في الذكرى الثانية لفراقها: سميرة الخطيب شاعرة نبَضاتُ قلبها خفقَتْ باسم فلسطين والقدس| نبيه القاسم

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تميّزت السنواتُ العشر الأولى بعد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بالحِراك السّياسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ رغم قَبْضة الاحتلال القوية فصدرت الصحفُ العديدة وتعدّدت النشاطات الثقافية والأدبية والاجتماعية والسياسية، وكانت القدس مركز النشاط الكبير، منها تصدر الصحف العربية، وفيها تُعقد الاجتماعات السياسية. وبرزت في هذه السنوات أسماء الشخصيات الثقافية والأدبية والسياسية والاجتماعية التي لعبت أدوارا مهمّة في تحريك الجماهير وتوعيتها وتوجيهها لمقاومة الاحتلال. وكان للأدباء والشعراء والنقّاد دورُهم الكبير، أذكر منهم الشعراء: فدوى طوقان، علي الخليلي، عبد اللطيف عقل، عبد الناصر صالح، خليل توما، أسعد الأسعد، جمال سلسع. ومن النقاد: محمد البطراوي، محمود العطشان، عيسى أبو شمسية، صبحي شحروري، أحمد حرب، عادل الأسطة، عبد الكريم خشان. ومن الروائيين وكتاب القصة القصيرة: محمود شقير، سحر خليفة، خليل السواحري، أكرم هنيّة، جمال بنورة، جميل السلحوت، عبد الله تايَه، محمود الريماوي، إبراهيم العلم، غريب عسقلاني، زكي العيلة، سامي الكيلاني.

ووسط هذه الكوكبة من الأسماء الشاغلة للسّاحات الفلسطينية كلها كانت سميرة الخطيب تتفاعلُ وتتابع وتُعلنُ رغبتَها بخَجل وتَوَقّع وتتمنّى. وعندما أسألها مُستغربا لائما: لماذا لا تنشرين قصائدَك في الصحف؟! تنظر إليّ مستفسرة:

- وسط كلّ هذه الأسماء مَن يلتفت لما أكتبُ.

وأشجّعها لإيماني بموهبتها وقُدْرتها: ستكونين من بين أفضلهم فقط حاولي.

وبالفعل نشرت سميرة بعضَ قصائدها تحت اسم "ليلى المقدسيّة" وتساءل الكثيرون: مَنْ تكون هذه الشاعرة؟ أمَقْدسيّة هي؟

وكنّا نصمتُ ونبتسم ونحن نستمعُ إلى تعليقات الآخرين.

 

صلّيتُ للإلهِ

قبل أنْ يلفّني النّعاس

ساءلتُه وقايتي من الشّرورْ

ساءلتُه العقابَ إنْ رضَخْتُ للقصور

إنْ لم أكدّْ

إنْ لم أكُنْ نصيرةَ الفقيرْ

صّلّيْتُ

للسلام دونَ قيْدْ

لجائعٍ في يمَنِ الجنوب

باكستانَ..

أو في الهندْ.

ونمتُ..

 

وانطلقت سميرة لتؤكّدَ موهبتَها وتُرسّخَ كلماتها مؤمنة برسالتها التي بلورت لنفسها خطوطَها العريضة.

وكانت مدينتُها القدس مركز اهتمامها الأوّل، وباعثة صرختها العالية في وجه المحتل الذي لا يتوقّف عن مضايقة الأهل في أحياء المدينة ويقوم بهدم الكثير من البيوت قصدَ ترحيل الناس.  

 

يا قُدْسُ..

يا أميرتي العذراءْ

يا صخرة تُقاومُ الأنواءْ

يا مَصنعا.. رجالُه رجالْ

أطفالُه رجالْ

يا كعْبةً..

نساؤُها رجالْ.

 

لكنّ سميرة كانت تؤمن أنّ ليل الظلم لن يدوم وتعود الشمس لتُشرق فوق مدينة القدس وأسوارها:

 

ستعودُ الشمسُ لسور القدسِ،

ويرحلُ عن بلدي الطّغيانْ

سيعودُ الفرحُ، ويعلو الصّرحُ..

لأنّا نؤمنُ بالإنسانْ.

 

كانت الشاعرة فدوى طوقان هي المبدعة النسائية على السّاحة الفلسطينية، يتّفق الجميع على أنّها المتميّزة وسط الأسماء المتألقة بين جميع مبدعينا.

وبدأ أثر صوت سميرة قويّا بين المثقفين ومُحبّي الأدب، ولكنهم كانوا لا يتقبّلون بسرعة وبتفهّم كامل ظهورَ فتاة في مُقتبل العُمر. ثم كان وبرزت إلى جانب سميرة الخطيب صديقتُها الشاعرة والفنانة التشكيليّة ليلى علّوش، وعادت الشاعرة ليلي كرنيك ابنة رام الله لتنشر قصائدَها. وهكذا شهدت الساحة الأدبية الفلسطينية حراكا شعريا متميّزا كان لسميرة وليلى فيه الدورُ المهم.

وكما أحبّت سميرة مدينة القدس وخصّصتها بعشرات القصائد أحبّت أيضا الرئيس جمال عبد الناصر، ولم تتقبّل بسهولة خبر موته، وكانت كلماتها الحارقة فيه:

 

أجل .. سأقولُ:

"ناصرُ.. كانْ

منارتنا إلى الإيمانْ

هديّتنا إلى الإنسانْ

أمانتنا التي

لم نلقَ مَنْ يسطيعُ حوزتَها

.. سوى الرحمن.."

وسوف أقول للأطفالْ:

"وكان جمالْ..

منارَ نضالنا

بطلا كبير القلب.. والآمالْ

نصيرَ مطالب الشرفاءِ

فلاحين.. أو عمّالْ

وناصر كان يا أجيالْ

أبا الأحرارْ

أبا الثوّارْ

 

وفي القدس عرفتْ سميرة الحبّ وكتبتْ أجملَ القصائد:

 

.. كتعويذه

أُخبّئُ رَسمَكَ المحبوبَ في قلبي،

كتعويذه

وفي الأسحار

حين تُغرّدُ الأطيارُ للعشّاق تغريده

أقبّلُ رسمَكَ الغالي

وأحضُنُ فيك آمالي

وأرجو اللهَ والإنسانْ

والنُّسّاك والأوثان

أن نبقى معا: حتى نطالَ الشمس!

وربّ الكون يُسمعنا أناشيدَه.

 

وتخاطب المحبوب بحرقة:

 

معي عيناكَ

رغم البُعْدِ والبؤسِ

معي شفتاكَ

تشرح ما خفي معناه من درسي

معي زنداكَ.. تحضنني

بليل أزقّة القُدسِ

 

وتتساءل:

 

إلان أفرُّ يا مغدور

من جرح الهوى الأبَدي...؟

سلاسل قيدِكَ المعبودِ

قد صَدِئَتْ على زندي

إلانَ أفرُّ يا معبودُ

من تَذكارنا الماضي؟

وأينَ الدّربُ..

أينَ الدّربُ..؟

نُؤتُ بثقْلِ أصفادي

وأنتَ الخالقُ السّالي

وأنتَ النّير في عُنُقي

وتجريحي، وتشريدي

وشفرةُ ألف سكينٍ

على جيدي

وأنتَ حبيبيَ الغالي

وآلامي، وآمالي.

 

ووصلتني رسالة من سميرة أثارت لديّ المخاوف والتّساؤلات، تقول فيها:

-"لا أدري ماذا تعني الحياة لي تماما.. ماذا تعني لكَ؟ هل تُحسّ كلّ يوم بأنّكَ كبرتَ يوما.. وهل تُحسّ بتجارب هذا اليوم تزيدك حكمة؟ أنا لا أشعر. يُخيّل لي أنّ كلّ يوم يزيدني تفاهة وبلاهة.. وابتعادا عن الواقع.. قد تعجب بأنّ ما يمزقني من النّخاع هو فشلي العام.. فشلي في كلّ شيء.."

وزاد خوفي وقلقي عندما ناولتني قصيدة جديدة لها بعنوان "مزامير على النّعش المصلوب" تُخاطب بها صديقتنا المشتركة ليلى علوش، تقول فيها:

 

"أرى حفرة القبر – يا أختَ دربي- قريبه

وأشعر يا أخت دربي..

-أوّاه.. اعذريني!-

يُخيّل لي.. أنّني سأموتُ غريبه!

وسوف أمزّق بالحزن أفراحَ أمي

وتحمل بعد وفاتي

-كما حملت في حياتي- أعباءَ همّي..

وتبكين أنتِ..

 -سلامة عينيكِ يا ألف حبيبه-

.. لدى أنْ أسجّى بقطعة ارض رطيبه

لأنّكِ يا أختَ قلبي.. عرفتِ بأنّي

حُرِمْتُ طوال حياتي طعمَ العذوبه.

وما زال أبناءُ قومي يُعانون علّة أمس القديمه

وفي عُرفهم: ثوبُ فَقري القصير

أساس الهزيمه!

وسعيي لأجل اختطاف فتافيت عيشي

من فكّ ذئب، جريمه!

فيا ليل.. لا تعتبيني..

سأرتاح في الموت.. أرتاح، لكن...!

ترى مَنْ يُسدّد باقي ديوني؟!

اشدّ وشاحي الأخير بقوّه..

وأمشي..

ونعشي أمامي يُحدّقُ فيَّ بقسوه.

وأمشي.. أشدّ إليّ الكفن

ونعشي امامي كبير.. قويّ..

كأرض الوطن

وكلّ الذين أمرّ عليهم..

يغزّون في جرح قلبي خناجر

ويضحك منّي..

حسود، حقود، لجوج،

وزان، وقاس، وساخر!

وأشعر أنّي حقيبة ساحر..

ففيَّ القباحة، فيّ الجمال، وفيَّ إله

ولصٌّ مُغامر!

وأمشي بيأسي..

أُجرجرُ خطوي، أشدُّ إليَّ الكفن..

وأبعد نعشي.. مَفَرّي الوحيد أمام الزّمن..

 

كانت سميرة في حالة يأس شديد، تتمنى الموت بقوّة. تشكو من كل مَنْ حولها، فأقرب الناس إليها لا يفهمها، تُفكر بالموت كحل أمثل. وبعد حديث طويل عن الحياة وقيمتها، ودَور الواحد منّا في هذه الظروف التي يمرّ بها شعبُنا التي تفرض على الواحد التّعالي على الهموم الذاتيّة وتفاهات الناس، مدّت يدَها مُودّعة وهي تقول بهمس مسموع:

 

إنّني في غَدٍ راحله

لا تَسَلْني لماذا..

إلانَ

نوَيْتُ الرّحيلْ.

 

وبالفعل تركت سميرة القدس والوطن وسافرت تبحث لها عن مكان تجدُ فيه الرّاحة. وأخيرا استقرت في الولايات المتحدة ونجحت في حياتها وبنَت أسرة صغيرة سعيدة إلى أنْ كان الحادي عشر من حزيران عام 2021 وفارقت الحياة بعيدا عن الوطن.

وتبقى قصائدُها التي لم تُجمَع في ديوان أو لم تُنشَر، ورسائلُها الجميلة تلحّ عليّ:

إلى متى الانتظار؟! إلى متى؟ والعمرُ يمرُّ سريعا.

 

*توفيت الشاعرة سميرة الخطيب في الولايات المتحدة الأمريكية يوم 11 حزيران 2021

قد يهمّكم أيضا..
featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة