون مترنحون فندلق في وجهه هذا الطلب، نصدّقهم تماما، ونتّكل عليهم، يجب أنْ نبيّض وجهنا عندهم، رضاهم من رضا الله."(ص95).
ويهزأ من التّهديدات العربية مثل تلك الشعارات والتّهديدات التي قيلت في حرب حزيران 1967 "هل وجدتم العدو أمامكم ولم تطلقوا النار لأنه ما كو أوامر!! هل قلتم سنرميهم في البحر ولم تفعلوا!! وهل خاطبتم السمك وقلتم: ابشر يا سمك البحر فستنال وجبة دسمة"(ص123)
ويسخر أكثر من سلوكيّات العربي وتأخّره عن ركب الحضارة الانسانية " هل عندكم قَتْل على شرف العائلة وهل تقومون بختان الفتاة وطهورها حتى تنخفض درجة حرارتها كما في اليمن السّعيد!!"ومن خضوع العرب لإملاءات الأمريكان "هل تشترون وتكدّسون طائرات فاسدة عتيقة بمليارات الدولارات سنويّا بضغط خفيف من الأمريكان!! هل لديكم مجرمو حرب. وهل توصلتم إلى اختراع طحن الماء!! وهل تركتم شؤونكم وانخرطتم في مكافحة الارهاب بناء على أوامرهم!! وهل استقبلتم الأمريكان بالورود!!وهل عندكم قرى غير مُعترَف بها !! هل هنالك الكثير من هدم البيوت؟ هل شاركتم في غزو العراق وأفغانستان. هل تُطلقون الرّصاص على المتظاهرين المتضامنين معنا!!"(ص123-125)
ويُوجّه سهامَه للمحتل الإسرائيلي وتعامله مع الأهل في الأراضي المحتلة "نظرات الجنود والمجموعة السوداء ليست وديّة، بل هي تشبه مشتقات البترول، الجنود يُنصتون ويتطلّعون إلى طقطقة آلات التصوير الخافتة بيقظة، الجنود يرشقون سائحة رأت من المناسب أنْ تضع على رأسها حطّة وعقالا. الجنود ومجموعة السّود ينظرون بارتياح إلى الشمعدانات وحامليها. الذبح يتم بإتقان ليظل الجلد سالما وكذلك العظام واللحم الطري. أطفال باب العمود وبقيّة الأطفال والأبواب كل مكان في أبدانهم ملائم للقتل. (ص35-36). كانت فدوى على كتف أمّها، وهي ابنة تسعة أشهر، تمرّ في الشارع، فدوى على كتف أمّها والرّصاص المطّاطيّ يحاول أنْ يكون سيّد المكان وفي غزّة بالذّات. صوّب الجندي تجاه الطفلة والأم. ورصاصة المطّاط أصابت العَين. تخوّف الجندي إلى حدّ ما . لماذا خاف!! قد يكون بالغ في الخوف. وعليه أن يخفي الجريمة قدر الإمْكان. مدّ الجنديّ أصابع يده اليمنى وأخرج الرّصاصة المطاطيّة مع العين، كل العين"(ص43-44).
ويسخر من مقولة "طهارة السّلاح" التي تتبجّح بها حكومات إسرائيل "فهنا طهارة السّلاح. ومن الأمنيات الجسام أن يُقتَل أهل باب العمود بسلاح طاهر مطهّر غير ملوّث كمياه غزّة. المهم أن يكون السلاح طاهرا. على الجندي أن يخفي الجريمة قَدْر الإمكان من أجل الحفاظ على طهارة السلاح، الذي ظلّ طاهرا في قانا وجنين ونابلس والشّام والأغوار وأرض الكنانة وتونس الخضراء وشاتيلا ونحالين وقبيّه والرّفيد!!" (ص43-44). ويسخر من كلمة السّلام المبتذلة التي تتغنّى بها إسرائيل "السلام عليكم هي القول الدّارج، قد يكون ذلك بسبب السلام الذي يضرب أطنابه ويحطّ في باب العمود ومدينة السّلام وقندهار وشبه جزيرة العرب وشمال أفريقيا وبلاد الأرز!!(ص41)، وبلادي أكثر بقعة في العالم تتردّد فيها كلمة السلام، في المفاوضات والخطابات والأبراج والشّوارع والجادات والأسماء. والسلام يرتع في بلادنا أكثر من بلاد السويد. وأكثر من سويسرا !! ويسخر من نشيدهم المتغَنّي بالسّلام، "هفينو شالوم عليخم" جلبنا لكم السلام (ص44)
أخيرا
هذه هي قصص محمد نفّاع التي تُبشّر ببداية تحوّل في أسلوب القصص عنده، وتدفع بنا لننتبه للسّرد الحكائي الذي يبدو ظاهرا وكاسحا في أعماله الأخير. لكن ثقتنا بالكاتب محمد نفّاع أنّه يُبدع في كل أسلوب يختار وفي كل فن أدبي يكتب.
(الرامة)
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

