فريد الأطرش/ نِصْفُ قَرن/غياب وحضور | نمر نمر

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 رغم الحروب والمآسي المٌبيّتة والمُفتعلة في هذا المشرق الصّابر المُكابد، ورغم آلاف الضّحايا الأبرياء والخراب والدّمار، ونحن نتألم لكل نقطة دم زكيّة هُرِقَتْ، نطرق باباً آخر، لعلّه يُنَفِّس عن بعض الألم والأسى.

وْمَرِّتْ الأيّام، هكذا شَدَت كوكب الشّرق أمّ كلثوم، وعاكسها المُعجب بفنّها الكاتب العبري البغدادي: إلياس/إيلي عمير في روايته الجديدة، فعنونها، مع سبق الإصرار/ (ولم تَمُرّ الأيّام)، وهو يقصد أنّ مرور سبعين سنة على هجرته القسريّة من هناك، لم تُنْسِهِ: بغداد يا قلعة الأسود / يا كعبة المجد والخلود، وهذه حكايتنا مع الموسيقار الغائب الحاضر: فريد الأطرش.

 هذا الموسيقار المعطاء \1917 -1974 وشقيقته أسمهان:1912 -1944 جادا وأجادا بفنّهما وعطائهما الّزاخر وصوتيهما الفريدَين والمُميّزَين.

 مِن ألمع مَن كتب عنهما معاً: السّيّد ربيع محمد خليفة في كتابه: فريد الأطرش وٍأسمهان، حياتهما وأغانيهما، الصّادر عن دار: المؤسّسة العربيّة للكتاب 2002، دون الإشارة للمكان.

 أداء الفنّان فريد مُميّز، منوّع، زاخر بالعمق الفنّي، إلى جانب التّحليق عالياً على مستوى الفنون الرّاقية عالميّاً، ومن أكثر ما يعنينا في هذا المجال وهذه الظروف العصيبة المؤلمة التي نجتازها معاً بمرارة وألم، هو أغانيه الوطنيّة الملتزمة  للتحرّر والانعتاق من نيرَي الاستعمار البغيض والانجرار خلف الرّجعيّة والتّخلّف، غريب يا زمان الغدر والعمالة!

حكاية (غرامنا) وحُبنا وتقديرنا لن تتوقف عند فريد الوحيد، بل تتعدّى ذلك لتمتد إلى زملائه طيّبي الذِّكْر، وممّن ما زالوا عالبال:

-محمد عبد الوهّاب:1910 -1991

-أمّ كلثوم: 1908 -1975

-عبد الحليم حافظ:1929 -1976

-صباح (جانيت فغالي): 1927 -2014

-فهد بلّان: 1933 -1997

-ليلى مراد/ المصريّة: 1918 -1995

-وديع الصّافي: 1921 -2013

-سليمة مراد العراقيّة1905 -1974 وزوجها ناظم الغزالي 1921 -1963

-نجاح سلام 1931 -2023، وقائمة الفنّانين/ات الرّاحلين طويلة جدّاً، وندعو بطول العمر والعطاء للذين ما زالوا بيننا من الفيروزة النّادرة ومرسيل خليفة من العباقرة، وقائمة الشّرف و(الأصالة) طويلة جدّاً، ونغنّي لهم جميعاً مع فريد الأطرش: لحن الخلود.

أيّ رئيس جمهوريّة يتخلّى عن مهامّه الرسميّة والتزاماته الإداريّة، ولو لساعتَين فقط، لينوب عن فنّان أصيل، كمُمثل شخصيّ له في العرض الأوّل لأحد أفلامه، بعد أن أصيب هذا الفنّان بوعكة صحّيّة، ويقول سيادة الرّئيس المُفَوَّض على الملأ: كلّفني الموسيقار فريد الأطرش أن أنوب عنه وألقي كلمته في هذا الاحتفال المهيب! فقط عبد النّاصر يا جمال، يا مقدام عروبتنا، فيكُم حقّقنا الآمال، وْنِلْنا غاية وحدتنا، هذا الرّئيس الشّعبي حين أرادوا إحراجه في حضور أيّ عرض احتفالي، بنفس الوقت، والخيار كان بين فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، ولا يستغرب القارئ/ة هنا أن سيادته يلتزم للسوري الجذور وللمصري الحضور! هيك الأصول وهيك النّزاهة والإنصاف! (مُبارَكُ أنت يا رئيس عَلِّمْني الأصولَ)!

فريد الأطرش الغائب الحاضر بِفَنّه وإبداعه وعبقريّه الموسيقية وألحانه الشّذيّة ومعزوفاته العالميّة ما زالت عالبال بعدَك يا جبل حوران، من لحن الخلود إلى المواويل والوطنيّات الرّائدة، حين كان العرب جميعهم عرباً، بعيداً عن الاستعراب والاىستغراب، تعود بنا الذّاكرة إلى الوراء، لنقف عند بعض وطنيّاته الخالدة، لنذْكُرَ وَنُذَكِّرً، وَلِتُسْمِعً كلماتنا مَن بهِ صَمَم، ومن باب: وَذَكِّر أن نفعت الذّكرى:

من جملة الأغاني ذات الطابع الوطني الحُر، وما زالت في الذّاكرة والوجدان نذكُر:

 بساط الرّيح، باسم الله والشّعب العربي، بور سعيد، حبيب حياتنا كُلّنا/عَلَم العروبة يا غالي، حبيبنا يا ناصر، الختام ليالي الأندلس، حَيّوا البطل، السَّدّ العالي، عيد الوحدة، غُنا العرب كلمة طَرَب، دعا الفجر، نداء العُلا، المارد العربي، وردة مِن دمنتا، يا داخلين أرضنا، يا مصر كنت بغربة وحيد، يوم الفداء، يوم الوحدة، اليوم يوم الشّجعان ، والقائمة طويلة، دعونا نتوقّف عند بعض هذه المقاطع:

إبّان العدوان الثلاثي على مصره قُرّة عينه، عام 1956يقول:

أنْتِ قبرٌ للغُزاة/ لَعْنة على الطُّغاة/

دعوةٌ إلى الحياة/ تُعلن الفجر الجديد

وفي عيد الوحدة بين مصر وسورية 1958 يقول:

 مبروك عالأمّة العربيّة/ عيد الأحرار والحُرّيّة/

مبروك وكمان مبروك / عالجمهوريّة العربيّة...

 ويمضي في هذا المضمار:

إليوم دا يوم الفرح والّليلة ليلة عيد/

والوحدة تَمّت لنا بارِك يا ربّنا وْزيد/

وْخَلّي مجد العرب دايماً في نصر جديد/

وحّدَتْ فينا القلوب والعِزّة والإيمان/

والنّصر في الدنيا دا مبني على التّوحيد/
ويتابع في موقع آخر:

 شعبنا يوم الفِدا فِعْلُهُ يسبق قَولَه/

لا تَقُل ضاع الرّجا، إنّ للباطل جولة/

ما لِعدوان مَفَرّ والوغى كَرّ وفَرّ/

نَحْنُ للتاريخ أمجاداً بنينا ورسالات الهُدى بين يدَينا/

  نحنُ في الزّمن الرّديء وهذا لا يتناسب مع شدو الأطرش:

أرض العروبة قْبالَكْ كُلها أوطان/

مِن شرقها لِغربها إلْكُل لَكْ أخوان /

وين ما تْوجّهتْ توجد منزلك في أمان/

في مصر، في نَجْد، في سورية في لبنان/

عن العلاقة الوطيدة مع جمال عبد النّاصر حدّث ولا حرج:

يا مرحبا بك يا جمال/ يا عيد ميلاد الثّائرين/

ثورة كِفاح ثورة جمال/ حَنْعيش لِآلاف السّنين/

   يا مرحبا بك يا جمال.

  عن المارد العربي حين ذاك قال فريد:

المارد العربي في العاَلَم العربي/

وطَنو في كُل مكان في دجلة في عمّان/

في مصر في لبنان والمغرب العربي/

 وغنّى فريد لعلَم العروبة آنذاك، قبل (تنكيسه):

 عَلَم العروبة يا غالي/ يا مْنَوَّر فوق في العالي/

عَلّينا الدّار على شانَكْ وسبقنا زمانّا وزمانَك...

 ويعود فريد لعبد النّاصر:

حبيبنا يا ناصر يا أعَزّ الحبايب/

بَطَلْ وِانْتَ حاضر بطل وانت غايب...

 وتبقى مصر أمّ الدّنيا عند الفريد، يا مصر يا نور العين:

إسْهري يا عيوني ولا تنامي/ أهي راجعة أحلى أيامي/

يا مصر يا أُمّ الدّنيا، وِبَحِبّ عشانها الدّنيا/

ما غابِتْشِ عنّي ثانية/ نايم صاحي قُذامي/

يقول الفريد: الوطن العربي بلادي/ أُمّي وابويَ واجْدادي...

 تفاءلْتَ يا فريد في عليائكَ أكثر من الّلازم!! وسنتفاءل معك قدر المستطاع، رغم المَكْر السّيّء المُحيق بنا.

**(للمزيد من هذه الوطنيّات، راجع صحيفة الاتّحاد 24 /12 /2010/نمر نمر)

 **

وما دُمْنا في عَبَق الماضي الجميل ووطنيّاته، والشّيء بالشّيء يُذْكر، ففي مآتمنا ومناسباتنا الاجتماعيّة العربيّة التي نُحافظ على بعضها، وفي قرية نائية، جَمْعٌ من المُعَزّين من مختلف قرانا ومدننا، فُضوليّ في لحظة شرود ذِهن وفِكر معاً، يلمح تركيبة مُلفتة للنظر، وإذا به يَتَطَفّل قائلاً على الملأ، دون أن يسْتأذن أحداً:

 ليس بغريب أن يلتقيَ في هذه القاعة أشبالُ: سميح القاسم ومحمد نفّاع، شاعر مجيد وأديب معطاء، والأشبال على درب أسَدَيهما وطنيّة وشهامة وعطاءً، وتمضي بضع دقائق، وإلاّ بأشبال الشاعر نايف سليم، أطال الله عمره وعطاءه، يُطِلّون بحضورهم الاجتماعي، وفيما قبل ذلك ، كان شِبلا الشّاعر الرّاحل حسين مهنّا يُزيّنان القاعة بحضورهما الصّامت الرّزين، وفيما بعد يرتقي ألطّبيب المعطاء: (فوزي) إلى الرّفيق الأعلى في ظروف مأساويّة، ليُسْدِلَ بستائره المُعتمة جوّاً حزيناً أليماً على أسْرة أخينا الكاتب غالب سيف ورفاقه معاً، وسميح ومحمد وحسين ونايف وغالب وأشبالهم، كلّهم على درب وطنيّات فريد الأطرش وجمال عبد النّاصر وكمال جنبلاط الشّهيد عام 1977 ، وقال هذا الشّهيد في ديوانه: السّلام/ أناندا:

إحْتَرَقَتْ بالنّار نفسي/ لم يبقَ شيء منها/ حتّى وَلَو/ رماد/

وتابع قائلاً: إعْمَلِ الأشياءَ دون أن يبقى منها شيء/ حتّى ولو/آثار/ أمل!

 هكذا تتشابك وتتعانق آلامنا وآمالنا سويّاً مع اليأس وفقدان البوصلة والمواساة، لننتفض جديداً من رمادنا كطائر الفينيق، للرّاحلين الرّحمة وللطيّبين طيبة الحياة.

 وما دُمنا قاب قوسَين من عيدَي الميلاد المجيد ورأس السّنة الميلاديّة، نبتهل معاً: طوبا لصانعي السّلام، المجد لله في العُلا وعلى الأرض السّلام وفي النّاس/ القلوب المَسَرّة!

 وعلى أمل، ألاّ يستشهدَ السّلام في أرض السّلام.

**

وحدث ما حدث أخيراً في سوريا الوطن، وما بين شامت وصامت، وجاحد وحاقد، وركوع وخنوع، وتطويع وتجويع، وترقيع وترفيع، تعود بي الذّاكرة إلى الشّاعر الفلسطيني المُهجَّر: يوسف الخطيب، دورا/ الخليل/ ألأردن/سوريا 1931-2011، حيث قال:

 أكادٌ أومِنُ مِن شكٍّ ومن عجب/ هذي الملايين ليسَتْ أمّةَ العرب.

وأنا لا أدافع عن الأب والابن، بل تحضرني مقولة السّيّد المسيح، حين أحضروا زانية أمامه لُإحراجه خُبثاً ولؤماً، فقال مُتهكّماً ساخراً: مَن كان منكم بلا خطيئة، فلْيَرْمِها أوّلاً بحجر/ يوحنّا /7 / 8!،عجيب غريب هذا العالَم، صبراً وصبراً وصبراً! وَعَوْدٌ لتفاؤل ألأطرش، ولسْنا كالأطرش في الزّفّة! رغم وصولنا عَ َراس الحِفّة/ مع الصّبّوحة المشفوحة!

 

 

في الصورة: عبد النّاصر والأطرش علاقة مُميّزة والجمهوريّة العربيّة المَتّحدة  

              

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية